منذ ظهور جهاز "مستقبل
مصر للتنمية المستدامة"، توالت القرارات الرئاسية لصالح الجهاز العسكري التابع للقوات الجوية، أحد الأسلحة الرئيسية للجيش المصري، وتواصلت عمليات إسناد المشروعات له، وزيادة أدواره حد التغول على صلاحيات وزارات وهيئات وقطاعات حكومية.
ظهر جهاز "مستقبل مصر"، شديد الغموض، وكثير التكليفات، والذي نال الكثير من الأعمال على حساب أجهزة حكومية، ومازال دوره وأعماله وميزانيته وأرباحه من الأمور الغامضة، بقرار
السيسي (591 لعام 2022)، أيار/ مايو 2022، ليتحول من مشروع زراعي بمحور الضبعة إلى كيان عملاق يهيمن على ملفات الأمن الغذائي والتصنيع الزراعي، والبحيرات، وصيد الأسماك، والتشييد وغيرها.
اظهار أخبار متعلقة
وفي وقت قصير أخذ الجهاز من صلاحيات جهاز "حماية وتنمية البحيرات"، و"هيئة الثروة السمكية"، وأدوار أجهزة تابعة لوزارات الزراعة والتموين، مثل "الهيئة العامة للسلع التموينية"، ويقوم بمشروعات زراعية كـ"الدلتا الجديدة"، وصناعية كمدينة "مستقبل مصر الصناعية"، وإسكان وتطوير عقاري مثل مشروع "جريان".
تخصيص غامض
آخر تلك القرارات، وفي إطار توجيهات رأس النظام، قرر "المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة"، من مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة، الثلاثاء، نقل ولاية 46 قطعة أرض في 7 محافظات لجهاز "مستقبل مصر"؛ 32 قطعة منها بنطاق محافظات (البحر الأحمر ومطروح والوادي الجديد –حدودية- وأسيوط وبني سويف والغربية)، و14 قطعة بمحافظة البحيرة وحدها.
المركز التابع لوزارة الزراعة، ويرأسه الوزير علاء فاروق، ويديره اللواء أركان حرب ناصر فوزي، لم يعلن عن قيم مالية مقابل نقل تلك الأراضي، التي لم تتضح مساحاتها ولا استخداماتها السابقة والجهة حكومية التي جرى نزعها منها.
كما أن البيان الأسبوعي لمجلس الوزراء الصادر الأربعاء، نوهت آخر فقرة منه عن القرار دون أية تفاصيل أو إيضاحات، لكنه أعلن أنه "قرار رئيس الجمهورية"، موضحا أنه بإعادة تخصيص لأراضي مملوكة للدولة، لصالح الجهاز، فيما أك مراقبون أنها كانت تابعة هيئة التعمير والتنمية الزراعية، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وأملاك الدولة بتلك المحافظات.
تفاوض مباشر مع روسيا
وفي سياق توسع صلاحيات الجهاز، بانتزاعها من جهات حكومية أخرى، اجتمع الرجل العسكري المقرب من السيسي، رئيس "مستقبل مصر" العقيد بهاء الغنام، الثلاثاء، مع وزيرة الزراعة الروسية أوكسانا لوت، ورئيس مجلس إدارة اتحاد مصدري ومنتجي الحبوب بروسيا دميتري سيرغييف، على هامش المنتدى الدولي للحبوب المنعقد في دبي، الاثنين والثلاثاء.
الغنام بحث والوزيرة الروسية تأمين إمدادات السلع الاستراتيجية والقمح الروسي لمصر -7.1 مليون طن العام الماضي- وتسجيل الشركات الروسية بمنصة إدارة الشراء الموحد للسلع الاستراتيجية، وتسجيل الموردين الروس بالبورصة السلعية المصرية، وبحث إنشاء مركز لوجستي بموانئ مصرية لتجارة الحبوب إقليميا، وتوسيع صادرات منتجات مصر الزراعية لموسكو، والأسمدة والمبيدات الزراعية.
مقر رئاسة الوزراء
وفي الآونة الأخيرة برز بشكل لافت حضور وزراء مصريين لمقر الجهاز بمحور الضبة للقاء الغنام، والاتفاق على مشروعات داخل مصر وخارجها، ما دفع مراقبين لوصفه بمقر رئاسة الوزراء، وبينها لقاء وزير الاستثمار حسن الخطيب، 23 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لمشاركة الجهاز العسكري بإدارة مناطق لوجستية في 6 دول إفريقية تنوي الوزارة إنشائها.
وفي 19 كانون الثاني/ يناير الجاري، استقبل الغنام، وزير الزراعة السوداني عصمت قرشي ووزير الري المصري هاني سويلم، بمقر الجهاز؛ لبحث تنفيذ الجهاز مشروعات زراعية في السودان.
كما استقبل الغنام بمقر الجهاز وزير قطاع الأعمال العام محمد شيمي 7 كانون الثاني/ يناير الماضي، لبحث تعاون الجهاز وشركات الوزارة بمجالات الفوسفات والملح وصناعة المركبات.
والتقى رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات محمد شمروخ، 29 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، للتعاون في تطوير البنية التحتية الذكية لخدمات الاتصالات بمجالات الاستصلاح الزراعي والصناعي والمدن الذكية، وإنشاء مراكز البيانات.
وهي الإجراءات والاتفاقيات والصلاحيات التي كانت تقوم بها جهات حكومية مثل وزارة الزراعة، والهيئة العامة للسلع التموينية، ووزارتي التموين، والاستثمار التجارة الخارجية، وكانت تخضع لترتيبات السفارات بالخارج ومباحثات وزارة الخارجية، لتصبح حكرا على الجهاز التابع للجيش.
وانتقد مراقبون استمرار منح الجهاز العسكري صلاحيات جهات حكومية ووزارات الدولة، ونقل الأراضي لحوزته دون مقابل مالي، مع إعفاء أعماله من الضرائب والجمارك كما يسري على أعمال شركات الجيش من إعفاءات، مع دعم رأس النظام له ومعاملته كجهاز سيادي لا كيان اقتصادي، والانتقاص في المقابل من ممتلكات الدولة وتقليص إيراداتها العامة وزيادة مديونية موازنتها.
اظهار أخبار متعلقة
ودعوا للشفافية في أعمال الجهاز الذي يدير استثمارات بمليارات الدولارات ويتملك أصولا تقدر بترليونات الجنيهات، وإخضاعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، مطالبين بتفسير حكومي لتفاوض الجهاز العسكري مباشرة مع روسيا لتأمين الحبوب بعيدا عن وزارات الزراعة والتموين والخارجية.
دولة داخل الدولة
وفي حديثه لـ"عربي21"، قال الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى يوسف، إن "مسلسل تخصيص أراضي استراتيجية بمحافظات حدودية وأخرى لها سواحل بمواجهة دول وجهات خارجية يأتي ضمن استمرارية هيمنة النظام العسكري على مقدرات البلاد منذ 3 تموز/ يوليو 2013".
الباحث في الاقتصاد السياسي والتنمية والعلاقات الدولية، أكد أن "وجود دولة داخل الدولة أمر خاطئ، كون الأجهزة العسكرية ليس لديها خبرات التفاوض المدني، وعندما تستورد حبوب يجب العودة لخطة الدولة في إنتاج الحبوب ومدى توفر صوامع التخزين، والتفاوض على أفضل الأسعار والمقارنة بين مواصفات الحبوب؛ كونك من أكبر مستوردي الحبوب نتيجة غياب خطة التنمية الشاملة التي كانت موجودة لدى وزير التموين الأسبق باسم عودة".
وحول تضارب توسيع صلاحيات الجهاز العسكري مع إعلان الحكومة تقليص حصص الجيش بالاقتصاد تنفيذا لمطالب صندوق النقد الدولي، يرى أن "ما تعلنه الحكومة مجرد تصريحات موجهة للصندوق"، مبينا أن "الجيش أصبح حزب حاكم يهيمن على مقدرات الدولة، بينما لا توجد وزارة زراعة ولا هيئة سلع تموينية، فقط جيش يتولى المناصب القيادية فيه أهل الثقة والولاء لا أهل الكفاءة".
مسار مواز للدولة
من جانبه قال باحث الدكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع مؤمن أشرف، إن "الدولة نقلت التفاوض من الوزارات المعنية للمؤسسة العسكرية ولكن بشكل مقنع؛ ما يخلق مسارا موازيا للدولة يجعل الوزارات خارج الصورة، وهو ظاهريا يقلل بيروقراطية توفير سلعة حساسة لكنه يُفقد الدولة سيادة القانون والفاعلية".
وفي حديثه لـ"عربي21"، يرى أن "الأخطر أن التعاقدات طويلة الأمد ما يعيد تعريف القنوات الرسمية للدولة ويحول مؤسساتها لكيانات هامشية بعيدة عن دراسة واتخاذ القرار"، ملمحا إلى أنه "كيان غير منتخب ولا خاضع لأدوات الرقابة البرلمانية والمحاسبية، وفي المقابل نتبنى التزاما دوليا دون شفافية كافية عن السعر والشروط ومدة التوريد وآلية الصفقة".
وحول ما يمثله تملك الجهاز 46 قطعة أرض في 7 محافظات من انتقاص لحقوق تلك المحافظات وشعوبها في التنمية ومن خططها الإدارية، أوضح أن "إعلان نقل ولاية الأراضي للجهاز يشمل انتقال مساحات زراعية كبيرة وهناك معلومات تؤكد أنها تبلغ 606 ألف فدان ما يمثل ضررا كبير على المحافظات".
وأكد أنه "يضرب خطط المحافظات وتصوراتها للخدمات والطرق والتجمعات السكنية والاستثمارات المحلية، ويلغي التخطيط المحلي ويغير أولويات المحافظات ويجعل مشاريعها بدرجة أولوية بعد قرارات أجهزة أخرى"، ملمحا إلى "غياب الشفافية فلا خرائط تفصيلية ولا طبيعة كل قطعة ولا شروط التصرف ولا آلياته"، مبينا أنه" وسط معاناة المحافظات مع ميزانيات ضعيفة يجري حرمانها من أدوات توليد دخل فتتحول لكيانات صورية غير فاعلة".
وضع خطير هذه خسائره
وحول أضرار ذلك التوسع في صلاحيات الجهاز العسكري على القطاعات المدنية من إيرادات الموازنة المصرية وتعميق معاناتها مع العجز السنوي، قال الباحث المصري: "المشكلة ليست في نقل ولاية الأرض فقط؛ لكن انتقالها لكيان بآليات مختلفة عن الجهات المدنية يخلق مشاكل مالية".
ولفت إلى أن "نقل مصادر الدخل بعيدا عن الخزانة والهيئات المدنية؛ يقلل قدرة وزارة المالية على الضبط والتخطيط، في مقابل توسع جهاز مشروعاته بطبيعتها رأسمالية؛ وفي ظل وجود عجز كلي مرتفع ومدفوعات فوائد مرتفعة فأي توسع غير شفاف ولا يدر دخلا للموازنة العامة يزيد الضغط على العجز ويزيد المخاطر المالية، بجانب تعطيل الاستثمار الحقيقي وضعف التنافس وعدم المراقبة يعطل الاستثمار الخاص".
ويعتقد أنه "لو أن جهازا سياديا واحدا مسنودا بالمؤسسة العسكرية أصبح هو اللاعب الأكبر فهذا معناه أنه لا مكان للقطاع الخاص بالاقتصاد وينسحب مجبرا أو مختارا، أو يعمل كمقاول بدلا من الاستثمار كمنافس".
وحول التضارب بين توسعة سيطرة جهاز مستقبل مصر ومطالبة صندوق النقد المتكررة بتقليص ملكية الدولة وبينها الجيش، قال أشرف: "ما يحصل هو تقلص دور هذه المؤسسات لكن في نفس الوقت تزداد أدواتها سواء بأراضي أو مشتريات سيادية أو تفاوض خارجي؛ ما يعد إعادة تموضع وليس انسحابا".
وأوضح أنه "بدلا من أن تبقى اقتصاديات الجيش ظاهرة بعشرات شركات صغيرة ومتوسطة؛ هو يجمع النفوذ كله بكيانات محورية ضخمة ويتحكم بها في سلع استراتيجية، والأهم أن هذه الكيانات يتم إضافة عناصر مدنية بمجالس إدارتها ليعطيها طابع مدني، في التفاف واضح على مطالب الصندوق، وشروطه التي يتم تفعيلها جزئيا أو تجاهلها بناء على ميعاد دفعات شرائح قرض الصندوق".
دولة داخل الدولة
في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، جرى إسناد أعمال جديدة لـ"مستقبل مصر"، عبر ذراعه العقاري الجديد شركة "مدن"، التي تتولى بجانب مشروع مدينة "جريان" المعلن في حزيران/ يونيو الماضي (غرب القاهرة)، تشييد تجمعات سكنية وتجارية وسياحية قرب هضبة أهرامات الجيزة، والمتحف المصري الجديد، بمساحة 25 مليون متر مربع.
وأسند إلى الشركة التي تم تدشينها في آذار/ مارس الماضي، والتي تأكل من رصد وعمل "هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة"، (حكومية)، بـ"إدارة وصيانة وتشغيل" المباني والتجمعات العمرانية والبنية التحتية، وأعمال النظافة بعشرات المدن الجديدة.
وفي 18 آب/ أغسطس الماضي، حصل الجهاز على 89.66 بالمئة من أسهم الشركة "العربية لاستصلاح الأراضي"، مقابل 23.3 مليون جنيه فقط، بما قيمته 5 جنيهات للسهم وفقا للقيمة الدفترية، بينما كانت القيمة السوقية للسهم 122 جنيها.
اظهار أخبار متعلقة
وتخضع "نصف مساحة مصر المزروعة لقيادته وإشرافه"، وفق تأكيد هيئة الاستعلامات الحكومية، حيث توسعت محفظة مشروعاته الزراعية بعد استصلاحه 200 ألف فدان عام 2021، ليسند السيسي له زراعة واستصلاح 2.2 مليون فدان بمشروع الدلتا الجديدة (شمال غرب).
وذلك رغم وجود شركات حكومية عملاقة: "تنمية الريف المصري الجديد"، و"القابضة لاستصلاح الأراضي"، و"الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية"، وشركتي الجيش "الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي" و"الوطنية للزراعات المحمية".
انطلق الجهاز عام 2017 بالعمل في استصلاح 500 ألف فدان بمحور الضبعة، واستخدام أنظمة الري الحديثة، للتوسع مهام الجهاز عام 2020، بمشروع "الدلتا الجديدة" بهدف زراعة 2.2 مليون فدان، ليدخل مجال الاستزراع السمكي وتطهير بحيرات البردويل والمنزلة عام 2021، والإشراف على مشروع "فيروز" للاستزراع السمكي بشرق بورسعيد، ومجمع "غليون" بمحافظة كفر الشيخ.
عام 2023، انتقل الجهاز لمرحلة التصنيع الزراعي بـ"المنطقة الصناعية بـالدلتا الجديدة" لسكر البنجر، وإنتاج الزيوت، وفرز وتعبئة للموالح، لينتقل إلى مرحلة استيراد القمح من الخارج وبناء صوامع لتخزينه بسعة 600 ألف طن، بجانب مجمع "صوب زراعية" بمنطقة اللاهون بالفيوم لإنتاج الخضروات.