تبعات الأسبوع الأول من حرب إيران.. كيف كانت قاسية على المصريين؟

قفز سعر الدولار في مصر إلى أكثر من 52 جنيها لأول مرة مع ارتفاع النفط- عربي21
قفز سعر الدولار في مصر إلى أكثر من 52 جنيها لأول مرة مع ارتفاع النفط- عربي21
شارك الخبر
"على الرغم من محدودية تعرض مصر المباشر للصراع من الناحية الأمنية، إلا أن التصعيد قد أدى بالفعل إلى تداعيات اقتصادية تتفاقم مع استمرار الحرب"، كانت تلك مقدمة ما يخص مصر من تقرير هو الأحدث لوكالة "Fitch Ratings"، للتصنيف الائتماني.

وبالتزامن مع التوترات الجيوسياسية وشن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال حربا على إيران منذ 28 شباط/ فبراير الماضي، والرد الإيراني بقصف القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج، كشفت إحدى كبرى وكالات التصنيف الائتماني العالمية أن الاقتصاد المصري سيعاني بشدة بسبب امتداد أمد الحرب.

وأكد تقريرها الذي شمل تبعات الحرب على دول الخليج العربي ولبنان، أن التصعيد الإقليمي المستمر من شأنه أن يضعف موقف مصر الخارجي بشكل كبير عبر عدة قنوات، بما في ذلك أسعار النفط، وفقدان عائدات السياحة وقناة السويس، واحتمال انخفاض تحويلات المصريين في الخليج.

ورأى التقرير أن "استمرار انقطاع تدفقات الغاز الإسرائيلي سيزيد من الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال الفوري، مما يرفع من مخاطر انقطاع التيار الكهربائي، ويزيد من فاتورة استيراد الطاقة في مصر، ويوسع عجز الحساب الجاري".

ولفت إلى تزامن ضغوط الحرب على الاقتصاد المصري مع كون "آذار/مارس الجاري يمثل ذروة استحقاقات الديون المحلية قصيرة الأجل في مصر هذا العام، حيث تبلغ قيمة الديون المستحقة 18 مليار دولار".

اظهار أخبار متعلقة



وألمحت "فيتش" إلى تعاظم أزمة الديون مع حرب إيران، مبينة أنه مع تلك المبالغ المستحقة كديون قصيرة يمتلك المستثمرين الأجانب 19.3بالمئة من أسهم سندات الخزانة، كاشفة عن أن مخاطر عدم التجديد وما يرتبط بها من عمليات تخارج من المحفظة الاستثمارية تكون مرتفعة خلال الشهر.

وتوقعت استمرار التدفقات الخارجة من سوق الدين المصرية (الأموال الساخنة) خلال الأسابيع القادمة، مبينة أنها بلغت 1.8 مليار دولار بين 15 و26 شباط/فبراير الماضي، وموضحة أن هذا "يزيد من ضغوط انخفاض قيمة الجنيه ويرفع من احتمالية تجاوز سعر صرفه 49 جنيها للدولار".

واقع أسوأ من توقعات فيتش

وانخفضت قيمة الجنيه المصري لأدنى مستوى له منذ تموز/يوليو 2025، بنسبة 3.9 بالمئة منذ أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، وبلغ سعر صرفه 48.75 جنيها للدولار في أوائل آذار/مارس الجاري.

وفي حين توقعت "فيتش"، تجاوزه 49 جنيها للدولار، بلغ سعر الدولار الخميس الماضي، 50.09 جنيه للشراء و50.19 جنيه للبيع، حيث سجلت العملة المحلية أدنى مستوى لها في 8 أشهر، وفقدت نحو 4.6 بالمئة من قيمتها بحوالي 2.22 جنيها بالأسبوع الأول من آذار/مارس.

وفي تطور سريع ومربك للأسواق والمصنعين والمنتجين والتجار والمستهلكين، شهد سعر صرف الدولار مقابل الجنيه تطورا لافتا الأحد، قد يكون له ارتدادات كبيرة بالسوق المحلي، حيث تخطى حاجز الـ52 جنيه وذلك لأول مرة رسميا مسجلا 52.08 للشراء و52.18 للبيع بالبنك الأهلي، ما قابله ارتفاع حاد بأسعار الذهب ليصل عيار 21 إلى 7500 جنيه للجرام.

وفي مؤشر على عمق الأزمة، قفزت تعاملات سوق الإنتربنك بين البنوك المصرية بنسبة 66 بالمئة خلال أسبوع واحد لتصل إلى 2.9 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.75 مليار دولار في الأسبوع السابق عليه، فيما باع المستثمرون الأجانب والعرب بنحو 2.2 مليار دولار من أذون الخزانة المصرية بالأسبوع الماضي، كما سجلوا صافي بيع في الأسهم المصرية بنحو 3 مليارات جنيه.

تراجع الجنيه إلى مستوى قياسي ليفقد نحو 4 بالمئة من قيمته الأحد، ونحو 9 بالمئة منذ بداية الحرب على إيران؛ جاء بالتزامن مع قفزة في أسعار النفط العالمية لتصل إلى 117 دولارا للبرميل، إلى جانب موجة جديدة من خروج الأموال الساخنة، تعدت كل توقعات "فيتش"، إذ تشير مصادر لنشرة "إنتربرايز" المحلية لاحتمال تراجع الجنيه إلى مستوى 54 جنيها بنهاية الأسبوع.

النشرة الاقتصادية أشارت من جانبها إلى أن تداعيات التطورات الجيوسياسية بدأت تلقي بظلالها، ملمحة إلى أن المسؤولين يدرسون إقرار تعديلات على أسعار الوقود، وزيادة بين 10 و15 بالمئة لشرائح الاستهلاك الأعلى للكهرباء، مبينة أن خدمة الدين تشكل ضغوطا على الموازنة العامة المقبلة، متوقعة لجوء مصر للاقتراض مجددا من صندوق النقد والبنك الدوليين.

أسواق متوترة وأسعار مشتعلة

وفي ظل تفاقم المخاطر الاقتصادية والأمنية نتيجة للتوترات الجيوسياسية الجارية وتأثر حركة الملاحة بغلق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، يتخوف خبراء من فقدان السوق المصري للكثير من السلع الاستراتيجية والخامات وقطع الغيار، ويلمحون إلى احتمالات اتخاذ الدولة إجراءات أكثر قسوة بحق المصريين.

ومع ارتفاع تكاليف تأمين الشحن بنحو 50 بالمئة، ومضاعفة تكلفة النقل 3 مرات نتيجة تغيير مسارات الشحن بعيدا عن قناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح، ومع استمرار تراجع قيمة الجنيه طالب رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية المصرية، علي عوف، برفع أسعار الدواء بنحو 30 بالمئة، لوقف الضغوط على شركات الدواء.

اظهار أخبار متعلقة



ولم تفلح تهديدات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، من داخل إفطار فخم أعدته الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، الخميس الماضي، لكبار رجال الدولة والجيش ونحو 8 آلاف متدرب، بإحالة المتلاعبين في الأسواق والأسعار إلى القضاء العسكري في وقف موجة الارتفاعات التي طالت الكثير من السلع.

وبعد الأسبوع الأول من حرب إيران رصدت "عربي21"، الأحد، ارتفاعات كبيرة شهدتها الأسواق المصرية في أسعار جميع السلع، وبينها الخضروات التي كانت تشهد هدوء في الأسعار نظرا لأنها في موسمها الشتوي السنوي، فيما شهدت أسعار الفاكهة واللحوم والأسماك ارتفاعات مماثلة جاءت في ظل موسم الاستهلاك السنوي الأكبر للمصريين (شهر رمضان).

ووفق رصد "عربي21"، ورغم توافرها بشكل كامل، ارتفعت أسعار الخضروات–طعام الفقراء– بمعدل (10 جنيهات) خلال أسبوع واحد؛ حيث تحرك سعر الطماطم من (15 إلى 25 و30 جنيهاً)، والخيار من (20 إلى 30 جنيهاً)، والكوسة من (15 إلى 25 و30 جنيهاً)، والباذنجان من (10 إلى 15 جنيهاً)، والفلفل من (20 إلى 30 جنيهاً)، والبسلة من (20 إلى 30 جنيهاً)، والجزر من (10 جنيهات لـ1.5 كيلو) إلى (15 و20 جنيهاً)، والكرنب للقطعة الواحدة من (10 إلى 20 جنيهاً)، والتفاح من (60 إلى 70 جنيهاً).

وذلك إلى جانب زيادات مماثلة في أسعار السمك بأنواعه بين (10 و20 جنيها)، والدواجن بنحو (25 جنيها) مع ارتفاع أسعار مدخلات الأعلاف والأعلاف نفسها بمقدار 40 بالمئة بمتوسط (700 جنيه) للطن من أرض المصنع، واللحوم المجمدة بمقادير متفاوتة، واللحوم البلدية بمقدار (20 جنيها).

وذلك إلى جانب ارتفاع سعر طن الدقيق بمتوسط 1400 جنيه للطن، وبنحو 4.5 جنيه للكيلو، مستبقاً الموسم السنوي لصناعة "الكحك والبسكويت" كعادة مصرية في نهاية شهر رمضان؛ ما صاحبه ارتفاع في الأسعار شمل: الزيت بقيمة تتراوح بين (4.5 و7.5 جنيه)، والسكر (5 جنيهات)، واللبن السائب، والمسلي الصناعي (15 جنيهاً)، والفول (4 جنيهات)، والعدس (5 جنيهات)، والمكرونة (60 قرشاً)، والبيض بزيادة قدرها (55 قرشاً) للبيضة الواحدة.

العاصفة الكاملة

وفي قراءته للمشهد الإقليمي وتأثيراته على الاقتصاد المصري، قال الخبير المصري في الاستراتيجية وإدارة الأزمات الدكتور مراد علي، إن "ما تواجهه مصر حاليا يمكن وصفه بالعاصفة الكاملة (The Perfect Storm)، حيث لا تأتي المصائب فرادى، بل تتجمع الضغوط الهيكلية مع الصدمات الخارجية لتخلق وضعا شديد التعقيد".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أنه "في مثل هذه الظروف، تتعرض الاقتصادات الهشة لضغوط مركبة، فارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة التجارة والسياحة وتراجع الثقة الاستثمارية كلها عوامل تدفع الجنيه إلى مزيد من التراجع، وتنعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية التي يتحمل عبئها المواطن العادي".

ويرى أن "التهديد بإحالة المتلاعبين بالأسواق إلى القضاء العسكري قد يحد مؤقتاً من بعض مظاهر المضاربة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية"، مبينا أن "الأزمات النقدية في جوهرها أزمات اقتصادية وهيكلية، لا يمكن حلها بالأدوات الأمنية".

ويعتقد علي أن "المشكلة الحقيقية تكمن في نقص العملة الصعبة، وارتفاع معدلات التضخم، وتوسع الديون، وضعف القدرة الإنتاجية والتصديرية للاقتصاد"، مبينا أنه "في مثل هذه الحالات تصبح استعادة الثقة الاقتصادية هي العامل الحاسم للخروج من دائرة الضغوط المتصاعدة".

وشدد على أن "هذه الثقة لا تُبنى إلا عبر سياسات مالية أكثر استدامة، وتعزيز الإنتاج المحلي والصادرات، وتقليل الاعتماد على الديون قصيرة الأجل والأموال الساخنة التي تغادر السوق عند أول إشارة اضطراب".

وخلص للقول: "مصر الآن أمام مفترق طرق؛ فإما الاستمرار في سياسة (إطفاء الحرائق) عبر الاقتراض لسداد القروض، أو الانتقال إلى اقتصاد الإنتاج"، مؤكدا أن "الصدمة الجيوسياسية الحالية جرس إنذار أخير بأن الاعتماد على الخدمات (قناة سويس وسياحة) والديون القصيرة يجعل الدولة عرضة للاهتزاز مع كل رصاصة تُطلق بالمنطقة".

مطالبات بوقف التصدير

وفي السياق، طالب رجل الأعمال حسن هيكل، الحكومة المصرية بوقف تصدير السلع الحيوية مثل: الخضروات، والفواكه، والأرز، والسكر، والزيت، والطعام الخام، واللبن، وتوجيهها للسوق المحلية، داعيا الدولة لعدم الانجرار نحو مكاسب التصدير على حساب السوق المحلي..

وكشف الأمين العام لشعبة المصدرين بالاتحاد العام للغرف التجارية أحمد زكي، لـ"القاهرة 24"، أن المصدرين المصريين علقوا صادراتهم إلى دول الخليج واليمن نتيجة ارتفاع أسعار التأمين، وارتفاع تكاليف شحن الحاويات الذي وصل للحاوية الواحدة بين 2500 و3000 دولار فوق السعر الأساسي، وقد تصل إلى 4500 دولار.

اظهار أخبار متعلقة



وأوضح أن مصر كانت تصدر لإيران مواد خام وزراعية، منها كبريتات ومنجنيز ومواد أولية، مبينا أن تكلفة شحن المواد الخام المستوردة من الإمارات ودول الخليج ارتفعت إلى 60 بالمئة، ما ينعكس على الصناعة المحلية، خاصة مجالات المواسير البلاستيكية والأدوات الصحية وغيرها.

وأعرب سياسيون وخبراء اقتصاد عن غضبهم من تأثر الأسواق المحلية بالحرب بقدر قد يفوق دول الخليج وإيران، مرجعين الأزمة إلى سياسات الحكومة المصرية وخداعها المصريين، وفق قول القيادي في حزب المحافظين مجدي حمدان.



وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع، إن "الأزمة غير محصورة في خروج الأموال الساخنة"، مؤكدا أنه "حتى الأموال (الباردة) مهددة، وكل ما هو ريع وتحويلات وتدفقات استثمار مباشر مهدد بالتراجع".

وذهب نافع للتحذير من أزمات أصعب قادمة، حين أضاف: "لا يجوز الحكم على أرصدة ومخزون السلع الاستراتيچية بشكل دقيق؛ لأن السحب من المخزون في أوقات الهلع والتشاؤم من المستقبل وعدم استقرار عملية التراكم في المخزون يعمل على تآكله بمعدل متسارع، فما تظن أنه يكفي ٦ أشهر مثلاً ربما لا يتجاوز نصف هذه المدة".



ويرى الخبير الاقتصادي عبدالنبي عبدالمطلب، أن "ما يحدث بسوق الصرف في منتهى الخطورة؛ إذا لم تُحكم الدولة قبضتها على الأسواق"، مضيفا عبر "فيسبوك"، إلى أنه "عندما يرتفع الدولار الى 52.25 جنيه وربع يعيد التجار تسعير سلعهم ويرفعون سعرها، وعندما ينخفض الدولار إلى 51.90 جنيه لا يخفض التجار أسعار سلعهم".
التعليقات (0)

خبر عاجل