كان عام
2025 عاما
لم يصرخ في وجه العالم، ولم يسقط مدوّيا على خرائط السياسة، لكنه ترك أثره في كل
صمت، وكتب تحوّلاته بين السطور. لم تتغيّر الحدود، ولم تُطلق المدافع، لكن
التحالفات تصدّعت، والسرديات تبدّلت، وموازين القوة أعادت ترتيب نفسها بهدوء. كان
ذلك العام الذي لم تُصنع قراراته على الطاولات، بل في الفراغات بينها؛ حيث بات
سلوك الدول أبلغ من خطاباتها، وصمت بعضها أكثر وقعا من ضجيج الآخرين. لم يشهد
العالم حربا شاملة في 2025، لكنه شهد بداية الحفر العميق في أنقاض القوة القديمة
تمهيدا لبناء ترتيب عالمي مختلف، والسؤال لم يعد: من انتصر؟ بل: من يستعد للمرحلة
التالية؟
بالنسبة للولايات
المتحدة، لم يكن 2025 عاما لاستعراض القوة بقدر ما كان عاما لإعادة تغليفها. حالة
الجمود في الحرب الأوكرانية، والإرهاق المتراكم داخل حلف الناتو، والانقسامات
السياسية الداخلية، دفعت واشنطن إلى اعتماد إيقاع دبلوماسي أكثر هدوءا وأقل
استعراضية. جرى تفادي المواجهة المباشرة مع الصين، لكن "المنافسة المُدارة"
تحوّلت إلى إطار مؤسسي، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
حالة الجمود في الحرب الأوكرانية، والإرهاق المتراكم داخل حلف الناتو، والانقسامات السياسية الداخلية، دفعت واشنطن إلى اعتماد إيقاع دبلوماسي أكثر هدوءا وأقل استعراضية
ورغم نجاح واشنطن
في ضبط التضخم وتعزيز استقلالها الطاقوي، إلا أن نفوذها الأخلاقي في العالم
الجنوبي لم يعد كما كان، وبدأت الأسئلة تُطرح في نيويورك وواشنطن حول ما إذا كانت
القوة الناعمة ما زالت قادرة على العمل منفردة.
في المقابل، مثّل
عام 2025 للسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي مرحلة إعادة تعريف لمفهوم القوة لا
استعراضها. لم تعد "رؤية 2030" مشروعا داخليا فحسب، بل تحوّلت إلى هوية
جيو-اقتصادية وجيوسياسية. مشاريع مثل "نيوم"، وإعادة هيكلة صندوق
الاستثمارات العامة، والانفتاح المنهجي على آسيا وأفريقيا، أعادت تموضع الرياض
بوصفها ركيزة إقليمية صاعدة. في الوقت نفسه، اتجهت دول الخليج إلى إدارة خلافاتها
بمنطق المصلحة، حيث شهدت العلاقات بين الإمارات وقطر تطبيعا وظيفيا، وحافظت عُمان
على دورها كقناة وساطة هادئة، فيما استمر التقارب السعودي-الإيراني الذي رعته
الصين ضمن توازن حذر لم يتحوّل بعد إلى بنية مؤسسية راسخة.
أما باكستان، فقد
كان 2025 عاما للانتقال من الضجيج إلى الاتجاه. رغم الضغوط الاقتصادية الخانقة،
ومفاوضات صندوق النقد الدولي القاسية، والتعقيدات السياسية الداخلية، برزت في
سياستها الخارجية درجة جديدة من الانضباط
الاستراتيجي. توسّع مشروع الممر
الاقتصادي مع الصين ليشمل التحول الرقمي والزراعة، وتجددت شراكات العمل والاستثمار
مع
السعودية ودول الخليج، فيما فُتحت قنوات محدودة مع روسيا في قطاع الطاقة. هذا
المسار أعاد تقديم باكستان كدولة نووية مسؤولة، لا تسعى إلى الاستقطاب الأيديولوجي
بل إلى الاستقرار العملي، وهو تحول لم تُصنع ملامحه بالتصريحات، بل بالأداء
المتّزن.
في المقابل، بدا
عام 2025 عاما مقلقا للهند. فعلى الرغم من رئاستها لمجموعة العشرين، وحضورها
المتزايد في تحالف "كواد"، واتساع ظهورها في العواصم الغربية، إلا أن نيودلهي
وقعت في فخ التمدد المفرط. الغموض داخل "بريكس"، والتوترات غير المحسومة
مع الصين، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، أسهمت في تراجع مستوى الحماسة
الغربية تجاهها. فالقوة حين تُفرط في الظهور تفقد جزءا من الثقة، وهو ما واجهته
الهند بوضوح خلال هذا العام.
وعلى مستوى الدول
المتوسطة والمختلطة، شهد 2025 تحولات أقل صخبا لكنها أكثر عمقا. حافظت الصين على
نمو اقتصادي بطيء لكنه ثابت، ووسّعت نفوذها عبر البنية التحتية والطاقة
والتكنولوجيا. ونجحت دول مثل إندونيسيا والبرازيل وفيتنام والمكسيك في ربط نموها
التصديري بهامش أوسع من الاستقلال الاستراتيجي.
يبقى السؤال الجوهري ليس من صعد، بل من يستطيع البقاء، إذ لم تعد التفضيلات الدولية تُمنح بالخطابات، بل تُنتزع بالأداء والاستمرارية
في المقابل، أعادت اليابان وكوريا
الجنوبية صياغة شراكاتهما الدفاعية مع الولايات المتحدة، فيما عانت أوروبا من تردد
مؤسسي واضح، جعل معادلة الاقتصاد والدفاع تتحول إلى أداة واحدة في صناعة السياسة الخارجية.
كما شهد عام 2025
تحولا ملحوظا في خريطة التفضيل الدولي. الدول التي اعتمدت الهدوء، والتوازن،
والقدرة على الإنجاز -مثل السعودية وباكستان وإندونيسيا- وجدت نفسها في صدارة
الأولويات الجديدة. أما تلك التي أسرفت في الثقة أو الجمود، فقد تراجعت مواقعها
نسبيا. ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري ليس من صعد، بل من يستطيع البقاء، إذ لم تعد
التفضيلات الدولية تُمنح بالخطابات، بل تُنتزع بالأداء والاستمرارية.
أما عام
2026،
فلم يعد مجرد أفق زمني، بل تحوّل إلى اختبار شامل: لاختيارات الدول، وبصيرة
قياداتها، والوزن الأخلاقي لقوتها. الدول التي برزت في 2025 مطالبة اليوم بإثبات
أن حضورها لم يكن عابرا، بل قائما على قدرة حقيقية على تحمّل المسؤولية التاريخية.
أما تلك التي أُبعدت إلى الخلف، فهي أمام مفترق طرق حاسم: إما إعادة تقديم نفسها
بوعي سياسي جديد وسردية مختلفة، أو الانسحاب الصامت من مشهد عالمي لا يرحم
المترددين. قد يكون العالم متجها نحو نظام جديد، لكن هذا النظام لن يُبنى بضجيج
القوة، بل بصمت القرارات الشجاعة، وباختيارات أخلاقية تمنح الدول ليس فقط القدرة
على البقاء، بل المعنى في لحظات التحوّل الكبرى.
[email protected]
Byrumaisa.com