في تغول جديد على اختصاصات الأزهر الشريف وفقا للدستور
المصري، وتنفيذا لتوجيهات رئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، أعلن المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة المصرية أن الأكاديمية العسكرية صاحبة الأدوار المتصاعدة بشكل كبير مؤخرا؛ "شكلت مجلسا علميا برئاسة وزير الأوقاف أسامة الأزهري".
البيان المقتضب الخالي من أي تفاصيل حول أسماء أعضاء المجلس، والصادر السبت الماضي، أشار إلى أنه تنفيذا لتوجيهات السيسي، للارتقاء بالمستوى العلمي بين أبناء الوطن، استقبلت الأكاديمية العسكرية وزير الأوقاف أسامة الأزهري "لرئاسة المجلس العلمي المشكل لمناقشة الجوانب العلمية والدينية واللغوية للملتحقين بدراسات ما بعد الدكتوراه من أبناء المؤسسة الدينية".
جدل السيسي وأدوار الأكاديمية العسكرية
وسبق قرار تشكيل "المجلس العلمي" بنحو شهر، فرض السيسي، في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، على دعاة وزارة الأوقاف من حملة الدكتوراه، برنامج تدريبي لعامين بالأكاديمية العسكرية الواقعة بمقر قيادة الدولة الاستراتيجي بالعاصمة الجديدة.
حينها أثار رئيس النظام، ضجة واسعة بحديثه مع الحاصلين على الدكتوراه من دعاة وزارة الأوقاف، حين زعم أن تاريخ المسلمين خلال 1400 سنة تسبب "في شكل من أشكال التخلف الديني، والانحطاط الديني". وطالب الأئمة بصناعة "تيار مستنير يقف ضد التخلف والتطرف وبناء وعي جديد"، داعيا إياهم بأن يكونوا "حراسا للحرية"، وليسوا "حراسا للعقيدة"، مشيدا بالدورة العسكرية التي يحصلون عليها، ومقللا من قيمة دراستهم للدكتوراه بقوله: "عدد ساعات الدراسة بالدورة تفوق عدد الساعات اللازمة للحصول على درجة الدكتوراه".
وخلال السنوات الثلاث الماضية، أسند السيسي إلى الأكاديمية العسكرية أدوارا مثيرة للجدل وألزم الموظفين الحكوميين بدورات تدريب عسكري مدة 6 شهور بها شملت: أئمة الأوقاف، والمعينون بوزارت التعليم، والخارجية، والنقل، والهيئات القضائية، وأعضاء هيئة الرقابة الإدارية، ما يثير انتقادات واتهامات للسلطات بعسكرة الوظائف المدنية وتوجيه المعينين الجدد، وسط تكلفة مالية كبيرة على الدارسين.
وفرضت الأكاديمية العسكرية المقامة على مساحة 850 فدانا على مسافة نحو 50 كيلومتر من القاهرة، رسوما مالية على المتدربين، مثلما حدث مع خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون المعينين كقضاة بمجلس الدولة، والنيابة العامة، والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة، وصلت 120 ألف جنيه، وفق حديث 5 قضاة لموقع "مدى مصر".
اظهار أخبار متعلقة
أدوار الأوقاف في عهد السيسي
ويرى مراقبون أن تشكيل مجلس علمي بالأكاديمية العسكرية من وزارة الأوقاف بعيدا عن الأزهر الشريف، يمثل تعديا صريحا على دستور الدولة، الذي تنص مادته السابعة، أن الأزهر الشريف "المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية".
وشهدت علاقة السيسي، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، خلافات وسجالات علنية حول قضية "الطلاق الشفهي" كانون الثاني/ يناير 2017، وبشأن "تجديد الخطاب الديني" تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 وكانون الثاني/ يناير 2020، ليرد الطيب، معلنا رفضه التهوين من شأن التراث لإرضاء الحداثة.
وإزاء تلك السجالات، منح السيسي، وزارة الأوقاف أدوارا غير مسبوقة، ولم تعد مقتصرة على إدارة المساجد والعمل الدعوي، بل امتدت تكليفاته لها لتشمل أبعادا سياسية، وأمنية، واقتصادية.
وكلف السيسي، الوزير السابق مختار جمعة (2017- 2024) بمهمة إبعاد تيار الإسلام السياسي (جماعة
الإخوان المسلمين ثم السلفيين لاحقا) عن المنابر، والسيطرة على المساجد، وإغلاق الزوايا، وفرض "الخطبة الموحدة"، واشترط الخطابة بتصريح الأوقاف والأمن الوطني، بجانب منح الضبطية القضائية لمفتشي الأوقاف.
ويرصد مراقبون محاولات السيسي، استبدال الأزهر الشريف بوزارة الأوقاف، التي تصدرت مؤتمرات دولية ونظمتها تحت رعايته، ومنها: "عقد المواطنة" و"حوار الأديان"، إلى جانب تجاهل الدور التعليمي والتدريبي لمؤسسات الأزهر عبر إنشاء "أكاديمية الأوقاف الدولية" عام 2019، لتدريب الأئمة في العلوم الشرعية والأمن القومي.
صناعة أئمة الجمهورية الجديدة
وتشير منشورات وزارة الأوقاف والأكاديمية العسكرية من أخبار إلى أن تدريب الأئمة يتم خلال 24 أسبوعا، ويستهدف صياغة شخصية الإمام بما يتماشى مع رؤية "الجمهورية الجديدة"، و"فهم التحديات والمخاطر التي تواجه الدولة"، و"غرس قيم المواطنة والانتماء"، و"تحليل وتفكيك الخطاب المتشدد".
ويتم التركيز على كتب وزارة الأوقاف، مثل سلسلة "رؤية"، والتي تتضمن تفكيك مفاهيم "الحاكمية" و"الخلافة"، وشرح أن الخلافة وسيلة وليست غاية، وأن نظام الدولة يحقق مقاصد الشرع، مع دراسة كيفية توجيه الرأي العام نحو المشروعات القومية، وترشيد الاستهلاك، والزيادة السكانية، وتدريب الإمام لكشف التغيرات الفكرية بمنطقته ومسجده وإبلاغ الجهات المعنية. ومن الكتب المقررة: "فلسفة المواطنة"، لترسيخ مفهوم الانتماء، و"حماية دور العبادة"، لتأكيد قدسية الكنائس والمساجد، و"مفاهيم يجب أن تُصحح"، للرد على أفكار جماعة الإخوان المسلمين للشيخين حسن البنا، وسيد قطب.
هندسة متعمدة للخطاب الديني
وفي قراءته لحجم ما يرصده قرار تشكيل مجلس علمي بالأكاديمية العسكرية المصرية برئاسة وزير الأوقاف، بعيدا عن الأزهر الشريف من تغول جديد للجيش والأوقاف على اختصاصات الأزهر، قال الباحث المصري الدكتور محمد الصاوي، إنه "سابقة خطيرة في بنية الدولة الدينية، ويعكس قفزا واضحا على نص وروح الدستور".
وأوضح لـ"عربي21"، أن "المادة 7 من الدستور تحسم الأمر دون لبس، حين تنص على أن الأزهر المرجع الأساسي، دون غيره، في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتمتع بالاستقلال الكامل في إدارة اختصاصاته". ويرى أن "القرار لا يمكن فهمه باعتباره إجراء إداريا عابرا، بل هو إعادة هندسة متعمدة لمجال إنتاج الخطاب الديني، عبر سحبه من مؤسسة علمية تاريخية مستقلة، وإدخاله في إطار (عسكري–أمني)، تشرف عليه وزارة الأوقاف الخاضعة بالكامل للسلطة التنفيذية؛ وهنا يتجلى القفز الحقيقي: نقل المرجعية من (العلم) إلى (الولاء الوظيفي)".
اظهار أخبار متعلقة
مخاطر القرار
الصاوي، أكد أن "وضع وزارة الأوقاف كبديل عملي للأزهر يوحي، بلا شك، بوجود خلاف عميق بين مؤسسة الأزهر والرئاسة، خاصة بعد رفض الأزهر المتكرر الانخراط في صيغ قسرية لما يسمى (تجديد الخطاب الديني)، أو مباركة سياسات تمس قضايا عقدية وسياسية حساسة.
وبما أن الأزهر يتمتع بشرعية تاريخية وشعبية تعيق تطويعه الكامل، كان الاتجاه إلى خلق مرجعية موازية أكثر انضباطا وأقل استقلالا".
ويعتقد أن خطورة هذا المسار تكمن في "تسييس الدين وإخضاعه للعقيدة الأمنية، وتفكيك وحدة المرجعية الدينية الرسمية، وإضعاف مكانة الأزهر عالميا بوصفه مرجعية سنية مستقلة؛ كما أن عسكرة المجال الديني تفتح الباب أمام خطاب أحادي، يفتقد التعدد والاجتهاد، ويُستخدم كأداة ضبط اجتماعي لا كمنظومة قيم".
وخلص للقول إن "الهدف من هذا الحصار إخضاع الدين بالكامل لمعادلات السلطة، وإفراغ الأزهر من دوره النقدي والوسطي، تمهيدا لإنتاج خطاب ديني (آمن سياسيا)، حتى وإن كان ذلك على حساب الدستور، والتاريخ، واستقرار المجال الديني".
تطبيق لفكرة القبيلة العسكرية
وفي تصوره، قال السياسي والإعلامي المصري الدكتور حمزة زوبع، لـ"عربي21": "تحركات السيسي منذ 2014 و2015، تؤكد توجهه لعسكرة البلاد وليس الاقتصاد فقط وفكرته قائمة على أن
الجيش لا يمسك بالاقتصاد فقط بل الفكرة الأساسية سيطرته على كل شيء، فهو يؤمن بفكرة (القبيلة العسكرية)".
المتحدث السابق باسم حزب "الحرية والعدالة" المصري الحاكم سابقا، أوضح أنه "إذا كانت في الممالك العربية عائلات حاكمة مثل الأردن المغرب السعودية الكويت والإمارات وغيرها فالحل عند السيسي، أن الجيش من يحكم، وليس كل الجيش ولكن طبقة منتقاة منه، بهدف تغيير هوية الشعب والدين".
ولفت إلى أنه "تحدث لسنوات عن الدين الجديد، وتطوير الخطاب الديني، ويرى أن الأزهر عقبة أمامه، وبالتالي حاول بقدر الإمكان أن تكون الأوقاف الجهة الحاكمة والممثلة للدين، وتخلص من الوزير مختار جمعة الذي أزكم فساده الأنوف وجاء بأسامة الأزهري ليكون منافسا لشيخ الأزهر ومؤسسته، وهو ما لن ينجح به".
وأكد أن "الأزهر مازال حجر عثرة في طريق تفكيره، ولذا قرر أن ينشئ مجلسا فوق الأزهر، يمنح الدرجة العسكرية في الدين من داخل الجيش، والدرجة العلمية في السياسة ولموظفي الخارجية والنقل والمواصلات والتعليم والصحة والقضاء، وكل شيء لتسير الأمور وفقا لنظام القبيلة العسكرية".
اظهار أخبار متعلقة
مشكلة السيسي
وأضاف: "منذ عام 2015، أرى أن السيسي، يؤمن بالتجربة الصينية، وأنه لابد أن يكون هناك شيء مركزي، ونخبة حاكمة، كما كان معجبا بتجربة عائلة الأسد العلوية بسوريا، والآن لدينا أقلية عسكرية تحكم 120 مليون مصري، وتتحكم في دين الناس، وطبق ما قاله عام 2014: (مفيش قيادة دينية أنا المسئول عن القيم والاخلاق والدين)".
ويرى أن "السيسي ليس لديه رأي فقهي، ولا يؤمن بالفقه، ولكنه يؤمن بـ(الفهلوة)، ويريد (فهلوية) في الأزهر والفن وغيرها، ويرى نفسه فوق الجميع ويقترب في طريقته من معمر القذافي، ولديه مشكلة مع الدين عموما، ولا يرى أن هذا الدين صالح لهذا الزمن وصرح بذلك، وهو أول حاكم عربي يقول كلمة (الإرهاب الإسلامي) وذكر ذلك في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، بحوار مع (سي إن إن)، تعجبت له الإعلامية الأمريكية إيرين بورنيت".
ولفت زوبع، إلى قول "الاقتصادي الأمريكي المؤيد لإسرائيل مورتون كلاين، إنه (يجب أن نغير ثقافة المسلمين، بحيث يبدأ الأمر بقادة المسلمين وأئمتهم)، ودعوته قادة العالم الإسلامي أن يحذو حذو السيسي في ربط الإسلام بالإرهاب، والعمل على إصلاحه"، خاتما بقوله: "كل هذا يسير بخط واحد يؤكد أن السيسي لديه عداء للإسلام بشكل غير طبيعي".
دعوة لتصحيح المهام
الكاتب الصحفي، جمال سلطان، وصف تشكيل الأكاديمية العسكرية لمجلس علمي برئاسة وزير الأوقاف بأنها: "خطوة صادمة، وغير موفقة"، داعيا الجيش لمراجعتها، ومؤكدا أنها "تمثل تعديا صريحا على دستور الدولة الذي يفترض أن يحميه الجيش"، ملمحا إلى أن "المادة 7"، من الدستور تجعل الأزهر "المرجع الأساسي" بالعلوم الدينية والشئون الإسلامية، متسائلا: "ما الذي يدعو الجيش للتعدي على اختصاصات مؤسسة الأزهر الدستورية؟".
سلطان، دعا الأكاديمية العسكرية لأن تنشغل "بتكوين وإعداد خبراء عسكريين واستراتيجيين قادرين على رؤية وتحليل خريطة التحدي العسكري في المنطقة وتقديم الاقتراحات للقيادة، وليس الانشغال بالإشراف على تفسير القرآن وإعراب القرآن وعلوم الحديث"، مؤكدا أنها مهمة الأزهر.
ومن جانب آخر، يتخوف البعض وخاصة التيار السلفي، من تأثير وزير الأوقاف الصوفي أسامة الأزهري، وتوجيهه جهود الوزارة نحو الإسلام الصوفي، الذي تدعمه جهات غربية ودول عربية، مشيرين إلى تقرير مؤسسة "راند" الأمريكية عام 2005 الداعي لدعم تيار الصوفية في مصر والعالم الإسلامي.