بعض
الكلمات
خُلقت لتُقلقنا، أما اليوم، فلم تعد تُحرّك فينا شيئا.. "القلق"،
"ضبط النفس"، "خفض التصعيد"، "الأسف".. تبدو كلمات
مسؤولة، بل رصينة، لكنها لا تطالب بشيء. ربما لم يتوقف العالم عن الكلام،
بل تكلّم إلى حدٍّ جعل الاستماع نفسه مرهقا. المفردات ما تزال قائمة، لكن
الاستجابة اختفت.
لم يحدث هذا فجأة،
فلطالما ارتبطت
اللغة بالسلطة، لكن في السياسة الدولية المعاصرة تحوّلت إلى شيء
آخر: أداة عزل. تُصدَر البيانات، تُكرَّر المواقف، ويُحافَظ بعناية على انطباع
الانخراط، بينما يبقى النظام نفسه شبه ساكن. المسافة بين القول والفعل أصبحت -بهدوء-
أكثر المساحات أمانا في السياسة الدولية.
وهنا تبدأ
الكلمات بفقدان وزنها. يسمّي علماء النفس هذه الظاهرة "التشبّع
الدلالي"؛ اللحظة التي تفقد فيها اللغة أثرها العاطفي والمعرفي بفعل التكرار.
حين تُكرَّر العبارات والمواقف والاستجابات بلا نهاية، يتوقّف العقل عن التعامل معها كإشارات استعجال، تبقى اللغة، لكن ثقلها ينهار
التسمية أقل
أهمية من نتائجها؛ حين تُكرَّر العبارات والمواقف والاستجابات بلا نهاية، يتوقّف
العقل عن التعامل معها كإشارات استعجال، تبقى اللغة، لكن ثقلها ينهار.
حذّر جورج أورويل
من هذا الخطر قبل أن يدخل المصطلح القاموس النفسي. في رواية 1984، لم تكن أداة
السلطة الأكثر فاعلية هي القمع المباشر، بل التكرار. شعارات تُردَّد حتى يصبح
التناقض أمرا طبيعيا، لم يُقنَع الناس بل أُنهكوا. وكان الإرهاق، لا الإيمان، هو
ما أنهى المقاومة. عالمنا ليس ديستوبيا أورويل، لكن بصيرته حول قدرة اللغة على
إنهاك الاعتراض لم تعد بعيدة.
اليوم، السياسة
العالمية مشبعة بكلمات مُدارة بعناية: "سلوك مسؤول"، و"ردّ محسوب"،
و"ضرورة منع التصعيد". كانت هذه
العبارات تحمل يوما ثقلا أخلاقيا، أمّا الآن، فهي غالبا مجرّد علامات إجرائية؛
دليل على أن شيئا قيل، لا على أن شيئا سيتبعه. توسّعت اللغة، لكن المساءلة تآكلت.
غزة تقدّم المثال
الأوضح على هذا التحوّل، لا لأنها غائبة عن النظر، بل لأنها مرئية بلا توقف. الصور
تتدفّق، التقارير تتكاثر، البيانات تتكرّر، ومع هذا التكرار، يتشكّل خدرٌ خطير.
هذا ليس صمتا، بل إنهاك دلالي. العالم لا يفتقر إلى المعلومات؛ بل يفتقر إلى
الإحساس بالإلحاح.
وقد تبيّن أن هذا
الإنهاك مفيد على نحو غير متوقّع للسلطة؛ حين تصبح ردود الفعل روتينية، يمكن تأجيل
المسؤولية. عبر الكلام بما يكفي لإظهار الانخراط -والفعل بالقليل الكافي لتجنّب
العواقب- تحتفظ الدول بهامش المناورة بينما تتخلّى عن المساءلة.
الصمت، في هذا
السياق، لم يعد ضعفا؛ بل أصبح استراتيجية.
المنطق نفسه يعيد
تشكيل مجال الأمن العالمي. فالفضاء، الذي كان يُنظر إليه
باعتباره مجالا للاتصال والتنبؤات الجوية والربط التقني، تحوّل إلى ساحة
استراتيجية متنازع عليها بالكامل. تطوير الصين لقدرات المناورة المدارية -أقمار صناعية
قادرة على تغيير السرعة والمسار والتأثير في أنظمة أخرى- يشير إلى تحوّل في كيفية
ممارسة
القوة خارج الأرض. في المقابل، باتت الولايات المتحدة وحلفاؤها يتعاملون مع
الفضاء لا كحدٍّ علمي، بل كأصل عسكري واقتصادي. لم يعد الفضاء سماء؛ بل أصبح طريقا
سريعا، تُحدَّد فيه الأفضلية بالوصول والسرعة والقدرة على التعطيل.
ولا يتوقف هذا
المنطق عند المدار، بل يمتد إلى الأعماق، إلى قاع البحار وما دونه. كابلات
البيانات البحرية، والمعادن النادرة، والليثيوم، والكوبالت لم تعد موارد اقتصادية
فحسب؛ بل تحوّلت إلى قضايا أمن قومي. التقنيات الدفاعية المتقدمة، والأنظمة
الفضائية، والبنى الرقمية تعتمد عليها. لم يعد الأمن والاقتصاد مجالين منفصلين؛ بل
اندمجا في منظومة استراتيجية واحدة.
التشبّع الدلالي لا يبدأ بالقمع، إنه ينتهي بالقبول الصامت. وفي السياسة الدولية، غالبا ما يكون القبول الصامت أكثر انتصارات القوة دواما
ضمن هذا السياق،
لم تتكشّف أزمات 2025 (دمار غزة، تصاعد التنافس التكنولوجي والاقتصادي بين
الولايات المتحدة والصين، الحروب التجارية، أنظمة العقوبات) بمعزل عن بعضها، بل
تداخلت. العسكرة تضغط على الاقتصادات، الضغط الاقتصادي يغذّي الهجرة، الهجرة
تُفاقم عدم الاستقرار السياسي، وعدم الاستقرار، بدوره، يبرّر مزيدا من العسكرة.
ليست هذه أزمات متفرقة، بل قوى متشابكة داخل النظام ذاته.
لهذا يصبح
التشبّع الدلالي بالغ الخطورة في هذه المرحلة. حين تُكرَّر مصطلحات مثل "المخاوف
الأمنية" و"التنافس الاستراتيجي" إلى حدّ تحوّلها إلى ضجيج تقني
خلفي، يمضي التحوّل بلا مقاومة. لا نرتدع، بل نتكيّف. وفي السياسة الدولية، نادرا
ما يكون التكيّف محايدا، فهو غالبا ما يخدم القوة.
العام القادم لن
يختبر قدرة العالم على الحديث عن الأزمات، بل سيختبر قدرته على تمييز اللحظة التي
يتحوّل فيها الصمت إلى سياسة؛ لأنه حين تفقد الكلمات قوتها، لا تعود السلطة بحاجة إلى
الإقناع. يكفيها أن تُكرّر.
التشبّع الدلالي
لا يبدأ بالقمع، إنه ينتهي بالقبول الصامت. وفي
السياسة الدولية، غالبا ما يكون القبول الصامت أكثر انتصارات القوة دواما.