لا تتوقف الحرب التي يشنها
الاحتلال على قطاع
غزة عند القتل والقصف والتدمير فحسب، بل إن حربا أخرى لا تقل ضراوة وتأثيرا، تستهدف لقمة عيش
الفلسطينيين، في مسعى لإغراقهم في وحل الفقر والعوز.
وتتضح هذه الحرب التي يشنها الاحتلال في سماحه بدخول مواد وبضائع إلى قطاع غزة عن طريق التجار فقط، بينما يمنع منظمات الإغاثة الدولية من إدخال ذات المواد والبضائع، وخاصة مستلزمات الإغاثة العاجلة، والتي يمكن أن تساهم في تخفيف المعاناة، وأزمة النزوح بشكل كبير.
كما يعطي الاحتلال مساحة أكبر لإدخال مواد تكميلية غير أساسية، على حساب مواد ضرورية للغاية، بل منقذة للحياة، مثل اللحوم والخضراوات والدواجن والأسماك التي ترتفع أسعاها بشكل كبير يفوق قدرة المواطنين المنهكين على شرائها.
ويرى الباحث الاقتصادي، أحمد أبو قمر أن الاحتلال الإسرائيلي يتبع سياسية "هندسة التجويع" في قطاع غزة، بهدف إنهاك الفلسطينيين، وخلق بيئة اقتصادية قاسية، تمهد لإعادة إحياء فكرة التهجير مرة أخرى.
اظهار أخبار متعلقة
أرقام صادمة
ووفقا للبروتوكول الإنساني الملحق باتفاق وقف إطلاق النار، يشرح أبو قمر في حديثه لـ"عربي21" أن الاحتلال ملزم بإدخال 600 شاحنة يوميا إلى غزة لصالح القطاع الإغاثي، من أصل 1000 كحد أدنى يحتاجها القطاع في ظل الأوضاع الاستثنائية عقب حرب الإبادة، لكن الاحتلال يرفض الالتزام، ويدخل حوالي 200 شاحنة يوميا في أحسن الأحوال.
وأوضح الباحث أن حوالي ربع الكمية المسموح بدخولها إلى غزة مخصصة للمساعدات والقطاع الإغاثي، وهذا يقدر بـ50 شاحنة فقط، فيما الكمية الباقية والتي تتعدى ما نسبته 70 في المئة، فتخصص لصالح القطاع التجاري، لافتا إلى أن هذا السلوك اليومي، يخلق أزمة متراكمة ومعاناة إضافية.
وشارحا آثار رفع حصة القطاع التجاري على الأسواق يقول أبو قمر: " تُدفع أموال طائلة مقابل عمليات تنسيق دخول الشاحنات التجارية، وتطرح البضائع لاحقا في الأسواق بمبالغ مضاعفة قد تصل إلى ثماني أضعاف سعرها الحقيقي، ولهذا لا يستطيع معظم الناس شراءها بسبب غلائها".
سوق سوداء
وشدد على أن ما يجري هو سياسة إسرائيلية لهندسة عملية التجويع في قطاع غزة، بفتح الباب أمام تشكّل الأسواق السوداء، بينما توهم العالم أنها تدخل شاحنات وبضائع إلى قطاع غزة، وأنها غير مسؤولة على أزمة الغذاء الحالية.
وحول نوعية ما يدخل من بضائع أضاف أبو قمر: "حتى الكميات القليلة من
المساعدات التي تدخل لا تلبي احتياجات الفلسطينيين، فهي تحتوي على نوعيات معينة من الطحين، وبعض البقوليات والزيت النباتي، ويرفض الاحتلال إدخال الخضراوات والفواكه واللحوم والدواجن ضمن قوافل المساعدات، وكذلك مستلزمات المأوى والخيام".
وشدد الباحث أبو قمر على دولة الاحتلال روجت لتشكيل السواق السوداء في غزة منذ اليوم الأول لحرب الإبادة، فلقد حولت القطاع المصرفي إلى سوق سوداء، وأرست دعائم الفوضى الاقتصادية، فهي ترفض أي دور للغرفة التجارية في الاستيراد، وتحتكر هذا الملف وتحصره في 10 تجار و4 شركات فقط تسمح لهم بالاستيراد وفق معايير مبهمة وغير معروفة، مؤكدا أنه لا أحد يعلم كيف تم اختيارهم.
اظهار أخبار متعلقة
مواد "مزدوجة" الاستخدام
صحيفة "
الغارديان" البريطانية قالت في تقرير لها، إن "إسرائيل" تدير نظامًا موازيًا للرقابة على الشحنات إلى غزة، يسمح للتجار بإدخال سلع ممنوعة على المنظمات الإنسانية.
وتُدرج مستلزمات أساسية لإنقاذ الأرواح، كالمولدات الكهربائية وأعمدة الخيام، ضمن قائمة إسرائيلية طويلة للمواد "ذات الاستخدام المزدوج". وتُصرّ الحكومة الإسرائيلية على ضرورة تقييد دخول هذه المواد بشدة "خشية استغلالها من قِبل حماس أو غيرها من الجماعات المسلحة لأغراض عسكرية".
ومع ذلك، سمحت السلطات الإسرائيلية، منذ شهر على الأقل، للشركات بنقل العديد من المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى غزة، بما في ذلك المولدات الكهربائية والمنصات المعدنية، التي تتميز بمقاومتها العالية لأمطار الشتاء والطين مقارنةً بالبدائل الخشبية.
وتُباع هذه المواد الآن في السوق المفتوحة في غزة، وفقًا لمصادر عسكرية ودبلوماسية وإنسانية. ويجب أن تمر عبر نقاط التفتيش الإسرائيلية الثلاث نفسها التي تخضع لرقابة مشددة، والتي تمنع حاليًا شحن هذه السلع إلى منظمات الإغاثة.
وقال مصدر دبلوماسي: "يبدو من المستبعد جدًا أن يجهل الإسرائيليون أمرها. من المثير للصدمة أن تتمكن هذه المواد من الدخول عبر القنوات التجارية".
يُقيّد هذا التفاوت عمل المنظمات الإنسانية التي تدعم الفلسطينيين في أوقات الحاجة الماسة، بينما يُتيح في الوقت نفسه فرصًا مربحة للتجار القادرين على الحصول على تراخيص استيراد من السلطات الإسرائيلية.
أهداف سياسية
وقالت تانيا هاري، المديرة التنفيذية لمنظمة جيشا، وهي منظمة إسرائيلية لحقوق الإنسان تُراقب هذه الضوابط منذ 20 عامًا، إن لـ"إسرائيل" تاريخًا طويلًا في استغلال الوصول إلى غزة لتحقيق أهدافها السياسية.
وأضافت: "قد يبدو للوهلة الأولى أن شحنات القطاع الخاص [للمواد المدرجة على قائمة الاستخدام المزدوج] مُربكة ومتناقضة، لكنني أراها متسقة تمامًا مع سياستهم الرامية إلى تعزيز نفوذ جهات معينة وإضعاف نفوذ جهات أخرى".
وقالت إن ضوابط الدخول المفروضة على مواد مثل المولدات لا تعكس "المخاطر الكامنة في هذه المواد". وأضافت: "المسألة تتعلق بمن يمتلكها؟ وأين هي؟ وكيف تُستخدم؟"
ولطالما جعلت القيود الإسرائيلية التجارة في غزة مربحة للغاية للفلسطينيين والإسرائيليين القادرين على الحصول على تصاريح. تُباع المواد المدرجة في قائمة "الاستخدام المزدوج" الآن بأسعار باهظة داخل غزة.
قال سام روز، المدير بالإنابة لفرع غزة في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا): "الطريقة الوحيدة للحصول على مولد كهربائي الآن هي من القطاع الخاص. وهناك هامش ربح كبير على ذلك".
وأضافت روز: "حسب فهمي، فإن المصالح التجارية من جميع الأطراف - الإسرائيلية والمصرية والفلسطينية - هي المسؤولة، حيث تحصل بعض شركات الأمن التي تتمتع بحماية إسرائيلية على حصة من الأرباح، إلى جانب عناصر إجرامية أخرى، ما يدعم في مجمله نمو اقتصاد غير شرعي. ما ليس واضحًا لي هو ما إذا كانت حماس تحصل على حصة من الأرباح. أفترض ذلك، لكنني لم أرَ أي تأكيد على هذا الأمر".
وقال أحمد الخطيب، الباحث المقيم في المجلس الأطلسي، إنه فيما يتعلق بالشحنات التجارية إلى غزة، "لا يقتصر الأمر على دفع الرسوم والضرائب لحماس في غزة، بل يشمل أيضًا دفع الرسوم والضرائب للتجار على الجانب الإسرائيلي. جميعنا نعلم أن غزة كانت وستظل سوقًا ضخمة للاقتصاد الإسرائيلي".