اللحظة المنتظرة وتجارب الإسلاميين في الحكم

طارق الزمر
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
شهد العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة تحولا سياسيا لافتا مع صعود قوى ذات مرجعية إسلامية إلى مواقع الحكم بعد مسار طويل من الإقصاء والملاحقة، غير أن هذه اللحظة لم تتحول في معظم الحالات إلى استقرار سياسي مستدام، بل سرعان ما دخلت في مسارات متباينة من التعثر أو الاحتواء أو التكيف. هذا التباين، على امتداد التجارب، لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل يكشف عن نمط مركب من التفاعلات بين عوامل داخلية تتعلق بطبيعة هذه الحركات، وضغوط خارجية تتصل ببنية الدولة والسياقين الإقليمي والدولي.

لم تكن الدولة التي دخلت إليها الحركات الإسلامية فضاء محايدا لإدارة التنافس السياسي، بل بنية تاريخية تشكلت على عين الاستعمار، وفي سياق مركزي شديد التعقيد، أُعيد فيه تنظيم السلطة على أسس تفصل بين المجتمع والدولة، وتمنح الأجهزة المؤسسية العميقة قدرة عالية على ضبط المجال العام وتوجيه القرار. ومن ثم فإن الوصول إلى الحكم لم يكن يعني بحال امتلاك السلطة بقدر ما كان يعني الاحتكاك بمنظومة قائمة تمتلك منطقها الخاص، وقادرة على استيعاب الداخلين إليها أو إعادة تشكيلهم أو إقصائهم.

في هذا السياق، برزت إشكالية جوهرية تمثلت في الخلط بين الشرعية الشكلية والقدرة الفعلية على الحكم. فالفوز عبر الآليات الانتخابية أُخذ في بعض الأحيان بوصفه لحظة الحسم، بينما كان في الواقع بداية اختبار شديد التعقيد. غاب في كثير من التجارب الإدراك العميق لطبيعة المؤسسات الحاكمة، ولآليات اشتغالها، ولموازين القوة الحقيقية داخل الدولة، ما أدى إلى خلل مبكر في إدارة التوازنات، انعكس على قدرة هذه الحركات الإسلامية على تثبيت مواقعها أو توسيع نفوذها.

وعلى المستوى الفكري، كشفت التجارب عن فجوة في تصور الدولة الحديثة، حيث لم يُحسم بشكل كافٍ الإطار النظري الذي ينظم العلاقة بين المرجعية الفكرية ومتطلبات العمل السياسي. ظهر ذلك في محدودية التأصيل لمسائل السلطة، وفي التداخل بين المجال الدعوي والسياسي، وفي ضعف فقه المآلات، ما أدى إلى حضور نزعة مثالية في بعض اللحظات لم تكن قادرة على استيعاب تعقيد الواقع السياسي. وقد انعكس هذا الخلل في ضعف بناء التحالفات، والتردد في إدارة التعدد، وسوء تقدير موازين القوى.

أما على المستوى التنظيمي، فقد برزت تحديات متراكمة تتعلق ببنية القرار وآليات العمل داخل التنظيمات الإسلامية. إذ ظل الاعتماد على مركزية القيادة حاضرا في كثير من الحالات، مع ضعف في البناء المؤسسي، ونقص في الكفاءات التنفيذية القادرة على إدارة الدولة، إلى جانب بطء في التكيف مع متطلبات الحكم. كما أن إرث العمل السري في بعض التجارب انعكس على الأداء العلني، فأعاق الانتقال إلى عقل الدولة، وأضعف القدرة على إدارة الأزمات، خاصة في اللحظات الحاسمة.

في المقابل، لم تكن البيئة المجتمعية ثابتة أو مستقرة على نحو يضمن الدعم المستمر. فقد أظهرت التجربة أن الحاضنة الشعبية تتأثر سريعا بالأزمات الاقتصادية، وبالضغوط الإعلامية، وبالمخاوف المرتبطة بالتغيير السريع، وهذا طبيعي ومتوقع. كما أن ضعف التواصل مع قطاعات واسعة من المجتمع، وعدم إدارة التنوع الاجتماعي والثقافي بكفاءة، أدى إلى تآكل الدعم أو تذبذبه في لحظات مفصلية.

وعلى المستوى الإقليمي، واجهت غالب التجارب الإسلامية في الحكم بيئة حذرة في أحسن الأحوال، ورافضة في كثير من الأحيان، حيث نظرت قوى إقليمية إلى هذا الصعود بوصفه تهديدا محتملا، فسعت إلى احتوائه أو إجهاضه عبر أدوات سياسية ومالية وإعلامية. أما على المستوى الدولي، فقد غلبت اعتبارات الاستقرار التقليدي على دعم التحولات السياسية، ما أدى إلى ممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة لإعادة ضبط المسارات بما يتوافق مع مصالح القوى الكبرى.

وفي قلب هذا المشهد، برزت بنية الدولة العميقة كفاعل حاسم، إذ احتفظت بقدرتها على التأثير داخل المؤسسات، وأعادت ترتيب موازين القوة من الداخل بأريحية كاملة، مستخدمة أدواتها الإدارية والأمنية والقانونية لإدارة الصراع، وصولا في بعض الحالات إلى إعادة إنتاج السلطة بصورة جديدة. ولم تكن هذه العوامل منفصلة عن بعضها، بل تفاعلت في إطار مركب، حيث فتح الخلل الداخلي المجال، واستثمرت الضغوط الخارجية هذا الخلل، وتكفلت الأدوات الإعلامية بتضخيم الأزمات وتسريع إيقاعها.

تقدم المقارنة بين المسارات المختلفة دلالة واضحة على أن النجاح النسبي لبعض التجارب ارتبط بقدرتها على التكيف مع بنية الدولة، وفهم حدودها، والعمل على إعادة تشكيلها تدريجيا، بدل الاصطدام المباشر بها. كما ارتبط بتحقيق قدر من التوازن بين الرؤية والممكن، وبين الطموح والواقع، وبالقدرة على بناء تحالفات، وإدارة التعدد، فضلا عن تطوير أدوات العمل السياسي بما يتناسب مع السياق.

في المقابل فإن التعثر لم يكن نتاج عامل واحد، بل نتيجة تفاعل بين قصور داخلي وضغوط خارجية. لم يكن الفشل حتميا، لكنه كان مرجحا في ظل غياب الرؤية المتكاملة، وضعف التقدير، وغياب الأدوات الكافية لإدارة التحول. كما أن الاعتماد على الشرعية الشكلية دون تحويلها إلى قدرة حقيقية على الإنجاز أو المقاومة، أسهم في تعميق الفجوة بين التوقعات والواقع.

تؤكد هذه التجارب أن الدولة القُطرية الحديثة ليست إطارا سهل الاختراق أو التغيير، بل بنية معقدة تتطلب فهما عميقا، وأدوات طويلة المدى، وقدرة على إدارة الصراع والتوازنات في آن واحد. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول حدود الإصلاح من داخل هذه البنية، وحول الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة معها في ضوء طبيعتها وتعقيداتها.

وتبدو الدروس المستفادة واضحة في خطوطها العامة، إذ لا يمكن إدارة الدولة دون فهم دقيق لطبيعتها، ولا يمكن تحقيق الاستقرار دون بناء تحالفات واسعة، كما أن الشرعية لا تكفي دون قدرة على الإنجاز، وإدارة الصراع بوعي تظل شرطا أساسيا للاستمرار. كذلك فإن التوازن بين المبادئ ومتطلبات الواقع يظل مفتاحا حاسما في تجنب الانزلاق نحو التعثر.

أما استئناف التجربة، فإنه يتطلب مراجعة عميقة تتجاوز السطح إلى البنية، تبدأ من وضوح المشروع السياسي، وتمر ببناء مؤسسات قوية، وتطوير الكفاءات، وتنتهي بإعادة صياغة الفهم لطبيعة الدولة بوصفها التحدي المركزي. فالمسألة لم تعد مجرد دخول إلى السلطة، بل كيفية التعامل مع بنية السلطة ذاتها.

في المحصلة، لم يكن التعثر عارضا أو مفاجئا، بل نتيجة منطقية لاختلالات داخلية تفاعلت مع بيئة معقدة. وهو ما يجعل هذه التجارب رغم إخفاقاتها، رصيدا معرفيا بالغ الأهمية، يمكن البناء عليه لإنتاج نماذج أكثر قدرة على الفهم والتكيف. فالمستقبل لن يكون امتدادا آليا للماضي، بل ثمرة لقدرة الحركات الإسلامية على التعلم، وإعادة بناء أدواتها، وصياغة مشروعها في ضوء واقع أكثر تعقيدا واضطرابا وتغيرا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)