طبقا لهنري كيسنجر فإن محركات سياسات الدول ليست القيم والمبادئ، ولا الأيديولوجيات والأفكار الدينية أو الدنيوية، وإنما المحركات الدائمة هي المصالح الدائمة للدول، وهو ما قاله أيضا جورج كينان وغيره من رواد الواقعية السياسية مثل، هانز مورغنتاو. في هذا السياق يجب ألا يتبادر إلى ذهنك أن المصالح الدائمة للدول تتطابق مع المصالح الدائمة للشعوب، لأنه إذا كانت الأمور كذلك لما كان تاريخ العالم هو ما نقرأه الآن، عن الصراعات والحروب وأسلحة الدمار الشامل والسعي لاحتكار القوة لقهر مصالح الشعوب.
الأكثر من ذلك في الوقت الحاضر أن الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة تسعى إلى تشويه مفاهيم القوة والسلام والتعايش، بالقدر الكافي لتبرير الحروب العدوانية. ومن الطبيعي أن تجد بين شعوب العالم جماعات تصفق للحروب العدوانية الوحشية، مثلما يفعل الآن المهووسين بالصهيونية الدينية المتطرفة في إسرائيل، الذين يدعون إلى قتل كل طفل وكل امرأة وكل غرسة حية، وعلى رأسهم رئيس الحكومة الحالي بنيامين
نتنياهو.
ومن الطبيعي أن تجد بين حكام العالم جهلة وحمقى وأغبياء، مثل دونالد
ترامب سمسار العقارات قصير النظر الذي تمكن، وسط مجتمع سياسي فاسد في الولايات المتحدة، من التحكم في توجيه أسلحة أقوى دولة في العالم. هو يزعم أنه يدعو للسلام أملا في الفوز بجائزة نوبل بينما هو يفعل عكس ذلك تماما بإشعال الحروب وانتهاك القانون الدولي وكل مبادئ الأخلاق، التي تعلمتها البشرية في تاريخها بما في ذلك الأخلاق الشخصية.
رقبة ترامب في حبل نتنياهو
ترامب دعا
إيران إلى اختيار قيادة جديدة «مقبولة» لدى البيت الأبيض، وهو تدخل في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة ذات سيادة، عبر عنه صراحة بادعاء أن لديه مرشحين لقيادتها. وقال بعد اختيار
مجتبى خامنئي أنه لن يستمر، وتعهد بتدمير إيران لمصلحة إسرائيل، وليس دفاعا عن بلاده. برهن ترامب على أنه سمسار قصير النظر وسياسي أحمق وضع رقبته صاغرا في حبل نتنياهو، الذي يجره وراءه في حرب لا يستفيد منها غير إسرائيل. ترامب لا يفهم أن سلام القوة هو استراتيجية ردع، وليس ذريعة عدوان، ولا يفهم أن تغيير النظم السياسية بالقوة هو خرق لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. إنه يحتاج إلى من يفهمه أن التفاوض مع إيران لمنعها من إنتاج سلاح نووي، ووقف برنامجها الصاروخي يتناقض مع شن الحرب عليها. ويحتاج إلى من يفهمه أن نزع السلاح بقوة السلاح، قد يكون ممكنا لظروف معينة في الأجل القصير، لكنه سياسة فاشلة في الأجل الطويل. يحتاج ترامب الى من يفهمه أن تغيير الأنظمة بالقوة من الخارج تنتهي حصيلته إلى صفر كبير كما حدث لتجربة الولايات المتحدة المريرة في أفغانستان، التي استهدفت إسقاط نظام حكم طالبان، وانتهت بعد عشرين عاما إلى تسليم الحكم إلى طالبان مرة أخرى! ويحتاج ترامب إلى من يفهمه أن تغيير هدف الحرب عدة مرات خلال الحرب يعكس قدرا كبيرا من الجهل والحماقة والتخبط السياسي.
ترامب لا يفهم أن سلام القوة هو استراتيجية ردع، وليس ذريعة عدوان، ولا يفهم أن تغيير النظم السياسية بالقوة هو خرق لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى
في حواره الأخير مع الصحافي الإسرائيلي جاكوب ماجد (تايمز أوف إسرائيل – 9 من الشهر الحالي) قال ترامب: «إذا لم يكن بيبي موجوداً، لما كانت إسرائيل موجودة اليوم»! وهو قول لم يطلقه حتى عتاة الصهاينة في العالم. وقال إن القرار بشأن إنهاء الحرب مع إيران سيكون قراراً «مشتركاً» سيتخذه مع نتنياهو معترفا بذلك أنه لا يستطيع اتخاذ القرار بمفرده. وأكد «لقد دمرنا دولة أرادت تدمير إسرائيل».
ما يفعله نتنياهو وترامب ليس تحقيق السلام بالقوة، وإنما هو العمل من أجل احتكار القوة وممارسة الهيمنة، ما ينثر بذور صراعات مستقبلية مستمرة بين إسرائيل وشعوب المنطقة، وربما العالم كله. إن مفهوم «سلام القوة» يمثل أساسا لاستراتيجية ردع عسكرية واقتصادية ودبلوماسية شاملة، وليس ذريعة لممارسة العدوان بهدف إثارة الفوضى وإسقاط الأنظمة وتحقيق الهيمنة.
ومن الأمثلة البارزة لاستراتيجية سلام القوة، استراتيجية أوروبا تجاه روسيا بعد حرب أوكرانيا، واستراتيجية الولايات المتحدة تجاه الصين في تايوان. في الحالتين لم تستخدم أوروبا ولا الولايات المتحدة استراتيجية «سلام القوة» لهندسة عدوان مسلح على الخصم، بل كانت القوة وسيلة لمنع وقوع العدوان من الطرف الآخر، وقطع الطريق على التداعيات المحتملة لذلك، ضمن إطار وقواعد القانون الدولي والنظام العالمي القائم. ما تفعله إسرائيل بقيادة نتنياهو واليمين الديني الصهيوني المتطرف، هو خروج على قواعد النظام الدولي باجتياح حدود دول مستقلة ذات سيادة، مثلما هو الحال في إيران، وممارسة العدوان على شعوبها إلى حد أمر السكان بإخلاء مساكنهم والنزوح بعيدا مثلما هو الحال في لبنان، ووصل الأمر إلى فرض حرب إبادة إجرامية، تتناقض مع كل قواعد القانون الدولي في غزة. ما يفعله نتنياهو هو ممارسة استراتيجية الهيمنة واحتكار القوة ونزع أسلحة الدول المجاورة وإخضاعها عسكريا باستخدام قوة النفوذ «عن بعد»، بلا حاجة لاحتلال أراضيها، ما يحقق الهيمنة الكاملة لإسرائيل والخضوع الكامل من الجانب الآخر. ويتضمن نزع سلاح الدول المجاورة التحكم مباشرة في أنظمة تسليحها وسياساتها الدفاعية، من خلال اتفاقيات ومنظومات مؤسسية متعددة الأطراف، عسكرية وغير عسكرية.
وإذا استمرت استراتيجية الهيمنة الإسرائيلية في العمل من دون رادع إقليمي أو دولي، فإن المنطقة ستشهد مستقبلا كارثيا تحت سيطرة المتطرفين الصهاينة المهووسين بأسطورة نهاية العالم. نتنياهو نفسه وصف حرب إيران بأنها حرب يوم القيامة»! منطقة ما بين الفرات والنيل ليست وحدها في خطر، بل إن العالم كله يقترب من كارثة تاريخية. وقد قلت من قبل إن نتنياهو خطر على إسرائيل وخطر على الشرق الأوسط وخطر على العالم كله.
رسالة مجتبى خامنئي
يعكس اختيار مجتبى خامنئي ليكون المرشد الثالث للثورة الإيرانية تجسيد نفوذ الحرس الثوري، ومؤسسة خاتم الأنبياء، بما لهما من وزن سياسي وعسكري واقتصادي. ويعتبر هذا الاختيار خبرا سيئا لكل من يظن أن إيران بعد صدمة الضربة الأولى واغتيال خامنئي الأب كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط. هذا الاختيار يعني إقامة تحد خطير يهدد خطة إجبار إيران على «الاستسلام الكامل» خلال أسابيع قليلة، كما ذهبت تقديرات العسكريين الإسرائيليين والأمريكيين حتى بداية الأسبوع الحالي. ولا توجد أي دلائل أو إشارات على قرب حدوث مثل هذا «الاستسلام الكامل» الذي أعلن ترامب أنه لن يرضى بغيره. إيران بقيادة الحرس الثوري لن تستسلم، وفي مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل لن تستسلم. المعضلة الرئيسية هنا هي مدى قدرتها على الاستمرار في الحرب.
وتتعلق هذه القدرة أولا بالاستمرار في تهديد العدو، وثانيا بتطوير الدفاع عن الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية الإيرانية. ولقد أخطأت إيران بضرب أهداف داخل الدول المجاورة بحجة أنها تستهدف القواعد الأمريكية، وفوتت على نفسها فرصة إقامة تحالف إقليمي ضد الحرب. ونفى الرئيس الإيراني أنه قدم اعتذارا عن ذلك، وأعاد التأكيد على حق بلاده في الرد على الهجمات التي تنطلق من قواعد أمريكية في دول مجاورة. في الوقت نفسه نفت إيران أنها شنت هجمات على تركيا وقبرص وأذربيجان، غير أن هذا لم يمنع أردوغان من توجيه تحذير إلى القيادة الإيرانية.
ويبدو أن إيران مع اختيار القيادة الجديدة تتجه إلى «تدويل الحرب سياسيا»، من خلال مطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ الإجراءات الكافية لوقف جرائم الحرب الأمريكية في عدوانها العسكري المستمر على إيران، ووقف تطبيع انتهاكات القانون الدولي، وضمان محاسبة الولايات المتحدة ورئيسها، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، ومنع المزيد من تطبيع انتهاكات القانون الدولي، كما جاء في رسالة عباس عراقجي، إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة والرئيس الحالي لمجلس الأمن الدولي. هذا الاتجاه لـ»تدويل الحرب سياسيا» هو المعادل الدبلوماسي لما قامت به إيران من «تدويل الحرب اقتصاديا» بإعلان إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر منه خُمس استهلاك العالم من النفط والغاز المسال. الخطوة الإيرانية دفعت أسعار النفط للاقتراب من حاجز الـ100 دولار ما يضع الاقتصاد العالمي كله في مأزق، بينما كان في طريقه إلى وضع تعافٍ هش.
الآن يواجه العالم زيادة مفاجئة في أسعار النفط والغاز وتكلفة الشحن والتأمين، ما يعني ضرب فرص النمو وفتح بوابة لهيب التضخم، وتعميق حالة عدم اليقين بشأن المستقبل، وهي عوامل ثلاثة كافية بانزلاق العالم إلى هاوية أزمة اقتصادية لا قرار لها. الأكثر والأخطر من كل ذلك هو أن احتمالات وقف الحرب تراجعت إلى حد كبير، وزادت احتمالات استمرارها إلى أشهر وليس هناك ما يمنع أن تستمر لسنوات، إذا استمر غرور القوة وحماقات حكام إسرائيل والولايات المتحدة.
القدس العربي