مغاربة بين سجون العراق ومخيمات سوريا.. هل يحسم المغرب "معركة الأمن"؟

187 مغربيا ضمن 5700 معتقل نقلوا إلى العراق في عملية استمرت 23 يوما- جيتي
187 مغربيا ضمن 5700 معتقل نقلوا إلى العراق في عملية استمرت 23 يوما- جيتي
شارك الخبر
في غرفة على أطراف الرباط، تجلس أمّ مغربية أمام هاتفها، كل اهتزاز فيه يُخبرها بشيء جديد عن مصير ابنها المفقود منذ سنوات. تتبع الأخبار المتقطّعة عن نقل معتقلين من شمال شرق سوريا إلى العراق، وكأن كل رقم يُعلن في بيان رسمي أصبح احتمالا شخصيا، وكل قائمة غير منشورة تتحوّل إلى قلق جديد يثقل صدرها.

كانت زهرة وفق حديثها لـ"عربي21" تعرف أن ابنها متواجد في سوريا، على الأقل جغرافيا. أما الآن، فقد تغيّر المكان، ومعه تبدّد بعض اليقين الذي كانت تتمسّك به، وحلّت مكانه جُملة أسئلة، عن مصيره وعن مستقبل كافّة العالقين بين النزاع والقانون والدولة.

في 21 كانون الثاني/ يناير الماضي، بدأت عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة "داعش" من السجون السورية إلى العراق، بإشراف مباشر من القيادة المركزية الأمريكية ضمن إطار عملية "العزم الصلب".

العملية استمرت 23 يوما، وشملت أكثر من 5700 معتقل متعدد الجنسيات، في واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع المحتجزين. بين هؤلاء، يوجد 187 مغربيا، وفق معطيات رسمية عراقية، وهو رقم يضع المغرب في المرتبة الرابعة بين الجنسيات الأجنبية المحتجزة هناك.

قد يبدو الرقم، في سياق الآلاف، محدودا. غير أنّه سياسيا وقانونيا يوصف بكونه: رقم ثقيل. فهو لا يعكس فقط حجم الالتحاق السابق ببؤر التوتر، بل يضع الدولة المغربية أمام اختبار واضح: كيف ستدير ملف مواطنيها المتورطين في العنف العابر للحدود؟ وهل تملك مقاربة معلنة للتعامل مع محاكمتهم في الخارج؟

انتقال في الجغرافيا

منذ سنوات مضت، ظلّ ملف المعتقلين المغاربة في شمال شرق سوريا محكوما بخصوصية المكان. فالسجون والمخيمات التي كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية لم تكن تخضع لسلطة دولة معترف بها دوليا بشكل كامل، ما جعل الآليات القانونية التقليدية شبه معطلة. كان الوضع أقرب إلى "منطقة قانونية رمادية"، حيث تحتجز مجموعات مسلحة آلاف الأجانب، في انتظار حلول سياسية لم تتبلور.

لكنّ، نقل المعتقلين إلى العراق جعل المعادلة تتغيّر بشكل جذري. إذ أنّ بغداد تستند إلى قانون العقوبات، الذي يمنحها صلاحية محاكمة أي شخص ارتكب جريمة على أراضيها، بغض النظر عن جنسيته. وبحسب تصريحات رسمية، فإن محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا الإرهاب، باشرت التحقيقات فور وصول المنقولين، في إطار إجراءات قضائية، تخضع لإشراف مجلس القضاء الأعلى.

وقال مدير خلية الإعلام الأمني، سعد معن، إنّ: "التحقيقات الأولية بدأت فعليا، والعملية ستتطلب أشهر لاستكمال تبادل المعلومات والتحقق من البيانات قبل صدور الأحكام النهائية".

وأشار معن، في تصريحات صحافية، إلى أنّ: المادة 6 من قانون العقوبات العراقي تمنح الدولة الحق في محاكمة أي شخص ارتكب جرما على أراضيها بغض النظر عن جنسيته، ما يمنح بغداد سندا قانونيا لمحاكمة المتهمين الذين تورطوا بجرائم داخل العراق. أما أولئك الذين انحصرت أنشطتهم في سوريا، فإنّ الحكومة تدرس إمكانية التواصل مع دولهم الأصلية لاستلامهم، وفق ما كشفته مصادر مطلعة.

في المقابل، يملك المغرب بدوره سندا قانونيا لمُلاحقة مواطنيه المتورطين في "جرائم الإرهاب" خارج التراب الوطني، وذلك بالاستناد إلى التّعديلات التي أُدخلت على قانون مكافحة الإرهاب بعد عام 2014، والتي أقرت مبدأ الاختصاص الشخصي. ما يعني أنّ الدولة المغربية يمكنها، من حيث المبدأ، متابعة مواطنيها عن أفعال ارتكبت خارج حدودها، متى توفرت الشروط القانونية لذلك.

إلى ذلك، رحلة العودة إلى المغرب تبدو بالنسبة للكثيرين أشبه بمعجزة، رغم سقوط نظام بشار الأسد والتحولات الأمنية المتسارعة في سوريا.

اظهار أخبار متعلقة



وبحسب ما توفّرت عليه "عربي21" من معطيات، فإنّ التداخل بين الاختصاصين –الإقليمي العراقي والشخصي المغربي– بات يفتح نقاشا يتجاوز الإجراء التقني إلى جوهر مفهوم السيادة، لتتسارع الأسئلة، خاصّة من لدن أهالي المعتقلين، من قبيل: هل تفضل الدولة ترك المحاكمات تجري في الخارج حيث وقعت الجرائم، أم ترى أن ممارسة ولايتها القضائية على مواطنيها جزء من مسؤوليتها السيادية، مهما كانت حساسية الملف؟

بين الهواجس الحقوقية والمخاطر القانونية..

في خضم هذا التحول، برزت عدد من التحذيرات الحقوقية. على رأسها منظّمة "هيومن رايتس ووتش" التي أبرزت أنّ: نقل آلاف المعتقلين إلى العراق يثير مخاطر جدية تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة والمحاكمات غير العادلة، مشيرة إلى أنّ: عمليات النقل قد تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي، الذي يحظر تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها لانتهاكات جسيمة.

وأشارت المنظمة إلى أنّ: "واشنطن بدأت عمليات النقل يوم 21 يناير الماضي، في ظل هجوم عسكري تشنه الحكومة السورية لانتزاع السيطرة على شمال شرق سوريا من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)"، مبرزة أنّ: "عمليات النقل نفذت في إطار عملية العزم الصلب العسكرية لمكافحة الإرهاب في المنطقة".

وفيما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عراقيين أنّ: "الولايات المتحدة وافقت على تغطية تكاليف سجن المعتقلين ومحاكمتهم لاحقا"؛ لفتت "هيومن رايتس ووتش" إلى ما وصفته بـ"وجود خطر جسيم للتعذيب في العراق"، مشددة في الوقت نفسه على أنّ: "عمليات النقل قد تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي، أي عدم إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لسوء المعاملة".

وأوضحت المنظمة الحقوقية، أنّ: "السلطات العراقية تحتجز المعتقلين المنقولين في سجني الناصرية والكرخ بانتظار تحقيقات يجريها مجلس القضاء الأعلى، الذي أعلن أن من بينهم قادة كبارا في تنظيم الدولة "داعش" متهمين بارتكاب إبادة جماعية واستخدام أسلحة كيميائية".

العراق بدوره، أكّد من جهته، رسميا، أنّ: جميع المتهمين سيخضعون لإجراءات قانونية، وأن القضاء وحده هو المختص بإصدار الأحكام، دون تمييز بين الجنسيات. غير أن المخاوف وفقا لما رصدته "عربي21" خاصة على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، لا ترتبط فقط بسلامة الإجراءات، بل كذلك بطبيعة العقوبات المحتملة، وفي مقدمتها عقوبة الإعدام، التي لا ينفذها المغرب ويصنّفها ضمن العقوبات المتوقفة فعليا منذ عقود.

إلى ذلك، فإنّ المعادلة تتعقّد بالنسبة للرباط. فالإبقاء على المواطنين في ولاية قضائية قد تطبق الإعدام يثير تساؤلات حول انسجام ذلك مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان. كما يطرح إشكال آخر يرتبط بالمتابعة المنتظمة، وضمان الحق في الدفاع، والوصول إلى محامين، فضلا عن الاطّلاع على مجريات التحقيقات في بيئة قضائية مختلفة.

العائلات.. الحلقة الأضعف

بعيدا عن الجدل القانوني، تظل عائلات المعتقلين في قلب العاصفة. التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين بسوريا والعراق عبّرت عن قلقها من غياب لوائح رسمية بأسماء المنقولين، ومن صعوبة التواصل مع المحتجزين، معتبرة عبر بيان لها أنّ: "الغموض المحيط بالعملية يفاقم معاناة سنوات طويلة من الانتظار".

العائلات نفسها، تؤكد في عدد من بياناتها، وصل "عربي21" نسخ منها، أنها لا تطالب بالإفراج أو التبرئة، بل بمحاكمة أبنائها داخل المغرب، في إطار سيادة القانون وضمانات المحاكمة العادلة. وترى أنّ استمرار احتجازهم خارج البلاد، سواء في سوريا سابقا أو في العراق حاليا، يجعل مصيرهم معلّقا بين ترتيبات دولية لا تملك التأثير فيها.

وبحسب التنسيقية الوطنية لعائلات المغاربة المحتجزين بسوريا والعراق، فإنّه: توجد نحو 100 امرأة مغربية محتجزة مع 259 من أطفالهن، في مخيمات الشمال السوري التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مثل مخيمي الروج والهول شرق الحسكة، فيما يبلغ عدد الرجال المغاربة المعتقلين ما يناهز 130 شخصا، ناهيك عن 25 طفلا مغربيا يتيما.

اظهار أخبار متعلقة



وفي السياق ذاته، أكدت العائلات، عبر بياناتها، أنها لا تطالب بالإفراج عن أي شخص، ولا تسعى إلى تبرير أي أفعال محتملة، بل إنّ مطلبها الوحيد يتمثّل في تمكين الدولة المغربية من أداء واجبها الدستوري والإنساني في حماية مواطنيها في الخارج، عبر اتخاذ خطوات عملية وشفافة لمعالجة هذا الملف.

كما دعت المراسلة إلى فتح قنوات رسمية مع السلطات العراقية والدول المعنية، من أجل إدراج هؤلاء المحتجزين ضمن مسطرة نقل المحكوم عليهم أو المتابعين قضائيا إلى المغرب، وفقا لاتفاق التعاون القضائي المبرم بين المغرب والعراق، بما يضمن إخضاعهم للقضاء المغربي في إطار سيادة القانون.

وكانت التنسيقية قد بعثت رسائل استعطاف إلى كل من: الديوان الملكي ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ووزارة العدل وعدد من الجهات الحقوقية، فيما لا تزال لم تتلق أي رد من الجهات المعنية. كما أنّها على مدار سنوات طويلة، لم تتخلَّ لحظة عن أملها في إعادة أبنائها وأحفادها المحتجزين في سوريا. ظلّت تصدر البيانات وتخرج في احتجاجات متكررة في قلب العاصمة الرباط، في محاولة مستمرة لإنقاذ أبنائها من غياهب السجون والمخيمات.

وبحسب ما رصدت "عربي21" فإنّ أمام الرباط، اليوم، باتت تقف أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: ترك المحاكمات تجري في العراق مع متابعة قنصلية محدودة؛ انتظار صدور الأحكام ثم التفاوض على نقل المحكومين إلى المغرب لتنفيذ العقوبات؛ أو المبادرة بطلب استعادة المواطنين قبل استكمال المحاكمات ومحاكمتهم وفق القانون المغربي.

تفاصيل مضت..

منذ اندلاع الأحداث قبل سنوات، توجّه عدد من المغاربة نحو سوريا، دوافعهم اختلفت آنذاك بين من سعى للعمل، ومن انضمّ إلى جماعات مسلحة، إلا أنّ حياتهم تشابهت فجأة في ظل ما يصفه العديد منهم بـ"الورطة"؛ أرض تحوّلت إلى مصيدة يصعب الفرار منها، ومأساة تستعصي على الحلول البسيطة.

على مرّ السنوات، أدرك كثيرون عمق الأزمة وتراجعوا عن قرارهم بالبقاء في سوريا، ليبدأوا رحلة العودة إلى المغرب، غير أنّ التعقيدات الأمنية حالت دون تحقيق ذلك، رغم محاولاتهم التواصل مع الجهات الرسمية المغربية.

وشهدت هذه الحالات أن الملف كان "معقّدا ومتشابكا" حتى بالنسبة للسلطات نفسها، ما يضع الدولة أمام تحدّ حقيقي يجمع بين البعد الأمني، والواجب الحقوقي، والمسؤولية الإنسانية تجاه مواطنيها.

تجدر الإشارة إلى أنّ العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ودمشق كانت قد قُطعت رسميا، بعد عام من اندلاع الثورة السورية، خلال تموز/ يوليو 2012، حين أخبرت وزارة الخارجية المغربية السفير السوري آنذاك، نبيه إسماعيل، أنّه "غير مرغوب فيه في الرباط"، في حين غادرت البعثة الدبلوماسية المغربية العاصمة السورية بعد تبليغها رسميا بهذا القرار.

وخلال أيار/ مايو من عام 2024، رحّب المغرب بعودة سوريا إلى الجامعة العربية، معتبرًا أن هذه الخطوة يجب أن تشكّل دفعة لانطلاق مسار سياسي يفضي إلى حل شامل ودائم للأزمة السورية.

وصرّح وزير الشؤون الخارجية المغربي آنذاك بأن "الخير لا يأتي بالفرقة والانقسام بل بالوحدة والتكامل"، مؤكدا على أهمية العمل المشترك لإعادة الاستقرار.

اظهار أخبار متعلقة



كما استحضر بوريطة، في كلمة له خلال الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة، الروابط التاريخية بين المغرب وسوريا، معبّرا عن أسفه لما طال هذا البلد العريق من محنة وعنف واضطراب طوال الاثني عشرة سنة الماضية.

ومع رحيل نظام بشار الأسد، عادت إلى الواجهة أسئلة مصير آلاف المغاربة الراغبين في العودة إلى وطنهم إلى الواجهة، وكيفية تعامل المغرب مع هذا الملف الذي يجمع بين المسؤولية الإنسانية والتحديات الأمنية، خاصة في ظل قطيعة دبلوماسية استمرت 12 عاما، ما جعل العودة أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

ولأن هذا الملف يوصف بـ"المعقّد والمُتشابك"، قرّر البرلمان المغربي، خلال عام 2021، تشكيل "المهمة الاستطلاعية المؤقتة للوقوف على حقيقة ما يعانيه العديد من الأطفال والنساء والمواطنين المغاربة العالقين في بعض بؤر التوتر كسوريا والعراق". أحاطت المهمة البرلمانية، التي تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية مع الاعتبارات الأمنية، بما قد تشكله عودة "مقاتلين مغاربة" تدربوا على صناعة المتفجرات وحمل السلاح وتنفيذ عمليات إرهابية، من مستوى خطورة يتطلب توازنا دقيقا بين حماية الوطن ومراعاة حقوق المواطنين.

وبحسب البيانات التي أصدرتها المهمة آنذاك، فإنّ: "1659 مغربيا غادروا المغرب للانضمام إلى حركات إرهابية في المنطقة السورية العراقية، بينهم 290 امرأة و628 قاصرا؛ عاد منهم 345 مقاتلا فقط".

هذه الأرقام، أكثر من كونها إحصاءات، تعكس مأساة إنسانية متشابكة، وترسم صورة حقيقية للتحديات التي يواجهها المغرب في سبيل إدارة هذا الملف، بين التزامه بحقوق مواطنيه، والمسؤولية الأمنية تجاه الداخل والخارج.
التعليقات (0)

خبر عاجل