تخبط في سياسة الطاقة.. اتهامات بفشل الحكومة المصرية بعد تراجعها عن "الغلق المبكر"

الحكومة كشفت عن خسائر القطاع السياحي بعد صدور القرار - جيتي
الحكومة كشفت عن خسائر القطاع السياحي بعد صدور القرار - جيتي
شارك الخبر
تواجه الحكومة المصرية اتهامات بالفشل، والعجز الإداري، وعدم التخطيط، وغياب الرؤى الاستراتيجية، وتحكم رأس النظام عبدالفتاح السيسي، والأجهزة السيادية، في أعمالها، وذلك إثر اتخاذها قرار إداري أثر سلبا على المصريين واقتصاد البلاد، ثم العدول عنه دون إبداء أسباب.

وترشيدا لاستهلاك الكهرباء؛ وبعد شهر من تطبيق قرار حكومي بغلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم الساعة التاسعة مساء خلال أيام الأسبوع والعاشرة يومي الخميس والجمعة، أعلنت الحكومة المصرية الأحد، إلغاء قرارها السابق وعودة الأعمال إلى مواعيدها الطبيعية بالغلق الساعة 11 مساء.

وفي 28 آذار/مارس الماضي، وفي ظل أزمة ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بفعل الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران، بدأت الحكومة في 28 آذار/مارس الماضي، تنفيذ خطة تستهدف خفض استهلاك الطاقة لمدة 3 أشهر بنسب تتراوح بين 15 بالمئة و30 بالمئة، تضمنت إحدى إجراءاتها إغلاق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم مبكرا، ما أثار جدلا بين مثمن للقرار ومنتقد لآثاره السلبية على الاقتصاد المحلي.

ويرفع القرار الجديد، القيود المفروضة على المحال والمطاعم من الأحياء ومجالس المدن والوحدات المحلية، ويسمح بتقليص الرقابة الحكومية، ووقف الملاحقات الأمنية للمخالفين، وتتراجع معه نسب تحصيل المخالفات، وكذلك الاتاوات التي فرضها بعض أفراد الأمن نظير التغاضي عن المخالفات، بحسب تقرير سابق لـ"عربي21".

كما يعيد القرار الحياة إلى ليل القاهرة ونيلها الساحر وأماكنها الترفيهية والسياحية، واستئناف نشاط عواصم المحافظات والقرى إلى منتصف الليل للمحال التجارية، وحتى الثانية بعد منتصف الليل للمطاعم والأماكن الترفيهية، وإلى الرابعة فجرا بالمناطق السياحية.

تضارب حكومي

وكانت الحكومة المصرية قد روجت في البداية للقرار على أنه سينتج عنه وفر كبير باستهلاك الكهرباء وخفض لتكلفة الطاقة، ووفق تأكيد وزارة الكهرباء فقد تم توفير 18 ألف ميجاوات ساعة من الكهرباء بالأسبوع الأول من إغلاق المحال وباقي إجراءات التقشف وتخفيض إنارة الشوارع، إضافة إلى 3.5 مليون متر مكعب من الوقود المستخدم في تشغيل المحطات.

لكن المثير في الأمر، أن بيان الحكومة الرسمي الصادر الأحد، اعترفت فيه بشكل غير مباشر بأن القرار كان خاطئا وسبب بعض الخسائر الاقتصادية لمحلات التجزئة والمطاعم وخاصة قطاع السياحة والفنادق والملاهي والنوادي الليلية.

وأكد المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني، أن إلغاء القرار جاء "استجابة للقطاع الخاص، خاصة القطاع السياحي".

ما يشير وفق البعض إلى وجود ضغوط من داخل قطاع السياحة الذي يمثل بين 10 و12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، والذي مني بخسائر كبيرة وخاصة من النقد الأجنبي، ما يؤثر على دخل البلاد من العملات الأجنبية.

ووفق تصريحات الخبيرة الاقتصادية هدى الملاح، لـ"المصري اليوم"، فإن "بين 30 و40 بالمئة من إنفاق السائحين يكون بالمساء"، متوقعة "تراجع الإيرادات بنسبة بين 20 و35 بالمئة"، مشيرة إلى أن إجراءات الترشيد قد تحقق وفرا محدودا يتراوح بين 5 و10 بالمئة من استهلاك الكهرباء بما لا يعادل الخسائر الاقتصادية".

وتشير تقديرات صحفية إلى أن المحال التجارية تستحوذ فقط على ما بين 7 و 8 بالمئة من إجمالي استهلاك الكهرباء في مصر، ما يعني وفق محللين، أن ما سيتم توفيره نسبة لن تحدث الفارق المستهدف حكوميا من تقليل الاستهلاك العام للمصريين من الكهرباء.

ولذا فقد اعتبر مصريون التضارب الحكومي وإصدار القرار ثم التراجع عنه: "فضيحة إدارية، تكشف عن حجم العشوائية التي تسير عليها الأعمال والقرارات الحكومية، وتؤكد أن ما يمس حياة المصريين من قرارات يسير وفق (أوامر سيادية)، دون تخطيط حكومي، أو عرض على البرلمان، أو طرح للحوار المجتمعي، أو استعانة بآراء الخبراء، أو دراسة السوق وقراءة حسابات المكسب والخسارة"، وفق ما رصدته "عربي21"، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

تراجع يكشف عن 3 مشكلات


وفي إجابته على السؤال: "كيف يكشف القرار ثم التراجع عنه عن فشل إداري حكومي، وتغول سيادي، وتراجع عن تنفيذ سياسات الحوكمة، وتغييب للجهات الرسمية الرقابية والتشريعية؟، تحدث استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل، لـ"عربي21".

وقال: "يمكن قراءة هذه الواقعة من أكثر من زاوية، لكن اختزالها مباشرة في (فشل إداري) أو (تغوّل سيادي) يحتاج قدرًا من التفكيك والتحليل الهادئ، لأن مثل هذه القرارات في العادة تكون نتاج توازنات معقدة، لا مجرد خطأ واحد مباشر".

الباحث في الشئون السياسية وإدارة الصراع، أضاف أن "إصدار القرار ثم التراجع السريع عنه غالبًا يشير إلى واحدة من 3 مشكلات، أولها: ضعف في دراسة الأثر المسبق: أي أن القرار لم يُبنَ على تحليل كافٍ لتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا على أصحاب المحال والعمالة اليومية".

ولفت ثانيا إلى "قصور في إشراك أصحاب المصلحة: مثل الغرف التجارية، واتحادات الصناعات، أو حتى الإدارات المحلية، ما يؤدي إلى صدمة عند التطبيق"، ليحدد المشكلة الثالثة بـ"اختبار رد الفعل العام"، موضحا أنه "أحيانًا تُطرح قرارات ثم يُعاد النظر فيها بناءً على مستوى الرفض المجتمعي".

هل يعكس ذلك فشلًا إداريًا؟

يقول زويل، إن القرار والتراجع عنه "مؤشر على خلل في دورة صنع القرار أكثر من كونه فشلًا شاملًا، ويتجلى في: غياب التنسيق بين الجهات التنفيذية المختلفة، وضعف قنوات التغذية الراجعة قبل التنفيذ، والميل إلى القرارات المركزية السريعة بدل السياسات التدريجية"، مستدركا "لكن من المهم التمييز أن التراجع نفسه قد يُفسَّر أيضًا كمرونة تصحيحية إذا جاء استجابة لخلل حقيقي".

اظهار أخبار متعلقة


وحول ما يثار عن مسألة "التغوّل السيادي"، على القرارات الحكومية، أكد أن "هذا التوصيف يُستخدم عندما: تتدخل جهات غير مدنية أو غير مختصة مباشرة في توجيه السياسات التنفيذية، ويتم تجاوز الهياكل الإدارية التقليدية أو الوزارات المعنية".

وبين أنه "إذا كان القرار قد صيغ أو عُدّل خارج الأطر المؤسسية المعتادة، فذلك يعزز هذا الطرح. أما إذا كان داخل الجهاز التنفيذي لكنه متعجل، فالأقرب أنه مشكلة حوكمة لا تغوّل بالضرورة".

ماذا عن الحوكمة؟

وهنا يقول استشاري الإدارة الاستراتيجية، إن "مبادئ الحوكمة الجيدة تشمل: الشفافية، والمساءلة، والمشاركة، والاستقرار التشريعي"، موضحا أنه "في هذه الحالة، يظهر التراجع كدليل على: ضعف الشفافية بعدم وضوح أسباب القرار أو التراجع عنه، وغياب المشاركة بعدم إشراك المتأثرين، واهتزاز الاستقرار التنظيمي عبر اتخاذ قرارات سريعة ثم إلغاؤها".

ولفت أيضا إلى "تغييب الجهات الرقابية والتشريعية"، موضحا أنه "إذا لم يُعرض القرار للنقاش العام أو لم تُستشر جهات رقابية أو لجان مختصة، فذلك يشير إلى: تركيز القرار داخل السلطة التنفيذية فقط، وتراجع دور البرلمان أو الهيئات الرقابية في مراجعة السياسات العامة"، ملمحا إلى أن "بعض القرارات الإدارية (مثل مواعيد الغلق) تُصنّف كصلاحيات تنفيذية مباشرة، وبالتالي لا تمر دائمًا عبر المسار التشريعي الكامل".

الخبير المصري، خلص للقول إن "ما حدث لا يمكن تفسيره بعامل واحد بل هو أقرب إلى: خلل في إعداد القرار، وضعف في التنسيق المؤسسي، واستجابة لاحقة لضغط اقتصادي أو مجتمعي، أما توصيفه كـ(فشل إداري كامل) أو (تغوّل سيادي) فيعتمد على معلومات إضافية حول من صنع القرار فعليًا وكيف تم تعديله".

بدائل أخرى

وتواجه مصر أزمة كبيرة مع أسعار الطاقة خاصة وأنه يصل استهلاكها من الكهرباء إلى نحو 40 ألف ميغاواط يوميا خلال أشهر الصيف، فيما تستهلك نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميا، يرتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعب بالصيف، فيما رفعت مخصصات دعم الكهرباء بالعام الجاري بنحو 2900 بالمئة لتصل إلى 75 مليار جنيه، وسط توقعات بارتفاع فاتورة استهلاك الكهرباء وواردات الغاز، بالعام المالي المقبل.

اظهار أخبار متعلقة


ويرصد خبراء العديد من البدائل التي يمكن اللجوء إليها لتقليل فاتورة استهلاك المصريين من الطاقة والكهرباء، وبينها تسهيل إجراءات تركيب الألواح الشمسية فوق المنازل والمحال، وإلزام الهيئات الحكومية بالإضاءة الذكية في مبانيها وبالشوارع، والانتقال من دور الجابي برفع الأسعار، إلى تشجيع المؤسسات على توفير ما يلزمها من طاقة بالألواح الشمسية.

وأشار مراقبون إلى أن "الحكومة لا تلتفت لتلك البدائل وتتفن في إثارة الأزمات ومفاقمة معاناة المصريين"، ملمحين إلى أن "قرار الغلق تبعه حالة غضب شعبي، والعدول عنه يمثل رد فعل سريع لتلك الحالة، خاصة وأنه تسبب في زيادة الضغوط الاقتصادية على المصريين".

في حين يعتقد آخرون أنها "لا تهتم بالغضب الشعبي وأن تراجعها جاء لأسباب اقتصادية خاصة بها بعدما أدركت أن الغلق المبكر أدى لتراجع حركة البيع والشراء وأضر بقطاع التجارة الداخلية مما يقلل الحصيلة الضريبية".

تخبط ولا دراسات

على الجانب الآخر فتح التراجع الحكومي سيلا من الانتقادات، وفي رؤية مغايرة يرى أصحابها أنه "قرار كاشف عن فشل رهان الحكومة على دور الغلق في ترشيد الطاقة، واكتشافها أن الوفر المحقق لم يكن كافيا لمواجهة أزمة الكهرباء، مقارنة بالخسائر الاقتصادية التي تسبب فيها القرار والتي طالت أصحاب المنشآت السياحية والمطاعم، وأضر بالموسم السياحي"، ملمحين إلى أن "التراجع السريع يعطي انطباعا بوجود تخبط في عملية اتخاذ القرار".

وهي الرؤية التي عبر عنها الخبير الاقتصادي الدكتور هاني توفيق بالقول: "بمناسبة إلغاء قرار الغلق المبكر للمحلات، أستطيع أن أوكد أن معظم القرارات الإدارية والاستثمارية في مصر تؤخذ دون دراسات اقتصادية مسبقة، أي قد تكون مجزية ماليا، ولكنها سلبية، إذا ما أخذنا الآثار الجانبية الاجتماعية، والبيئية، والتشغيلية، والسوقية، وغيرها، في الاعتبار"، بحسب ما كتبه عبر "فيسبوك".

فضيحة إدارية

كذلك، انتقد الخبير في الحوكمة راضي حلمي، حالة التخبط في القرارات، مؤكدا أنها تأكل من "هيبة الدولة"، مشيرا إلى "غياب (دراسات الأثر)"، وموضحا أنه "في علم الحوكمة الإستراتيجية، لا يصدر قرار (سيادي) يمس عصب الاقتصاد والحياة اليومية إلا بعد قتل الموضوع بحثا، وحساب الخسائر قبل المكاسب".

وأكد أن اكتشاف الحكومة خسائر القطاع السياحي بعد صدور القرار، "فضيحة إدارية تعني أننا ندير الدولة بـ(الصدفة) لا بالخطط الاستراتيجية"، متحدثا أيضا عن "تبديد هيبة الدولة"، مبينا أن "كثرة التراجع في القرارات المصيرية (من تخفيف أحمال الكهرباء إلى غلق المحال) يفقد المواطن والمستثمر الثقة في عقل الدولة"، ملمحا كذلك إلى "الاستغلال الخاطئ للأزمات".

وأشار إلى أنه "بدلا من تقديم رؤية استراتيجية لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة ببدائل وحلول مبتكرة، ذهبت الحكومة للحل الأسهل (الغلق)، ولما فشلت، تراجعت"، مؤكدا أن "هذا هو "التيه الإداري"، مطالبا بتنفيذ علم الحوكمة ومحاسبة المسؤولين.
التعليقات (0)