من برلين إلى غزة: ما أبرز "مجالس السلام" وكيف يختلف نموذج ترامب عنها؟

تأتي فكرة "مجلس السلام بغزة" التي يتجه إليها ترامب كامتداد شكلي لنماذج تاريخية- جيتي
تأتي فكرة "مجلس السلام بغزة" التي يتجه إليها ترامب كامتداد شكلي لنماذج تاريخية- جيتي
شارك الخبر
تُعدّ فكرة "مجلس السلام"، كآلية لإدارة الأقاليم الخارجة من الحروب، واحدة من أكثر الأدوات تعقيدًا في النظام الدولي الحديث، إذ تجمع بين منطق الوصاية المؤقتة وضرورات الانتقال السياسي وإعادة الاستقرار.

وتاريخيًا، لم تظهر هذه المجالس في فراغ، بل نشأت في لحظات انهيار شامل للدولة أو النظام السياسي، كما في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أو في تيمور الشرقية وكمبوديا والبوسنة وكوسوفو، حيث توافرت مظلة دولية واضحة وقرارات أممية منحت هذه الهيئات شرعية وصلاحيات واسعة.

وتأتي فكرة "مجلس السلام في غزة" التي يتجه إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة قطاع غزة، كامتداد شكلي لتلك النماذج التاريخية، لكنها تختلف عنها في الجوهر والبنية؛ إذ يقوم على مبادرة أحادية لا تستند إلى قرار دولي جامع، وتُركّز السلطة الفعلية فيها بيد طرف واحد، بخلاف المجالس السابقة التي توزعت فيها مراكز القرار بين قوى دولية أو تحت إشراف الأمم المتحدة.

ألمانيا


بعد استسلام ألمانيا عام 1945 مع نهاية الحرب العالمية الثانية، تولى قادة من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي وفرنسا كل سلطات الحكم في المناطق التي يسيطرون عليها في البلاد، وذلك تحت اسم "مجلس مراقبة الحلفاء" أو "مجلس القوى الأربع – Vier Mächte".

اظهار أخبار متعلقة


ووُضع لهذا المجلس نظام للقرار المشترك عبر "مجلس تحكم الحلفاء" الذي ضم القادة العسكريين الأربعة، وكان يقرّ القرارات بالإجماع بشأن المسائل التي تخص ألمانيا ككل.

وعمل المجلس كالحكومة العليا لألمانيا بعد الحرب، وأشرف على نزع السلاح والتعويضات والسيطرة المؤقتة، ورغم أنه نجح في إدارة شؤون البلاد في المرحلة الأولى، إلا أن الخلافات بين الحلفاء (خاصة السوفييت) أدت إلى انسحاب ممثل الاتحاد السوفياتي عام 1948.

ونتيجة هذا الانسحاب البارز انهار المجلس عمليًا، وقادت هذه الأحداث إلى تقسيم ألمانيا إلى دولتين، شطر غربي وشرقي، وذلك إلى أن سقط جدار برلين عام 1989، وتوحّدت ألمانيا بعد ذلك بسنة، منهيةً انقسامًا دام نحو 44 سنة.

غينيا الجديدة الغربية

استنادًا إلى "اتفاق نيويورك" بين إندونيسيا وهولندا، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة سلطة مؤقتة في غينيا الجديدة الغربية عام 1962 باسم السلطة التنفيذية المؤقتة للأمم المتحدة (UNTEA)، وتولى الأمين العام حينها اختيار شخصيات لإدارة شؤون الإقليم نيابة عن الأمم المتحدة.

وكان هدف السلطة الحفاظ على السلم والاستقرار وإعداد الإقليم للانتقال إلى السيادة الإندونيسية، وكانت هذه أول مرة تتولى فيها الأمم المتحدة إدارة مستعمرة مستقلة بالكامل.
ونجحت المهمة بسلاسة، إذ نُقل الإقليم رسميًا إلى إندونيسيا في 1 أيار/ مايو 1963، وسُلِّمت السلطة دون فوضى، بحسب ما ذكرت الأمم المتحدة.

كمبوديا

بعد اتفاق باريس عام 1991، شكّل مجلس الأمن سلطة أممية انتقالية في كمبوديا عام 1992 تحت اسم سلطة الأمم المتحدة الانتقالية في كمبوديا "UNTAC"، لمراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم انتخابات حرة.

وامتلكت هذه السلطة صلاحيات غير مسبوقة، واعتُبرت الوصية المباشرة على الحكومة الكمبودية، فتولّت الإشراف على جميع جوانب الحكم، الخارجية والدفاع والمالية والأمن والإعلام وغيرها، فضلًا عن مهمات نزع سلاح الفصائل ونزع الألغام وحماية حقوق الإنسان.

ونجحت السلطة في مهمتها المركزية، فقد أقامت انتخابات عام 1993 بمشاركة نحو 89.5 بالمئة من الناخبين، ووضعت دستورًا جديدًا، ونشأت حكومة دستورية.

وأعادت هذه السلطة غالبية اللاجئين، وبدأت إعادة تأهيل البنية التحتية، وانتهى دورها بعد الانتخابات في 1993، واحتفظت كمبوديا باستقرار نسبي تحت حكومة منتخبة، بحسب "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام".

تيمور الشرقية

بعد العنف الذي أعقب استفتاء الاستقلال عام 1999، أذن مجلس الأمن، ضمن القرار 1272، بإنشاء سلطة أممية شاملة لحكم تيمور الشرقية تحت مسمى الإدارة الانتقالية للأمم المتحدة في تيمور الشرقية "(UNTAET)".

وتولت الإدارة الأممية مسؤولية إدارة الإقليم كاملًا ضمن مرحلة انتقالية إلى الاستقلال، وكُلّفت بتوفير الأمن ونظام القانون، وإقامة الإدارة المدنية والخدمات، وتنسيق إيصال المساعدات الإنسانية، ودعم بناء المؤسسات المحلية للانتقال إلى الحكم الذاتي.

وشمل التنظيم قوات حفظ سلام ومدنيين وبرلمانًا استشاريًا مؤلفًا من قيادات تيمورية لمساعدة السلطة الانتقالية في صنع القرار، وعمل فريق أممي كبير يضم آلاف الجنود والشرطة المدنية والإداريين على بناء مؤسسات الحكم وتهيئة الوضع للاستقلال.

وتحقق الهدف في 20 أيار/ مايو 2002، وتأسست دولة تيمور الشرقية رسميًا، ونقل الأمين العام السلطة إلى الحكومة المنتخبة، وبعد ذلك تحولت المهمة إلى بعثة أممية أخف "UNMISET" لدعم الدولة الوليدة، بحسب بيانات الأمم المتحدة.

البوسنة والهرسك

بعد اتفاق دايتون في كانون الأول/ ديسمبر 1995، أنشأت الدول المشاركة مؤتمرًا لتنفيذ الاتفاق في لندن لتوفير الدعم الدولي لسلام البوسنة، وذلك تحت اسم مجلس تنفيذ السلام في البوسنة والهرسك "PIC".

اظهار أخبار متعلقة


وضمّ المجلس التنفيذي نحو 55 دولة وهيئة دولية تساهم ماليًا وعسكريًا من خلال تجنيد قوات لحفظ السلام الإقليمي "EUFOR"، وتساند الإصلاحات في البوسنة.

وفي مؤتمر لندن نفسه وُضع هيكل تنفيذي أصغر يُسمى "مجلس التوجيه" برئاسة الممثل السامي الأممي، ليكون ذراعًا سياسية لاتخاذ القرارات الأساسية. ولهذه الهيئات دور توجيهي وإشرافي، وليس إدارة يومية للبلاد، إذ يعمل الممثل السامي على تطبيق البنود المدنية لمعاهدة دايتون، ويمتلك صلاحيات واسعة مثل إصدار قرارات وإقالة مسؤولين.

وساهم المجلس مع الممثل السامي في إحلال الاستقرار وإنشاء مؤسسات الدولة الجديدة، وإن لم تتغلب البوسنة بالكامل على الانقسامات العرقية، ويستمر عمل مجلس التنفيذ حتى الوقت الحالي تحت مظلة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولا تزال سلطة الممثل السامي قائمة.

كوسوفو

أقرّ مجلس الأمن "القرار 1244/1999" لإنشاء بعثة أممية تدير شؤون الإقليم مؤقتًا بعد الحرب والنزوح الجماعي، وذلك تحت اسم بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في كوسوفو "UNMIK"، وحصلت على سلطات تشريعية وتنفيذية كاملة على إقليم كوسوفو، وعملت على إدارة الحكم ووضع القوانين لسنوات.

وكانت مهمة البعثة الأساسية تأمين الاستقرار وبناء المؤسسات والحكم الذاتي لشعب كوسوفو. وحققت البعثة تقدمًا في إعادة بناء الإدارة والأمن، لكنها عملت في ظل انقسام سياسي بين ألبان وصرب كوسوفو.

وأُعلن استقلال كوسوفو عام 2008 من طرف واحد، مما حجب خطوات "UNMIK" اللاحقة، فتركّز بعدها على قضايا الأمن وحقوق الإنسان. ولا تزال البعثة مستمرة حتى اليوم بدور محدود لحفظ بعض التوازن في المنطقة.

العراق

بعد غزو العراق عام 2003، أنشأت الولايات المتحدة سلطة ائتلافية مؤقتة لحكم البلاد بديلًا عن الحكومة العراقية السابقة، تحت اسم سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق "CPA".

وبموجب مبدأ التحكم الحربي، مُنِح قائد السلطة بول بريمر سلطات تنفيذية وتشريعية كاملة لـ"ممارسة سلطات الحكومة مؤقتًا بما يلزم"، خصوصًا لتوفير الأمن وتقديم المساعدات الإنسانية و"إزالة أسلحة الدمار الشامل".

وبموجب هذه الصلاحيات، أصدرت السلطة أوامر ملزمة ضمن قوانين مؤقتة، أشهرها قرار حلّ الجيش العراقي وشطب حزب البعث، وكان الأمريكيون هم صُنّاع القرار الفعليون، مع مشاركة محدودة لحلفائهم الإقليميين، بحسب تقرير سابق لوكالة "رويترز".

وأدى الفشل في تحقيق الأمن والاستقرار والتشبيك مع المجتمع العراقي إلى نشوب عصيان مسلح وتفكك الخدمات، وفي 28 حزيران/ يونيو 2004 سلّم بريمر السلطة إلى حكومة عراقية مؤقتة، فانتهت "CPA" مهامها رسميًا.

ويُنظر إلى تجربة "CPA" على أنها لم تحقق الاستقرار المطلوب، وأدت إلى مزيد من الفوضى.

مجلس غزة

وجاءت معظم التدخلات الدولية في الدول التي شهدت حروبًا أو نزاعات مسلحة بإطار دولي وقرارات أممية أو اتفاقيات سلام، مع دعم واسع من الأطراف الفاعلة، بينما يأتي "مجلس السلام" المقترح من ترامب ضمن مبادرة أمريكية أحادية، دون تأييد أممي موثق، ويضع الولايات المتحدة وحدها في موقع القيادة المطلقة.

اظهار أخبار متعلقة


ويُوصف "مجلس السلام" على أنه أقرب إلى إحداث منبر بديل للأمم المتحدة، ما يقلل من واقعيته السياسية، وبينما نجحت التجارب الدولية السابقة عندما واجهت جذور النزاع، مثلًا حسم الانتقال السياسي، تتزايد الشكوك حول توجه ترامب الذي يركز على إدارة الأعراض من الأزمات الإنسانية والتقنية، وليس إيجاد حل في قطاع غزة.

ويواجه مجلس السلام العديد من التحديات، أبرزها ما يتعلق بالتمويل والجوانب الأمنية والمشاركة المحلية، فقد يتطلب المجلس مساهمات مالية ضخمة، مثل مبلغ مليار دولار من كل دولة حسب مسودة ترامب، وذلك مقابل عضوية دائمة في المجلس.

وكشفت وكالة "بلومبرغ" عن بعض بنود مسودة ميثاق مجلس السلام في غزة، الذي أعلن البيت الأبيض أعضاءه، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيتولى رئاسة المجلس، وسيقرر من يُدعى للانضمام إليه.

وأضافت أن مدة عضوية كل دولة في المجلس لن تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ دخول الميثاق حيز التنفيذ، على أن تكون قابلة للتجديد بقرار من الرئيس الأمريكي، بما يمنحه السيطرة المباشرة على العضوية وآليات اتخاذ القرار داخل المجلس.

وأفادت "بلومبرغ"، نقلًا عن مسودة ميثاق لمجلس السلام الدولي، بأن إدارة ترامب تطالب الدول الأعضاء بدفع مليار دولار كرسوم للبقاء ضمن المجلس، الذي يرأسه ترامب شخصيًا في البداية.
التعليقات (0)