الزراعة المائية في غزة.. حلول مبتكرة لمواجهة آثار الحرب والمجاعة (صور)

الزراعة المائية ملجأ الغزاويون في ظل الظروف الصعبة والحصار- عربي21
الزراعة المائية ملجأ الغزاويون في ظل الظروف الصعبة والحصار- عربي21
شارك الخبر
في قطاع غزة، حيث تَضيق الأرض وتَشحّ المياه وتُغلق المعابر، لم تعد الزراعة ترفا اقتصاديا، بل تحوّلت إلى معركة بقاء، ومع تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية خلال الحرب، وارتفاع أسعار المدخلات، برزت الزراعة المائية كأحد الخيارات القليلة القادرة على الصمود، ليس بوصفها تقنية حديثة فحسب، بل كحل عملي لتعزيز الأمن الغذائي في ظروف استثنائية.

من داخل البيوت والدفيئات الصغيرة، وعلى أسطح المنازل وفي مساحات محدودة، بدأت تجارب فردية وجماعية، يقودها مهندسون ومزارعون وباحثون، آمنوا بأن الغذاء يمكن أن يُنتَج حتى في أقسى الظروف.

اظهار أخبار متعلقة



مشروع منزلي يتحول إلى تجربة صمود

المهندسة الزراعية فاتن عاشور من دير البلح، صاحبة مشروع Smart Hydroponic Unit، بدأت تجربتها في الزراعة المائية باستخدام تقنية الأحواض العائمة داخل دفيئة مساحتها 225 مترًا مربعًا. وبحكم تخصصها الأكاديمي، سعت إلى تطبيق نموذج علمي دقيق يعتمد على التحكم الكامل في الري والعناصر الغذائية.

Image1_120261720419817185322.jpg
Image2_120261720419817185322.jpg
تقول عاشور لـ "عربي21" إن هذا النمط من الزراعة يوفّر إنتاجية عالية في مساحات صغيرة، مع تقليل استهلاك المياه مقارنة بالزراعة التقليدية، ما جعله مناسبًا لبيئة غزة، ويتيح إمكانية الإنتاج بجانب المنزل، دون الحاجة إلى أراضٍ واسعة أو موارد كبيرة.

وتضيف: "الحرب فرضت تحديات قاسية على المشروع، أبرزها صعوبة الحصول على الأسمدة اللازمة لتركيب المحاليل المغذية بسبب إغلاق المعابر والقيود المفروضة على إدخالها، إضافة إلى ارتفاع أسعار البذور، والانقطاع المتكرر للكهرباء، ورغم ذلك، لم يتوقف المشروع، بل شهد تحولًا نوعيا".

توضح عاشور أنها لجأت إلى الزراعة العضوية، واعتمدت على الإنتاج الذاتي لبعض المدخلات الزراعية، وهو ما لم يكن مجرد استجابة ظرفية، بل تحوّل إلى أسلوب يهدف إلى تحقيق اكتفاء ذاتي جزئي، وإنتاج غذاء آمن وصحي للأسرة، مع الاستمرار في تطوير المشروع خطوة بخطوة.

وترى أن كونها مهندسة زراعية، وامتلاكها مشروعا منزليا، ساعدها على تجاوز العقبات، مشيرة إلى أنها لم تواجه تحديات تُذكر بسبب كونها امرأة، بل تلقت دعمًا من العائلة والمحيط الاجتماعي، ما عزز قدرتها على الاستمرار.

اظهار أخبار متعلقة



خبرات مهدّدة… وتقنيات أثبتت جدواها

من جهته، يؤكد الخبير الزراعي م.نزار الوحيدي أن الزراعة المائية، أو زراعة الأوساط المعزولة، لم تكن فكرة طارئة في غزة، بل شهدت تطورا لافتا قبل الحرب، بمشاركة خبراء وباحثين وجامعات ووزارة الزراعة، ووصلت في بعض التجارب إلى مراحل متقدمة من الإدارة المحوسبة.

ويشير الوحيدي إلى أن الحرب دمّرت جزءا كبيرا من هذه الإنجازات، إلا أن أهمية هذا النمط الزراعي تتجلى اليوم أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل ندرة المياه وتقلّص المساحات الزراعية.
ويضيف لـ "عربي21" أن الزراعة المائية تتيح الاستغلال الرأسي للمساحات، عبر الزراعة المعلّقة أو متعددة الطبقات، ما يضاعف الإنتاج مقارنة بالزراعة التقليدية.

ويضرب مثالا بتجربة زراعة الفراولة المعلّقة بنظام الهيدروبونيك، التي حققت إنتاجًا يفوق أضعاف الزراعة الأرضية، إلى جانب تقليل استهلاك المياه بنسبة تجاوزت 80%، وهو رقم بالغ الأهمية في بيئة تعاني شحا مائيا حادا.

ويرى الوحيدي أن غزة تمتلك خبرات بشرية قادرة على إعادة النهوض بهذا القطاع، لكن الأمر يتطلب دعما تقنيا وماليا محدودا، وليس مشاريع ضخمة، مؤكدا أن الاستثمار في نقل التكنولوجيا والأدوات والخبرات هو المدخل الحقيقي لإعادة بناء منظومة زراعية أكثر صمودا.Image1_120261720535423206531.jpg

Image2_120261720535423206531.jpg

الزراعة المائية في زمن المجاعة

في شمال قطاع غزة، أجرى المهندس الزراعي عمر الزعانين من بيت حانون بحثا ميدانيا محكّما حول الزراعة المائية خلال الحرب والمجاعة، خلص إلى نتائج لافتة حول قدرة هذا النظام على الصمود في البيئات المنكوبة.

وأظهر البحث أن الزراعة المائية قادرة على إنتاج خضروات ورقية خلال فترة قصيرة تتراوح بين 20 و30 يوما، ما يوفّر مصدرا سريعا للغذاء، خاصة للنازحين.

كما بيّن انخفاض استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بالزراعة التقليدية، وإمكانية تنفيذ النظام في أي مساحة متاحة، سواء على أسطح المنازل أو داخل الغرف والخيام والملاجئ.

وسجّلت التجارب نجاحًا لافتًا في استخدام بدائل محلية للمحاليل المغذية، مثل ماء السمك (Aquaponics) ومخلطات عضوية محلية، ما مكّن من استمرار الإنتاج رغم انعدام التربة وارتفاع أسعار المدخلات.

ويقول الزعانين لـ "عربي21" إن هذه النتائج تتيح بناء نموذج جاهز للتطبيق في أي أزمة مستقبلية، عبر إنشاء وحدات زراعة مائية عائلية منخفضة التكلفة، وتدريب الأسر على إدارتها لتحقيق اكتفاء ذاتي جزئي.

اظهار أخبار متعلقة



توصيات عملية لتعزيز الأمن الغذائي

يوصي الباحثون والخبراء بضرورة دمج الزراعة المائية ضمن خطط الطوارئ التي تنفذها المؤسسات الإغاثية، وتحويل بعض المراكز المجتمعية إلى محطات إنتاج غذائي سريع. كما شددوا على أهمية إنشاء مخزون طوارئ من البذور سريعة النمو، وتصنيع محاليل مغذية محلية بأقل تكلفة، والاعتماد على مضخات تعمل بالطاقة الشمسية لتجاوز أزمة الكهرباء.

وأشار الزعانين إلى أن تكلفة بعض النماذج التجريبية لم تتجاوز 20 دولارًا، باستخدام مواد متوفرة محليا مثل الأنابيب البلاستيكية المستعملة، والدلاء، والبراميل، وحوامل النباتات المصنوعة من الإسفنج أو الفلين.

وقد جرى عرض نتائج البحث على جمعيات زراعية ومؤسسات إغاثية في شمال غزة، إضافة إلى مبادرات شبابية، وأبدت عدة جهات استعدادها لتطبيق هذه النماذج فور توفر المواد اللازمة.

وفي ظل تدمير الآبار، والدفيئات، ومخازن الغذاء، ومزارع الدواجن والمواشي، تبدو الزراعة المائية واحدة من آخر خطوط الدفاع عن الأمن الغذائي في غزة، حلًا لا يدّعي المعجزات، لكنه يثبت أن الإرادة والمعرفة يمكن أن تُنتج الغذاء.. حتى تحت القصف أو في ظل المجاعة.
التعليقات (0)