لم يعد
ممكنا فهم التحولات الكبرى التي يشهدها الإقليم والعالم من خلال لغة الموارد
وحدها، أو عبر التفسيرات التقليدية التي تربط القوة بحجم الثروة أو عدد السكان أو
الموقع الجغرافي فقط. فالتجارب المعاصرة تؤكد بصورة متزايدة أن الدول لا تصعد
بإمكاناتها الخام وحدها، بل بالنخب التي تدير هذه الإمكانات، وتحولها إلى مشروع
قوة ونفوذ وحضور تاريخي. ولهذا يبدو الصراع الإقليمي الدائر اليوم، في جوهره، صراع
نخب ورؤى قبل أن يكون صراع حدود أو جيوش أو موارد.
فالنخبة
التي تمتلك تصورا استراتيجيا واضحا، وقدرة على بناء المؤسسات، وإدارة المعرفة،
وربط الهوية بالمصالح، تستطيع أن تصنع من الدولة لاعبا فاعلا حتى لو كانت تعاني من
محدودية الموارد أو التعقيدات الداخلية؛ بينما قد تمتلك دول أخرى ثروات هائلة
وإمكانات بشرية ضخمة، لكنها تبقى عاجزة عن تحويلها إلى قوة حقيقية بسبب هشاشة
النخبة، أو غياب المشروع الجامع، أو سيطرة عقل السلطة القصير المدى على حساب عقل
الدولة والحضارة.
النخبة التي تمتلك تصورا استراتيجيا واضحا، وقدرة على بناء المؤسسات، وإدارة المعرفة، وربط الهوية بالمصالح، تستطيع أن تصنع من الدولة لاعبا فاعلا حتى لو كانت تعاني من محدودية الموارد أو التعقيدات الداخلية
ومن يراقب
تجارب تركيا وإيران وإسرائيل وإثيوبيا خلال العقود الأخيرة، يلاحظ أن القاسم
المشترك بينها جميعا هو وجود نخب امتلكت -بدرجات متفاوتة- رؤية تتجاوز الإدارة
اليومية للسلطة إلى محاولة بناء دور إقليمي ومشروع طويل المدى. قد نختلف جذريا مع
بعض هذه المشاريع أو نرفضها أخلاقيا وسياسيا، لكن ذلك لا يمنع من قراءة آليات
عملها وفهم أسباب فاعليتها وقدرتها على إنتاج النفوذ والحصانة.
فتركيا،
على سبيل المثال، لم تستعد حضورها الإقليمي فقط بسبب موقعها الجغرافي أو إرثها
العثماني، بل لأن النخبة السياسية الجديدة هناك نجحت في إعادة تعريف دور الدولة
التركية. فبعد عقود من الانكفاء الكمالي الصارم، ظهرت مقاربة أكثر براغماتية حاولت
الجمع بين الهوية القومية والإسلامية، وبين الانفتاح الاقتصادي والطموح الجيوسياسي.
كما استثمرت الدولة التركية بصورة كبيرة في الصناعات الدفاعية، والبنية المؤسسية،
والبنية التحتية، والتعليم، والاقتصاد الإنتاجي، وهو ما منحها قدرة متزايدة على
التأثير في ملفات المنطقة من شرق المتوسط إلى إفريقيا وآسيا الوسطى.
ولم يكن
هذا التحول مجرد قرار سياسي عابر، بل نتاج نخبة أدركت أن الدول لا تحمي نفسها فقط
بالتحالفات الخارجية، بل كذلك ببناء القوة الذاتية، وبامتلاك مشروع وطني يمنح
المجتمع شعورا بالاتجاه والهدف. ورغم ما تواجهه تركيا من استقطاب داخلي وأزمات
اقتصادية وضغوط إقليمية، فإنها ما تزال تملك قدرة واضحة على الحركة والمناورة
وصناعة التأثير.
أما
إيران، فقد قدمت نموذجا مختلفا يقوم على "الصبر الاستراتيجي" وتراكم
النفوذ طويل المدى. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، بنت النخبة الإيرانية مشروعها
على مركزية العقيدة والهوية القومية، وربطت بين الأمن القومي والتصنيع العسكري
وبناء الشبكات الإقليمية. كما نجحت -رغم العقوبات والحصار الطويل- في إنتاج قدر
معتبر من الاكتفاء النسبي في بعض القطاعات الحيوية، وفي بناء منظومة نفوذ إقليمي
ممتدة.
واللافت
في التجربة الإيرانية أن النخبة الحاكمة تعاملت مع العقوبات لا باعتبارها نهاية
المشروع، بل باعتبارها جزءا من الصراع طويل المدى، وهو ما أنتج عقلا استراتيجيا
شديد الصبر والقدرة على امتصاص الضغوط. ومع ذلك، فإن هذا النموذج لا يخلو من أزمات
داخلية حقيقية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو في ما يتعلق بعلاقة
الدولة بالمجتمع والحريات العامة.
أما
إسرائيل، فقد بنت مشروعها على معادلة واضحة تقوم على التفوق النوعي الدائم. فمنذ
تأسيسها، أدركت النخبة الصهيونية أن البقاء في بيئة معادية يتطلب امتلاك تفوق
مستمر في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد والتحالفات الدولية. ولهذا، استثمرت
بصورة هائلة في التعليم والبحث العلمي والصناعات العسكرية والتقنيات المتقدمة،
وربطت المعرفة مباشرة بالأمن القومي.
كما نجحت
في بناء شبكات نفوذ قوية داخل مراكز القرار الغربية، خاصة في الولايات المتحدة،
وهو ما منحها قدرة استثنائية على حماية مشروعها سياسيا وعسكريا واقتصاديا. لكن هذا
النموذج يحمل في داخله كذلك أزمات عميقة تتعلق بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه، سواء
من حيث أزمته الأخلاقية المرتبطة بالاحتلال والاستيطان، أو من حيث
التحديات
الديمغرافية والانقسامات الداخلية المتزايدة.
وفي
إثيوبيا، تبدو الصورة مختلفة نسبيا، لكنها تكشف هي الأخرى دور النخبة في صناعة
الطموح القومي. فإثيوبيا، رغم الفقر والأزمات الداخلية والتنوع العرقي المعقد،
استطاعت خلال العقود الأخيرة أن تبني مشروعا قوميا واضحا، جعل من "سد
النهضة"
رمزا للسيادة والصعود الوطني. وقد نجحت النخبة الإثيوبية في توظيف الجغرافيا
والمياه والديموغرافيا لتعزيز حضورها الإقليمي، وإعادة تعريف دور الدولة الإثيوبية
في أفريقيا والقرن الأفريقي.
وفي
المقابل، يبدو المشهد
العربي أكثر إيلاما؛ لأن الأزمة العربية ليست أزمة نقص في
الإمكانات، بل أزمة في طبيعة النخبة ووظيفتها ورؤيتها. فالعالم العربي يمتلك
الثروة والموقع والسكان والتاريخ، لكنه افتقد في كثير من الأحيان النخبة القادرة
على تحويل هذه العناصر إلى مشروع حضاري واستراتيجي متماسك.
أي نهضة عربية مستقبلية لن تبدأ من النفط أو الجيوش أو الشعارات، بل من إعادة بناء العقل السياسي العربي نفسه، ومن إنتاج نخبة جديدة تمتلك رؤية استراتيجية، وتؤمن بالمؤسسية، وتربط بين التعليم والأمن القومي والتنمية، وتعيد الاعتبار للكفاءة والمعرفة، وتتصالح مع شعوبها
لقد غلب
على قطاعات واسعة من النخب العربية منطق "إدارة السلطة" بدل "بناء
الدولة"، ومنطق الولاء بدل الكفاءة، ومنطق البقاء السياسي القصير المدى بدل
التفكير الحضاري طويل المدى. فتحولت الدولة في كثير من الحالات إلى جهاز هدفه
حماية النظام أكثر من حماية المجتمع أو بناء
المستقبل، كما أدى غياب المشروع
العربي الجامع إلى تآكل الوزن الإقليمي للعالم العربي، وتحول كثير من دوله إلى
ساحات تنافس للقوى الإقليمية والدولية بدل أن تكون مراكز تأثير وصناعة قرار.
ولا يمكن
بالطبع تجاهل أثر الاستعمار والتجزئة والتدخلات الخارجية والاقتصاد الريعي في
تشكيل هذا الواقع، لكن هذه العوامل وحدها لا تفسر استمرار الأزمة لعقود طويلة.
فبعض الدول التي واجهت ظروفا أشد قسوة استطاعت -بفضل نخبها- أن تبني قدرا من
الحصانة والاستقلال والفاعلية.
ولهذا فإن
السؤال الحقيقي الذي يواجه العالم العربي اليوم ليس فقط: كيف نواجه التحديات
الخارجية؟ بل: أي نوع من النخب نحتاج؟ وهل ما زالت النخبة العربية قادرة على إنتاج
مشروع نهضوي جديد، أم أنها ما تزال أسيرة عقل إدارة الأزمات والسلطة؟
إن أي
نهضة عربية مستقبلية لن تبدأ من النفط أو الجيوش أو الشعارات، بل من إعادة بناء
العقل السياسي العربي نفسه، ومن إنتاج نخبة جديدة تمتلك رؤية استراتيجية، وتؤمن
بالمؤسسية، وتربط بين التعليم والأمن القومي والتنمية، وتعيد الاعتبار للكفاءة
والمعرفة، وتتصالح مع شعوبها، وتفهم أن بناء الدولة الحديثة لا يقوم على الخوف
والولاءات الضيقة، بل على الثقة والعدالة وإطلاق الطاقات.
فمعركة
المستقبل في منطقتنا ليست فقط معركة حدود أو موارد، بل معركة وعي ونخب ومشروعات.
والدول التي تمتلك نخبة تعرف ماذا تريد، وكيف تبني، وكيف تدير الصراع والتاريخ، هي
وحدها القادرة على البقاء والتأثير وصناعة مكانها في العالم القادم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.