نشرت صحيفة "
الغارديان" مقالا للباحثة الميدانية في
غزة لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بتسيلم"، ألفت الكرد، التي فقدت 16 من أفراد عائلتها في قصف إسرائيل لمنزلهم في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وفيما يلي النص الكامل للمقال كما ترجمته "عربي21":
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فقدتُ والدي، وشقيقي، وزوجته، وابنتهما. ما زالوا مدفونين تحت الأنقاض. دُمّر منزلي، حيث كنا نعيش مع عائلة زوجي، جراء القصف الإسرائيلي. في عام 2024، وبعد شهور من القصف والنزوح، تمكنتُ من الفرار مع عائلتي إلى مصر. أعيش هنا منذ ذلك الحين، لكن ذكريات الحياة في غزة لا تفارقني. ما حدث لي يعكس الواقع الذي لا تزال تواجهه النساء الفلسطينيات في غزة خلال الإبادة الجماعية.
نجوتُ من شهور من القصف قبل أن أتمكن من الفرار. منذ بداية الحرب، أصبحت العديد من النساء في غزة المعيلات الوحيدات. وتشرّد عدد لا يُحصى منهن بلا مأوى أو حماية، وفقدت الكثيرات أطفالهن أو عائلاتهن بأكملها. وأظهر تقرير حديث للأمم المتحدة أن إسرائيل قتلت أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة خلال هذه الحرب، بالإضافة إلى إصابة 11 ألفا أخريات بجروح تسببت لهن بإعاقات دائمة.
كنت أعيش في حي الشجاعية بمدينة غزة مع عائلتي المكونة من ستة أفراد. كانت الحياة تحت
الاحتلال الإسرائيلي تتسم بالعنف والخوف وعدم اليقين الدائم. ومع ذلك، وفي خضم هذا الواقع، بنينا حياة كريمة ومستقرة، مع لحظات من الفرح. وأصبح صمودنا في وجه العنف المتواصل شكلا من أشكال المقاومة.
بالنسبة لي، تمثلت هذه المقاومة في العمل كباحثة ميدانية لدى منظمة بتسيلم، المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، حيث كنت أوثق انتهاكات حقوق الإنسان في غزة قبل الإبادة الجماعية بفترة طويلة. بالنسبة لعائلتي، كان ذلك يعني التمسك ببعض مظاهر الحياة اليومية الطبيعية: نزهات على شاطئ غزة، وزيارات نهاية الأسبوع لوالديّ في مخيم جباليا للاجئين، وزيارة حقول بيت لاهيا وبيت حانون. أماكن وأوقات ما زلت أحتفظ بذكريات حية عنها، دمرها إسرائيل جميعها الآن.
نزحتُ ست مرات قبل أن أضطر للفرار إلى مصر في نيسان/ أبريل 2024. في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، غادرتُ أنا وعائلتي منزلنا وقضينا أياما نتنقل تحت قصف عنيف. لجأنا أولا إلى مستشفى الشفاء، وسط أعداد هائلة من الجرحى والقتلى. لاحقا، وبعد صدور أوامر بإخلاء شمال غزة، انتقلنا إلى المغراقة ثم إلى خانيونس، حيث عشنا في مأوى مكتظ تابع للأونورا، ننام في خيمة تحت المطر الغزير، ونكافح من أجل الماء والطعام والحطب. أصبحت طوابير الانتظار الطويلة أمام دورات المياه جزءا من حياتنا اليومية. ومن هناك، انتقلنا إلى رفح، قبل أن نضطر في النهاية إلى الفرار إلى مصر.
في اليوم الذي تمكنّا فيه أخيرا من الفرار، غمرتني مشاعر مختلطة من الفرح والحزن: فرح لأنني وعائلتي نجونا من الإبادة الجماعية، وحزن لأنني لم أتخيل يوما أنني سأغادر غزة في ظل هذه الظروف المؤلمة والمدمرة. نساء غزة يناضلن من أجل البقاء. بدلا من الأمن، يعشن في خوف؛ بدلا من المساواة والعدالة، يتم طمس هويتهن؛ بدلا من مستقبل مشرق، يواجهن حالة من عدم اليقين الوجودي. إنه واقع تُدمر فيه أبسط مقومات الحياة بشكل ممنهج، وتُسلب فيه الإنسانية. هذه هي النظرة التي يُفهم من خلالها ما يحدث في قطاع غزة: تدمير شامل للمجتمع الفلسطيني، حيث تقف النساء في طليعة المتضررين، وفي الوقت نفسه في طليعة الساعين للبقاء.
جمعتُ مؤخرا شهادات من نساء ما زلن يعشن في غزة لإعداد تقرير عن معاناة النساء الفلسطينيات في ظل الإبادة الجماعية. ترسم رواياتهن صورة لمعاناة تتجاوز مجرد تلبية الاحتياجات العاجلة، فهي تمسّ عقولهن، وأمومتهن، وخصوبتهن، وقدرتهن على البقاء.
لن أنسى أبدا قصة صفاء الفرماوي، التي قُتلت ابنتها غزال، البالغة من العمر 15 عاما، في مركز لتوزيع المساعدات في رفح. خلال المجاعة، كانت صفاء تذهب يوميا مع أطفالها إلى مراكز الإغاثة هذه على أمل الحصول على طرد غذائي أو دقيق. أطلق الجيش النار على ابنتها وقتلها أمام عينيها بينما كانت تحاول الحصول على المساعدة الغذائية.
إن الإبادة الجماعية الإسرائيلية تعني أيضا التدمير الممنهج لجميع جوانب الحياة، وجعل مستقبل الفلسطينيين في قطاع غزة مستحيلا، من خلال تدمير البنية التحتية والأسس الاجتماعية اللازمة لبقاء الأجيال القادمة ونموها. أما العائلات التي نجت من العنف، فقد تعرضت لمستويات مروعة من الأذى. تقضي النساء ساعات في الطهي على نار مكشوفة، وغسل الملابس يدويا، والبحث عن الحطب، في محاولة لإعالة أسرهن.
كل هذا بعد انهيار نظامي الرعاية الصحية والتعليم في قطاع غزة تماما نتيجة للهجمات الإسرائيلية. توفي العديد من الأطفال بسبب سوء التغذية الحاد. أما بالنسبة للنساء الحوامل، فمعظمهن لم يتمكنّ من حضور الفحوصات الطبية أو متابعة حملهن مع الأطباء. كما عانت الكثيرات من نقص الغذاء الكافي والفيتامينات الأساسية، مما أدى بدوره إلى سوء تغذية أطفالهن حديثي الولادة. لم تتمكن العديد من النساء من إرضاع أطفالهن رضاعة طبيعية بسبب سوء حالتهن التغذوية، مما جعل أطفالهن يعتمدون على الحليب الصناعي، الذي كان نادرا وغير متوفر في كثير من الأحيان.
يؤثر العيش في الخيام على العلاقات الأسرية. تعيش عائلات بأكملها في مكان واحد. لا توجد مرافق صحية أساسية، والحياة اليومية تعني مواجهة نقص حاد في المياه ومنتجات النظافة الشخصية أثناء الدورة الشهرية. قالت لي إحدى الأمهات، وهي أم لستة أطفال: "كان الحل الوحيد هو استخدام قطع من القماش أو ملابس صغيرة نقطعها ونطويها مثل الفوط الصحية، وهو وضع صعب للغاية ومقزز".
تواجه النساء في غزة ظروفا لا إنسانية، فضلا عن وطأة التجارب المؤلمة. تقول نبيلة عبد النبي، 50 عاما، وهي أم لستة أطفال من شمال غرب مدينة غزة: "لقد دُمرت حياتي وتحولت إلى مأساة مستمرة. روحي منهكة، وقلبي يعتصر ألما. أبكي على نفسي، على الجحيم الذي سقطت فيه. أتمنى لو كان هذا مجرد كابوس، وأن أستيقظ منه قريبا".
إن معاملة النساء أمر بالغ الأهمية لفهم الإبادة الجماعية في غزة. فهي لا تقتصر على قتل النساء اللواتي يحملن الجيل القادم من الفلسطينيين فحسب، بل تتعداها إلى التفكيك الممنهج لقدرة المرأة على إعالة نفسها - إطعام أطفالها ورعايتهم وحمايتهم.
ومع ذلك، تواصل نساء غزة نضالهن من أجل حياة طبيعية. إنهن يناضلن من أجل بقائهن وإنسانيتهن وأنوثتهن وهويتهن، حتى مع استمرار الإبادة الجماعية وتدمير المجتمع الغزي.