لماذا ألغى السيسي وزارة قطاع الأعمال العام.. تمهيد لخصخصة كبرى؟

بلغت قيمة بيع 248 شركة وتصفية 34 أخرى بين أعوام (1993- 2016) نحو 53.6 مليار جنيه فيما يرى محللون أن عوائد البيع لم يتم استغلالها - رئاسة مجلس الوزراء المصري
بلغت قيمة بيع 248 شركة وتصفية 34 أخرى بين أعوام (1993- 2016) نحو 53.6 مليار جنيه فيما يرى محللون أن عوائد البيع لم يتم استغلالها - رئاسة مجلس الوزراء المصري
شارك الخبر
أثار قرار رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي إلغاء وزارة "قطاع الأعمال العام" في التعديل الوزاري الذي جرى الأربعاء الماضي تساؤلات ومخاوف خبراء ومحللين، من أن يكون بداية لأكبر عملية خصخصة للشركات التابعة والبالغة نحو 146 شركة تعمل في قطاعات هامة وحيوية واستراتيجية.

وزارة قطاع الأعمال العام بدأت عام 1990 وأول من تولاها رئيس الوزراء الأسبق عاطف صدقي، حتى جرى إلغاؤها عام 2004، لتعود مجددًا في عهد السيسي عام 2016، بمهمة إدارة استثمارات الدولة المملوكة لشركات قطاع الأعمال العام، ليقرر السيسي إلغاءها مجددًا في التشكيل الجديد بعد 10 سنوات، ما يوحي بانتهاء مهمتها.

مخاوف وتساؤلات وطلبات إحاطة

ومع فقد الوزير محمد شيمي منصبه بإلغاء الوزارة الثلاثاء الماضي، ونقل أعمالها إلى مجلس الوزراء، تخوف محللون، بينهم الباحث الاقتصادي حسن بربري، من أن يكون القرار مقدمة لبيع شركات الوزارة.

وبينما تساءل رئيس مركز "الحق في الدواء" محمود فؤاد عن مصير شركات قطاع الأعمال للأدوية، عبَّر رئيس حزب "الخضر" محمد عوض عن مخاوفه من بيع ذلك العدد من الشركات، مخاطبًا الحكومة بمأثور شعبي يقول: "بيع يالطفي".

وتقدم عضوا مجلس النواب محمد فؤاد، وطاهر الخولي، بطلبي إحاطة منفصلين ومتتابعين الأربعاء، والخميس، حول وضع ملكية الدولة لشركات قطاع الأعمال العام بعد إلغاء الوزارة، مطالبين بتوضيح رؤية الحكومة بشأن إدارة الأصول ومستقبل العاملين بها.

اظهار أخبار متعلقة


كما أثار قرار إلغاء الوزارة قلق العاملين بشركاتها، إذ تساءل الناشط العمالي في شركة "النحاس المصرية" أيمن سعيد: كيف ستُدار الشركات؟، وهل القرار يمثل إنقاذًا لها أم أنه تمهيد للتخلي عنها؟، وهل يتم الحفاظ على العمالة؟.

اجتماع فوري وقرار مثير

ولم يمضِ إلا ساعات عقب أداء حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الجديدة القسم، ظهر الأربعاء، ليعلن رئيس "وحدة الشركات المملوكة للدولة" هاشم السيد بدء إجراء نقل 40 شركة مملوكة للدولة إلى "الصندوق السيادي"، وقيد 20 شركة أخرى بالبورصة المحلية.

وخلال التشكيل الوزاري الجديد جرى تعيين نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وهو الدكتور حسين عيسى (70 عامًا)، رئيس جامعة عين شمس الأسبق (2011- 2015)، ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب (2016- 2020)، ومنسق مجلس التنمية الاقتصادية برئاسة الجمهورية.

وعقب أداء القسم بالقصر الرئاسي بالعاصمة الإدارية الجديدة، اجتمع مدبولي، بمقر مجلس الوزراء الجديد، بالسيد وعيسى، تمهيدًا لتولي الأخير هذا الملف ومناقشة آليات التعامل مع تركة تضم عدة شركات.

ومن بينها شركات عاملة بقطاعات الاتصالات، والخدمات، والزراعة، والصناعة، والطاقة والبترول، والطب، والنقل، والبنوك والتأمين، والسياحة، والمال والاستثمار، والمقاولات والإسكان والعقارات.

اللقاء الذي أحدث جدلاً واسعًا، ناقش إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية، والشركات التي تعمل عليها "وحدة الشركات المملوكة للدولة" حتى عام 2027، فيما نقلت وكالة "أنباء الشرق الأوسط" تأكيد مدبولي أن "هيكلة الهيئات الاقتصادية والشركات المملوكة للدولة أحد أهم ملفات هذه المرحلة".

وشهد الاجتماع الأول للتشكيل الحكومي الخميس، تبرير مدبولي إلغاء الوزارة بأنها كانت "لدور انتقالي انتهى"، موضحًا أن 6 شركات قابضة يتبعها 60 شركة ستخضع مؤقتًا لإشراف نائب رئيس الوزراء، ملمحًا لاحتمال نقل بعضها للصندوق السيادي والوزارات، نافيًا وجود "خطط للتصفية في الوقت الحالي".


 

حصر ودمج وتصفية

وتتسق مخرجات أول اجتماع لمدبولي مع نائبه للشؤون الاقتصادية، رئيس "وحدة الشركات المملوكة للدولة"، مع بيان الرئاسة حول تكليفات الحكومة الجديدة، والذي طالب بـ"تنفيذ سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة".

وهو ما يوحى بتوجيه رئاسي محدد نحو مهمة إنهاء ملف الهيئات والشركات العامة. ومنذ إنشاء "وحدة الشركات المملوكة للدولة" العام الماضي، برئاسة الدكتور هاشم السيد (وبموجب القانون 170 لسنة 2025) لإعادة هيكلة 561 شركة تابعة لـ 45 جهة حكومية، تقوم الوحدة بعمليات حصر الأصول وتقييمها وتحديد حجم محفظتها.

وفي 4 كانون الأول/ديسمبر الماضي، خلصت "لجنة إصلاح وإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية" التي تعمل منذ عام 2022، حول أوضاع 59 هيئة اقتصادية إلى تصفية وإلغاء 4 هيئات، ودمج 7 في أخرى، وتحويل 9 من اقتصادية إلى عامة، والإبقاء على 39 هيئة، كمرحلة أولى، تتبعها إعادة هيكلة تفصيلية لكل هيئة.

كما يظل لافتاً خروج وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية رانيا المشاط من التشكيل الوزاري الجديد، وتعيين أحمد رستم وزيراً للتخطيط الجديد، والتي لعبت دوراً في تحول الاقتصاد الحكومي وتمكين القطاع الخاص.

وخاصة إصدار قانون الشركات المملوكة للدولة (رقم 170 لسنة 2025)، ما تبعه إنشاء "وحدة مركزية" تابعة لمجلس الوزراء لإدارة ومراقبة وإعادة هيكلة شركات الدولة، وتنظيم عملية طرح حصص منها بالبورصة المحلية.

كثير من الشبهات

وفي قراءته للمشهد، وتقديره لحجم خسارة الدولة لهذه الأصول وخسارة الموازنة العامة لدخلها السنوي، وخسارة المواطن لدورها في دعمه أو تقديم سلعة وخدمة أرخص وأفضل، تحدث الخبير الاقتصادي المصري عبد الحافظ الصاوي، لـ"عربي21".

وقال إن "توجه الدولة نحو الخصخصة لن يتأثر بمسألة إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام أو بقائها؛ ولكن يتوقف على اتجاه الدولة في هذا الملف شديد الحساسية الذي يتعلق بالجانب الاقتصادي وإعادة تخصيص موارد الدولة".

ولفت إلى أن "الحكومات المصرية شرعت في الخصخصة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومرت بمراحل مختلفة، لكن الملاحظ بعد 2013، أن الملف يدار بطريقة تثير الكثير من الشبهات، خاصة مع وجود الصندوق السيادي".

وأوضح الباحث المصري، أنه "حينما تنتقل هذه الشركات للصندوق يتم إخراجها من الارتباط بالموازنة العامة للدولة، لأن الفوائض المالية الخاصة بالصندوق لا تؤول إلى الموازنة العامة للدولة ولكنه يحتفظ بها لنفسه".

ولذا يرى أنه "بخروج هذه الشركات من ملكية الدولة سواء للقطاع الخاص أو الصندوق السيادي تبقى القضية هي مدى مساهمة الإجراء الجديد في الناتج الإجمالي"، مضيفا: "وإذا كانت عملية الخصخصة ستأخذ في الاعتبار إضافة شيئا للناتج المحلي الإجمالي فيمكن تقليص العجز في الميزان التجاري".

وخلص الصاوي، إلى القول: "العبرة هنا هي مدى استفادة الاقتصاد المصري من عائد هذه الشركات، وكذلك الموازنة العامة، والأمر الأخطر هو ما يتعلق بالأمن القومي المصري".

حجم التركة وقيمتها

وزارة قطاع الأعمال العام كانت تشرف على 146 شركة تشكل حوالي 26 بالمئة من إجمالي عدد الشركات المملوكة للدولة البالغ عددها نحو 600 شركة، وفقا لتصريح رئيس الوزراء للصحفيين الخميس.

وبحسب صفحة الوزارة الملغاة عبر الإنترنت يتبعها 6 شركات قابضة تأسست بقانون (203 لسنة 1991): للسياحة والفنادق، وللأدوية والمستلزمات الطبية، وللصناعات الكيماوية، وللصناعات المعدنية، وللقطن والغزل والنسيج، وللتشييد والتعمير، يتبعها شركات أخرى، 75 بالمئة منها رابحة.

بيانات الوزارة في (2024/2025) أكدت تحقيق الشركات 126 مليار جنيه إيرادات، و24 مليارا صافي ربح، وتسجيل الصادرات مليار دولار، بنسبة ارتفاع 27 بالمئة.

وفي رصد "عربي21"، فإن هناك 66 شركة تابعة للوزارة بعيدا عن الشركات القابضة وتوابعها، بعضها جرى تأسيسه بالقرن الـ19 في عصر الخديوية وبدايات القرن الـ20، وفي عهد الملكية، وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبعهدي أنور السادات وحسني مبارك.

ومن الشركات التاريخية: عمر أفندي (1856)، وبيوت الأزياء الراقية- هانو (1882)، والمكتب العربي للاستشارات الهندسية- مصلحة المباني الأميرية (1898)، والمعادي للتنمية والتعمير (1904).

وكذلك، مصر الجديدة للإسكان والتعمير (1906)، وصيدناوي (1913)، والمساهمة المصرية للمقاولات- العبد (1917)، والشرقية إيسترن كومباني 1920، ومصر لتجارة وحلج الأقطان (1924).

والمصرية للمواسير- سيجوارت (1927)، والمحاريث والهندسة (1929)، والنصر للزجاج والبلور (1932)، وبيع المصنوعات المصرية (1932)، ومصر للسياحة (1934).

إضافة إلى المعمورة للتعمير والتنمية السياحية (1934)، ومصانع النحاس (1935)، والنصر العامة للمقاولات- حسن علام (1936)، والمقاولات المصرية- مختار إبراهيم (1936).

ومصر للغزل والنسيج بكفر الدوار (1938)، ومصر للمستحضرات الطبية (1939)، وممفيس للكيماويات والأدوية (1940)، ومصر لغزل والنسيج بالمحلة (1946)، والنقل والهندسة (1946)، والنصر للأسمدة والصناعات الكيماوية (1946)، ومصر للحرير الصناعي (1946)، وتنمية الصناعات الكيماوية- سيد (1947)، والدلتا للصلب (1947).

ومن شركات الصناعات الثقيلة والحيوية: الحديد والصلب للمناجم (1954)، والخزف والصيني والإسكندرية للحراريات (1955)، وسيناء للمنجنيز (1957)، النصر للسيارات (1957)، وصيانة اليايات ومهمات وسائل النقل (1958)، والنصر لصناعة المطروقات (1960).

وأيضا، النصر للتعدين (1960)، والنصر للملاحات (1961)، والمواسير والصلب (1962)، والنيل لصناعة وإصلاح السيارات (1964)، والمصرية للسبائك الحديدية (1969)، والنصر لمنتجات الكاوتشوك (1969)، ومصر للألومنيوم (1976)، والسد العالي للمشروعات الكهربية- هايديليكو (1971).

ومن شركات الأدوية والكيماويات: طنطا للكتان والزيوت (1954)، والصناعات الكيماوية- كيما بأسوان (1956)، ومصر لصناعة الكيماويات (1959)، والنصر للكيماويات (1960)، والإسكندرية للأدوية (1962).

وكذلك، القاهرة للأدوية والصناعات الكيماوية (1962)، والنيل للأدوية (1962)، والعربية للأدوية والصناعات الكيماوية- أدكو (1963)، والعبوات الدوائية (1964)، والدلتا للأسمدة والصناعات الكيماوية (1998).

ومن شركات الغزل والنسيج المنتشر في الوادي والدلتا: مصر للغزل والنسيج بكفر الدوار (1938)، ومصر للحرير الصناعي (1946)، ودمياط للغزل والنسيج (1959)، ومصر شبين الكوم للغزل والنسيج (1959)، ومصر حلوان للغزل والنسيج (1962)، ووجه قبلي للغزل والنسيج بأسيوط وسوهاج وقنا (1966)، والدقهلية للغزل والنسيج (1974).

ومن شركات البناء والتشييد: التجارية للأخشاب (1951)، والنصر العامة للإسكان والتعمير (1962)، ومصر لأعمال الأسمنت المسلح (1991)، والنصر للمباني-إيجكو (1991).

وفي قطاعات التجارة والسياحة: بيوت الأزياء الراقية- هانو (1882)، وصيدناوي (1913)، والنصر للأجهزة الكهربائية- نيازا (1930)، وبيع المصنوعات المصرية (1932).

ومصر للسياحة (1934)، ومصر للفنادق (1955)، والعامة لصناعة الورق- راكتا (1958)، ومطابع محرم الصناعية (1961)، والمصرية للسياحة والفنادق ايجوث (1976)، ومصر للصوت والضوء والسينما (1980).

سوابق عهد السيسي

وخلال 10 سنوات من عمل وزارة قطاع الأعمال العام في عهد السيسي، جرى إغلاق وتصفية شركات صناعية عملاقة مثل: "القومية للإسمنت"، تشرين الأول/ أكتوبر 2018، و"الحديد والصلب" (حلوان) كانون الثاني/ يناير 2021.

و"النصر لصناعة الكوك"، أيلول/ سبتمبر 2022، و"راكتا" (العامة لصناعة الورق)، آذار/ مارس 2024، والمصرية للإنشاءات المعدنية "ميتالكو" تموز/ يوليو 2024.

اظهار أخبار متعلقة


ومع توجه حكومة السيسي نحو برنامج الطروحات، جرى بيع شركات عامة أو حصص منها لشركاء أجانب بين أعوام (2022 و2024)، منها "إيسترن كومباني"، و"فوري" للمدفوعات الإلكترونية، و"أبوقير للأسمدة".

ومصر لإنتاج الأسمدة (موبكو)، و"الإسكندرية لتداول الحاويات"، و"إي فاينانس"، و"باكين" للبويات، و"العز الدخيلة للصلب"، و"الفنادق السبعة التاريخية"، و"حلوان للأسمدة"، وغيرها.

وبحسب بيانات وزارة المالية، في شباط/ فبراير 2024، فقد بلغت قيمة بيع 248 شركة، وتصفية 34 أخرى بين أعوام (1993- 2016)، نحو 53.6 مليار جنيه.

فيما يرى محللون أن عوائد البيع لم يتم استغلالها، بينما خسرت الدولة أصولا لا تقدر بثمن، وفقدت الموازنة العامة للدولة أهم مواردها، وجرى تسريح مئات الآلاف من العمال.
التعليقات (0)