أثار تعيين الرئيس
المصري عبد الفتاح
السيسي قاضيًا مصريًا صاحب سجل قضائي "سيئ السمعة" بين السياسيين والمعارضين عضوًا بمجلس النواب المصري الجديد، ثم انتخابه رئيسًا للمجلس التشريعي والغرفة الأولى من أقدم برلمان عربي وأفريقي حتى 2030، جدلاً في الشارع المصري، لأسباب عديدة.
وبعد انتهاء ماراثون انتخابي هو الأطول في تاريخ البلاد (99 يومًا) لاختيار 568 عضوًا لمجلس النواب، حصدت أحزاب "القائمة الوطنية" (المهندسة أمنيًا) بمعرفة جهاز "الأمن الوطني"، والضابط السابق بالجهاز ونائب رئيس حزب "مستقبل وطن" النائب أحمد عبد الجواد، 456 مقعدًا، ليذهب 112 مقعدًا أغلبها لمستقلين موالين لم تضمهم "القائمة الوطنية".
اظهار أخبار متعلقة
ومع نهاية جدل انتخابات شهدت 300 طعن انتخابي على نتائج عشرات الدوائر بها وإعادة الاقتراع فيها بقرار قضائي؛ استحوذت الأحزاب الأربعة المشكلة الأساسي لـ"القائمة الوطنية"، والتابعة للجهات السيادية: "مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"الشعب الجمهوري"، و"الجبهة الوطنية"، على 403 مقاعد بنسبة 70.9 بالمئة، بواقع 277 مقعدًا للأول التابع لجهاز "الأمن الوطني"، و87 للثاني التابع لـ"المخابرات الحربية"، و65 للثالث، و24 للرابع، وهما التابعان لـ"المخابرات العامة".
وبإعلان النتائج التي تضمن للسلطات المصرية أغلبية كافية لتمرير ما ترغب فيه من قوانين وقرارات واتفاقيات؛ قرر السيسي الأحد الماضي، تعيين المحامي العام الأول لنيابات أمن الدولة، ورئيس الجهاز المركزي السابق (جهاز رقابي حكومي) المستشار
هشام بدوي (68 عامًا)، ضمن قائمة من 28 شخصية أعضاء بالمجلس، وفق الدستور الذي يمنح رئيس الجمهورية حق تعيين 5 بالمئة من الأعضاء.
والاثنين الماضي، وخلال الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب بمقره الجديد بالعاصمة الجديدة، جرى انتخاب هشام بدوي رئيسًا للمجلس بأغلبية 521 صوتًا من 570، فيما حصل النائب عن الحزب المصري الديمقراطي محمود سامي على 49 صوتًا؛ وذلك في مشهد بدا أنه مرتب مسبقًا، وفق قراءة مراقبين.
وأكدوا أن انتخاب هشام بدوي، وفوز رئيس حزب "الجبهة الوطنية" وزير الإسكان السابق، ورئيس مجلس إدارة قطاعات هامة في "العرجاني جروب" عاصم الجزار بمقعد وكيل أول المجلس، وفوز المستشار الطبي لـ"صندوق تحيا مصر" وعضو حزب "مستقبل وطن" الطبيب محمد الوحش بمقعد وكيل ثانٍ، مرتب، بدليل أن ثلاثتهم كانت لديهم كلمات جاهزة ألقوها بمجرد إعلان فوزهم.
رجل السلطة وذراع الأمن
إثر إعلان فوز هشام بدوي، قال متابعون للمشهد السياسي ونواب سابقون ومعارضون ومعتقلون سابقون إنه "إحدى الشخصيات المثيرة للجدل بأدوارها في قضايا تيار الإسلام السياسي"، ملمحين إلى "مشاركته رئيس نادي القضاة ووزير العدل الأسبق أحمد الزند، في حملته على الرئيس الراحل محمد مرسي (2012- 2013)".
وأكدوا أن "له دور في محاكمات رموز حسني مبارك والتي انتهت بتبرئة أغلبهم"، مشيرين إلى "توليه (الجهاز المركزي للمحاسبات) مدة 8 سنوات في عهد السيسي، خلفاً للمستشار هشام جنينة مفجر قضية الفساد الكبرى في البلاد، دون أن يعلن بدوي، طوال دورتين للجهاز الرقابي عن أية قضية فساد حكومي".وأنه
نال مكافأته بتعيينه عضواً في البرلمان، ثم رئيساً له بقرار الأجهزة السيادية.
ويرون أن "اختيار السلطات المصرية لبدوي ضرب جميع التوقعات باختيار رئيس مجلس القضاء الأعلى محمد عيد محجوب رئيساً للنواب، على ذات طريقة اختيار رئيس المحكمة الدستورية الأسبق حنفي جبالي لرئاسة مجلس النواب السابق، ليأتي السيسي بشخصية من خارج منصة القضاء".
ابن أنظمة العسكر
وفي رؤيته قال السياسي المصري ممدوح إسماعيل: "بدوي ابن جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً)، وابن نظام العسكر العتيق المخلص طوال مدة عمل قاربت 30 عاماً بنيابة أمن الدولة؛ كان الذراع الأهم لدى مباحث أمن الدولة بترتيب تلفيق قضايا معتقلي تيار الإسلام السياسي، (الإخوان المسلمون، والجماعة الإسلامية، والسلفيون)، ولم يصدر قرار إخلاء سبيل واحد لمن دخل نيابة أمن الدولة".
وفي حديثه لـ"
عربي21"، أكد أنه "بعد ثورة 25 يناير 2011، احتفظ به المجلس العسكري (12 شباط/ فبراير 2011 إلى 29 حزيران/ يونيو 2012)، كما عينه السيسي، رئيساً للجهاز المركزي للمحاسبات، دورتين مدة كل منهما 4 سنوات، لم يُكشف عن قضية فساد واحدة بل استخدم خبراته في التستر على الفساد".
ويرى عضو مجلس الشعب المصري سابقًا أنه "نتيجة لما سبق كان تعيين هشام بدوي مكافأة عن خدماته، فهو ليس رجل القانون الضليع إنما رجل أمن الدولة في القضاء، ولديه عداء صريح للحريات والعدالة؛ ولذلك ليس غريبًا تعيينه رئيسًا لمجلس النواب الذي يضم من أعضائه ضباط أمن دولة، ورئيس قطاع الأمن الوطني (2015- 2017) وزير التنمية المحلية الأسبق محمود شعراوي (2018- 2022)".
ووصف المحامي المصري تعيين هشام بدوي بهذا المنصب بأنه "عنوان للحكم الاستبدادي الذي لا يرى غير أن أمن الحاكم هو (أمن الدولة)"، معتقداً أنه "تعيين سيتبعه تمرير قوانين أسوأ بملف الحريات، وأخرى لتعضيد سلطة السيسي، وحمايتها وترسيخ أمن الحاكم"، متوقعاً "حدوث انفجار نتيجة للظلم"، وملمحاً إلى "ما جرى في مصر في 2011، وما يجري من تغييرات إقليمية في سوريا، وما يجري من تظاهرات الآن في إيران".
وعن تعيين السيسي قاضيًا ليس من قضاة المحكمة الدستورية أو في منصب قضائي رفيع، رغم ما يثار عن رغبته تمرير تعديلات دستورية لمد حكمه بعد 2030، أكد إسماعيل، أنه "لا مقياس للأمور إلا بما يريده السيسي، والقضاء كله مُسَيَّس؛ وليست هناك مشكلة في تعيين هشام بدوي لدى القضاة، لأن السيسي يعوضهم بوسائل مختلفة أو يرهب من لا يسمع كلامه".
ديكور وتحت السيطرة
من جانبه، قال السياسي المصري خالد الشريف، لـ"
عربي21": "نحن نعيش في زمن الفاشية السياسية وعصر الدكتاتورية التي لا تؤمن بالحرية ولا بالحياة البرلمانية ولا باحترام إرادة الشعوب ولا بنزاهة الانتخابات".
ويرى القيادي في حزب "البناء والتنمية" أن "اختيار المستشار هشام بدوي رئيساً للبرلمان لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام الذي يحكم مصر؛ فهذا البرلمان تم في رعاية المخابرات والأجهزة الأمنية، بل تم في حالة تنافس وعراك بين الأجهزة الأمنية نفسها".
وأكد أن "البرلمان الآن لا يمثل الشعب في شيء؛ بل هو مؤسسة ترعاها المخابرات وأجهزة السيسي السيادية"، مضيفاً: "ولذا فالجدل لا يتعلق فقط بشخص هشام بدوي، بل بطبيعة المسار الذي يُدار به البرلمان نفسه، فهو مؤسسة ديكورية وامتداد لمنظومة حكم فاشي".
ضبط إيقاع وإحكام سيطرة
ولفت الشريف، إلى أن "تاريخ بدوي المهني، سواء في تعاطيه مع قضايا تيار الإسلام السياسي كأحد أدوات القمع أيام حسني مبارك وبعد انقلاب 2013، مما يمكن تسميته برجال الدولة العميقة هو ضبط الإيقاع لصالح الاستبداد السياسي والقانوني في البرلمان، وليس الغرض من تعيينه إدارة نقاش برلماني حيوي أو رقابة حقيقية على أعمال الحكومة أو فتح مساحات مساءلة حقيقية".
وبين أن "تعيينه تم بقرار رئاسي، وليس نتاج مسار انتخابي طبيعي، وهو ما يعزز الانطباع بأن الرسالة الأساسية من هذا الاختيار هي إحكام السيطرة على مجلس النواب في المرحلة المقبلة، وإنتاج قوانين وتشريعات مقيدة للحريات في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية ضاغطة قد تفرض تشريعات مستبدة تضاعف معاناة الجماهير".
وحول تجربته في الجهاز المركزي للمحاسبات، قال السياسي المصري إن "غياب ملفات فساد خلال سنوات رئاسته، مقارنة بما تم في ظل رئاسة هشام جنينة، يؤكد غياب دور الأجهزة الرقابية وعدم استقلاليتها في ظل حكم السيسي".
رجل الأمن والسلطة وخصم الإخوان
تدرج هشام بدوي في السلك القضائي وصولاً إلى رئاسة نيابة أمن الدولة العليا في عهد حسني مبارك عام 2005 حتى 2012، ليتم تعيينه في عهد المجلس العسكري مساعداً لوزير العدل لشؤون مكافحة الفساد، ليقرر السيسي، في 2015، تعيينه نائباً لرئيس الجهاز المركزي للمحاسبات (بجوار المستشار هشام جنينة)، ليتولى رئاسة الجهاز رسمياً خلفاً لجنينة عام 2016 لدورتين حتى 2024.
خلال رئاسته نيابة أمن الدولة في عهد مبارك، حقق بدوي في قضية "ميليشيات الأزهر" عام 2006، والتي انتهت بإحالة قيادات بجماعة الإخوان (بينهم خيرت الشاطر) للمحاكمة العسكرية، إلى جانب قضايا "التنظيم الدولي للإخوان" عام 2009، وقضايا "خلايا حزب الله" و"تنظيم الزيتون"، مطالباً بأحكام تتسم بالشدة، لمئات المتهمين من الجماعة الإسلامية والجهاد بتهم "قلب نظام الحكم".
في المقابل، اتُهمت نيابة أمن الدولة تحت إدارته بالتباطؤ في تقديم الأدلة ضد رموز نظام حسني مبارك، في قضايا "قتل المتظاهرين" و"الفساد المالي"، حيث ساهمت التقارير الفنية ومذكرات النيابة بحصول قيادات مثل: صفوت الشريف وأحمد عز على البراءة وإخلاء السبيل.
اظهار أخبار متعلقة
وارتبط اسم بدوي، في الجهاز المركزي للمحاسبات، عقب الإطاحة بالمستشار هشام جنينة في آذار/مارس 2016، عقب تصريحاته عن 600 مليار جنيه تكلفة الفساد في مصر، بإبعاد مؤيدي جنينة والذين أعدوا تقارير الفساد الكبرى. واتهمته تقارير صحفية وحقوقية بالتكتم على تقارير الرقابة التي تدين جهات سيادية أو وزارات خدمية.
انتقادات وغضب
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتقد السياسي المصري مجدي حمدان اختيار بدوي، معلناً عن مخاوفه مما قد يوكل إليه من أدوار، قائلاً: "رئيس السلطة التشريعية والرقابية معين من رئيس السلطة التنفيذية"، في إشارة إلى أن بدوي معين من قبل رئيس النظام.
ويرى السياسي والبرلماني المصري السابق ثروت نافع، أنه "تم اختيار أعضاء البرلمان ورئيسه بعناية فائقة لمهمة واحدة فقط، وهي تعديل الدستور مرة أخرى لبقاء السيسي لفترات قادمة".
من جانبه، أكد الاقتصادي المصري تامر النحاس، أن اختيارات البرلمان لنوابه ورئيسه بـ"إيعاز من السلطة"، تؤكد أنه "لا يوجد باب للإصلاح"، وأن اختيار السلطة لـ"طريقها وحلفائها" يوصلنا لقناعة أنه "لا رجاء في البلد"، وأن السلطة "تقودنا نحو الاصطدام بالحائط"، متخوفاً من ثمن يدفعه الشعب.
وأشار الكاتب خالد الأصور إلى سوء اختيار أعضاء البرلمان، ملمحًا إلى اتهام والد نائبة بالاستيلاء على 227 فدانًا من أملاك الدولة بطريق (مصر-الفيوم).