أصدرت محكمة "جنايات أمن الدولة"
المصرية، الثلاثاء، حكما بالسجن المشدد 10 سنوات على المعتقلة المصرية والكيميائية سمية ماهر
حزيمة (35 عاما)، وذلك بعد نحو 9 سنوات من اعتقالها، قبل زفافها بأيام في تشرين الأول/أكتوبر 2017، وذلك بعد توقيف والدها عضو "مجلس الشورى" المصري السابق عام 2013.
وشمل الحكم الذي يأتي ضمن سلسلة الأحكام الجماعية القاسية والمشددة في القضايا السياسية منذ الانقلاب العسكري في 3 تموز/يوليو 2013، 37 مصريا بالسجن المؤبد (أغلبهم قيادات بجماعة الإخوان المسلمين) بالقضية المعروفة إعلاميا بـ"التخابر مع تركيا"، رغم ما للبلدين حاليا من علاقات جيدة اقتصادية وسياسية وتعاون أمني وعسكري.
وجاء الحكم، الصادر بعد نحو 8 سنوات من الحبس الاحتياطي والمحاكمة؛ ضد 81 شخصا بينهم 3 نساء إلى جانب سمية، هن: رشا ماهر إمام بدوي بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ، و(غيابيا) على حنان حمدي حسن سمك، وبسمة علي السروي عبد الغني سعد، فيما يطال 27 متهما بالسجن المشدد 15 عاما، وبأحكام تراوحت ما بين 10 و3 سنوات لآخرين.
وبالتزامن مع الحكم على سمية و3 معتقلات أخريات؛ خففت محكمة "جنايات المنيا"، عقوبة سجين مدان بحيازة مخدر "الميثامفيتامين"، من السجن 10 سنوات إلى 3 فقط، إثر حكم "المحكمة الدستورية العليا" بعدم دستورية تعديلات "جداول المخدرات"، في شباط/فبراير الماضي.
ويأتي الحكم على سمية ماهر حزيمة، وعدد كبير من المعتقلين، بعد تعرضهم لمخالفات قانونية بالحبس احتياطيا لأكثر من 4 سنوات، منذ القبض عليها في تشرين الأول/أكتوبر 2017، وحتى إحالة القضية إلى المحاكمة في تشرين الثاني/نوفمبر 2021.
ويرى "مركز الشهاب لحقوق الإنسان" أن الأحكام ذات طابع سياسي، ولا تتوافر فيها ضمانات المحاكمة العادلة، سواء قبل أو أثناء المحاكمة، التي أكد أنها جرت أمام محاكم استثنائية، لا تضمن الحد الأدنى من الحقوق القانونية.
ويشكو أهالي
المعتقلات اللاتي يبلغ عددهن وفق منظمة "جوار" حوالي 1000 سيدة وفتاة، من "حالة خفوت حقوقية، وإهمال إعلامي لهذا الملف، ما يقابله إصرار من النظام على معاقبة النساء في جرائم لم تثبت بحقهن والزج بهن في قضايا مسيسة".
قبل اعتقالها، كانت سمية خريجة كلية العلوم، جامعة الأزهر، والمعروفة بأوساط الحقوقيين وذوي المعتقلين بـ"عروس البحيرة"، قد انتظرت خطيبها حسام هارون، الطبيب المعتقل مدة 3 سنوات، ليتم إخلاء سبيله وعقد قرانهما، قبل أن تختطفها قوات أمن البحيرة قبل إتمام الزواج بأيام.
بعد اعتقالها تعرضت سمية، كأغلب النساء المعتقلات للإخفاء القسري 72 يومًا بمقرات الأمن الوطني والمخابرات المصرية، وخلال سنوات احتجازها، واجهت ظروفا قاسية من الحبس الانفرادي، والحرمان من الزيارات، وتدهورت حالتها الصحية في ظل الإهمال الطبي، ما أدى لإصابتها باضطراب في ضربات القلب، والتهابات بالمعدة، وارتجاع بالمريء، ونوبات ضيق التنفس.
الملف المسكوت عنه
وفي قراءته لدلالة الحكم، يقول مدير منظمة "عدالة لحقوق الإنسان"، الحقوقي محمود جابر، إنه "ليس مجرد واقعة قضائية معزولة، بل هو مؤشر قانوني خطير على استمرار نهج (تسييس العدالة)، مؤكدا أن "حالة سمية تفتح ملفاً مسكوتاً عنه يتعلق بالانتهاكات المركبة؛ فهي ضحية لـ(الحبس الانفرادي) المطول الذي يُصنف دولياً كنوع من أنواع التعذيب، وضحية لـ(تجاوز سقف الحبس الاحتياطي) لسنوات قبل الحكم".
ويرى جابر، في حديثه لـ"عربي21"، أن "الحكم يرسل إشارة سلبية حول جدية (الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان) منذ أيلول/سبتمبر 2021، ويؤكد أن ملف السجينات السياسيات ما زال يُدار بعقلية أمنية بعيدة عن روح الدستور الذي يكفل حماية المرأة وصون كرامتها".
كم معتقلة في مصر؟
وحول العدد المحتمل أو الأكثر توثيقا للفتيات والنساء المعتقلات، يلفت إلى أن "مصر تعيش في ظل غياب الشفافية الرسمية وحجب البيانات من قبل مصلحة السجون، لذلك تعتمد التقديرات الحقوقية على الرصد الميداني والتوثيق الأهلي".
وتشير البيانات المتاحة لدى "منظمة عدالة لحقوق الإنسان"، إلى أن هناك "مئات النساء والفتيات اللاتي مررن بتجربة الاحتجاز السياسي منذ عام 2013"، "ورغم تذبذب الأرقام بسبب موجات الإخلاء والاعتقال المتكررة، إلا أن العدد الثابت للسجينات على خلفية قضايا الرأي يظل مقلقاً"، بحسب الحقوقي المصري.
اظهار أخبار متعلقة
ويضيف: "أما فيما يخص الفتيات (القاصرات)، فإننا نواجه معضلة قانونية كبرى، حيث يتم احتجازهن بظروف لا تراعي قانون الطفل ولا الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر، مما يهدد جيلاً كاملاً بالوصم الاجتماعي والاضطراب النفسي".
بين الحبس الاحتياطي والتدوير
وعن قائمة أقدم المعتقلات، واللاتي تعدت مدد حبسهن الحبس الاحتياطي وفقا لتعديلات قانون "الإجراءات الجنائية" الأخيرة تشرين الأول/أكتوبر الماضي، يؤكد أن "هناك فجوة قانونية ناتجة عن التحايل على (المادة 143) من القانون عبر ظاهرة (التدوير)"، ملمحا إلى اتهام المعتقلين بقضايا جديدة عقب انتهاء مدد محكوميتهم أو صدور قرارات بإخلاء سبيلهم.
ويُذَّكر بأسماء بارزة مثل: "المحامية الحقوقية هدى عبدالمنعم، التي تعد نموذجاً صارخاً لاستهداف المدافعات عن
حقوق الإنسان، والسيدة عائشة الشاطر التي استُنزفت صحتها خلف القضبان، والسيدة حسيبة محسوب، وغيرهن كثيرات".
ويبين جابر، أن "استمرار احتجاز هؤلاء النسوة رغم انتهاء المدد القانونية المقررة للحبس الاحتياطي، أو حتى بعد انقضاء عقوباتهن، يعد احتجازاً تعسفياً خارج إطار القانون ويستوجب المساءلة القانونية".
ويشير إلى وجود الكثير من القصص الإنسانية للمعتقلات المصريات، مبينا أن "القانون لا يتعامل مع أرقام، بل مع حيوات بشرية دُمرت"، موضحا أن "قصة سمية ماهر هي قصة (الفرح المؤجل) لنحو 9 سنوات، وهي مأساة تعكس قسوة العزل عن العالم الخارجي".
ويضيف: "هناك قصص لأمهات حرمن من رؤية أطفالهن وهم يكبرون، وأخريات فقدن ذويهن دون وداع؛ وهذه القصص ليست مجرد دراما إنسانية، بل هي أدلة على انهيار مبدأ تفريد العقوبة وتحولها إلى عقوبة جماعية تمتد لتشمل أسرة المعتقلة بأكملها، مما يخلق شرخاً مجتمعياً لا يندمل بمرور الزمن".
لكسر الصمت
وفي رؤيته لكيفية كسر الصمت والتعامل مع ملف المعتقلات، يقول إن "حالة (الصمت) تلك ليست ناتجة عن قصور في الجهد الحقوقي الدولي"، مبينا أن "المنظمات لم تتوقف عن طرق أبواب الآليات الأممية، وقدمت (منظمة عدالة) مئات الشكاوى ونظمنا عشرات المؤتمرات والندوات، وقمنا بزيارات ولقاءات حقوقية دولية أوروبية وأفريقية".
ويوضح أننا "أمام صمت ممنهج تمارسه 3 أطراف: أولها: المؤسسات الحقوقية الرسمية المصرية: وعلى رأسها المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي يتبنى سياسة الصمت السلبي أو التبرير، متجاهلاً دوره الدستوري كجهة رقابية مستقلة".
ويرى جابر، أن "إحجام المجلس عن إصدار تقارير تقصي حقائق شفافة حول وضع المعتقلات، وتجاهله لنداءات الاستغاثة بخصوص ظروف احتجازهن، يجعله شريكاً بإطالة أمد هذه المعاناة بدلاً من كونه وسيطاً للحل".
ويلفت ثانياً، إلى "السلطة التنفيذية المصرية: التي تتعامل مع التقارير الدولية بسياسة (التجاهل الإنكاري) فبينما تُروج الدولة لاستراتيجيات وطنية لحقوق الإنسان بالمحافل الخارجية، نجد إصراراً على استمرار احتجاز نساء وفتيات بقضايا رأي، مع استخدام سلاح (التدوير) لشرعنة حبسهن لسنوات دون سقف زمني، مما يفرغ النصوص القانونية والدستورية من محتواها".
وثالثاً، يلمح إلى دور القوى الدولية والشركاء الأوروبيون، في هذا التجاهل، قائلا: "وهنا يبرز الجانب الأكثر قسوة؛ حيث تُغلّب العواصم الأوروبية لغة المصالح الاقتصادية وصفقات التسليح وملفات الهجرة والأمن على مبادئ حقوق الإنسان"، مضيفا: "وهذا (الصمت المقايض) يمنح الضوء الأخضر لاستمرار الانتهاكات، ويجعل الخطابات الأوروبية حول القيم الديمقراطية شعارات تفتقر للمصداقية عند اختبارها بملف مصر".
اظهار أخبار متعلقة
ويؤكد أن "الخروج من هذه الحالة لن يتحقق إلا عبر الانتقال من (التوثيق) إلى (الكلفة)؛ فيجب على المجتمع الدولي والمانحين تحويل ملف المعتقلات المصريات من بند فرعي بالتقارير السنوية لـ(شرط مسبق) بالتفاهمات السياسية والاقتصادية".
وأنهى حديثه بالقول إن "التعامل مع المرأة المعتقلة كرهينة سياسية انتهاك لا يسقط بالتقادم، وكسر الصمت يبدأ بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب للمسؤولين عن التجاوزات، والضغط المباشر لغلق الملف الذي يمثل جرحاً غائراً بقلب المجتمع المصري".
نزف الجرح من جديد
وفي قراءته للمشهد الحقوقي، يقول الباحث الحقوقي المصري أحمد هلال: "رغم مرور أكثر من عقد على الانقلاب العسكري ورغم تسارع الأحداث الجارية بالمنطقة ما يستدعي من النظام ضرورة إعادة تموضع جديد".
وفي حديثه لـ"عربي21"، يضيف: "تُفتح فيه المناخ العام للحرية ويُطلق سراح المعتقلين، وتنتهي الخصومة السياسية، وتستوعب الدولة المصرية جميع نسيجها الوطني، وتوقف التعامل الأمني مع جميع القضايا والملفات"، مستدركا: "لكن الأحكام القضائية المتشددة تفتح نزف الجرح من جديد".
ويرى أن "الحكم بالسجن المشدد 10 سنوات على سمية ماهر، يثير موجة من القلق الحقوقي، ويعيد فتح ملف المعتقلات المصريات الذي ظل لسنوات طويلة أقل حضورًا في النقاش العام مقارنة بملف المعتقلين الرجال".
ويوضح أن "الحكم يعكس اتساع نطاق الملاحقات القضائية التي طالت نساءً من خلفيات مختلفة، بما في ذلك ناشطات سياسيات ومحاميات وصحفيات"، مبينا أنه "منذ عام 2013، وثّقت منظمات حقوقية مصرية ودولية عشرات حالات اعتقال النساء على خلفيات سياسية أو مرتبطة بحرية التعبير والتظاهر".
و"تشير تقارير عدة إلى أن عدد النساء اللاتي مررن بتجربة الاعتقال أو الاحتجاز خلال هذه الفترة بلغ المئات، في حين بقيت مجموعة منهن رهن الاحتجاز لسنوات طويلة، سواء عبر الحبس الاحتياطي الممتد أو بعد صدور أحكام قضائية"، يؤكد هلال.
ويضيف: "من بين أبرز الأسماء التي تناولتها التقارير الحقوقية وما زالت قضاياهن حاضرة في النقاش الحقوقي: المحامية والحقوقية هدى عبد المنعم التي اعتُقلت عام 2018 بعد سنوات من عملها في الدفاع عن ضحايا الانتهاكات، إضافة إلى عائشة خيرت الشاطر التي احتجزت في القضية نفسها تقريبًا، وسط تقارير عن تدهور حالتها الصحية داخل السجن".
اظهار أخبار متعلقة
كما برز اسم علا يوسف القرضاوي التي احتجزت لسنوات طويلة في ظروف انفرادية قاسية قبل الإفراج عنها لاحقًا، مشيرا إلى "قضايا أخرى لنساء تعرضن للاعتقال والحبس الاحتياطي لفترات طويلة، مثل الصحفية سلافة مجدي، والناشطة السياسية سناء سيف، والناشطة إسراء عبد الفتاح، والمترجمة مروة عرفة، إضافة إلى حالات أخرى وثقتها منظمات المجتمع المدني".
ويلفت الحقوقي المصري إلى أن "المنظمات الحقوقية تؤكد أن القضية لا تتعلق بالأرقام فحسب، بل بالآثار الإنسانية العميقة لهذه الاعتقالات، إذ تشمل الحالات أمهات حُرمن من أطفالهن، وطالبات توقفت مسيرتهن التعليمية، ونساء يعانين من ظروف احتجاز صعبة أو من نقص الرعاية الصحية".
ويؤكد أن "الحكم الأخير يعيد طرح أسئلة ملحّة حول أوضاع المعتقلات في مصر، ويبرز الحاجة إلى توثيق هذه الحالات بشكل أوسع، وإعادة تسليط الضوء على ملف النساء المحتجزات، بوصفه جزءًا أساسيًا من ملف الحريات وحقوق الإنسان في البلاد".
ويرى أنه "على الدولة المصرية والنظام المصري أن يعيد قراءة الأحداث بصورة تستدعي المصالحة الوطنية وعدم حبس المصريين بسبب آرائهم السياسية وفتح حوارات مجتمعية تعيد وحدة النسيج الوطني من جديد".