أكدت مجلة إيكونوميست البريطانية أن التقدم العسكري الأخير الذي حققته القوات المسلحة
السودانية لا يعني
أن الحرب الدائرة في البلاد باتت على وشك النهاية، مشيرة إلى أن الصراع المستمر
منذ أكثر من ثلاث سنوات أصبح أكثر تعقيدا، وأن السودان يتجه نحو مزيد من الانقسام
في ظل تعدد القوى المسلحة وتداخل المصالح الإقليمية والدولية.
وأشارت المجلة، في
تقرير أعده مراسلوها من الخرطوم وكوستي وبورتسودان، إلى أن الهدوء كان أول ما
لاحظه مراسلها خلال جولته في شوارع العاصمة السودانية، موضحة أن الخرطوم التي كانت
قبل اندلاع الحرب مدينة مكتظة بالحياة والنشاط، تحولت إلى مدينة مختلفة تماما
بعدما خلفت المعارك دمارا واسعا جعل أجزاء منها تبدو أقرب إلى مدن مثل حلب أو غزة.
وأضافت
إيكونوميست أن الخرطوم كانت قبل الحرب أكبر قاعدة صناعية في منطقة الساحل، وكانت تضم ما بين 6
و9 ملايين نسمة، لكنها اليوم فقدت الكثير من مظاهر الحياة التي كانت تميزها، بعدما
تحولت أحياء واسعة منها إلى مناطق مدمرة وشبه مهجورة.
ولفتت المجلة إلى
أن هذا الخراب جاء نتيجة المعركة الدموية على السلطة بين القوات المسلحة السودانية
وقوات الدعم السريع، والتي اندلعت في 15 نيسان / أبريل 2023، بعدما تحول الخلاف
بين الطرفين إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
وأوضحت أن قوات
الدعم السريع تمكنت خلال الفترة الأولى من الحرب من السيطرة على مساحات واسعة من
العاصمة، بما في ذلك المناطق المحيطة بالقصر الرئاسي والمطار، إضافة إلى أجزاء من
المركز التاريخي للمدينة، ما تسبب في نزوح نحو 5 ملايين شخص من منازلهم، قبل أن
تستعيد القوات المسلحة السودانية السيطرة على الخرطوم في آذار / مارس من العام
الماضي.
وأكدت المجلة أن
الحرب السودانية أصبحت واحدة من أكثر النزاعات تدميرا في العالم، مشيرة إلى أن حجم
الخسائر البشرية يقدر بمئات الآلاف من القتلى، بينما أعلنت مفوضية الأمم المتحدة
لشؤون اللاجئين نزوح نحو 14 مليون شخص، وهو ما يجعل الأزمة السودانية أكبر عملية
تهجير قسري للسكان خلال القرن الحالي حتى الآن.
ورغم سعي القوات
المسلحة السودانية إلى تقديم صورة بأن الحرب دخلت مراحلها الأخيرة، ترى إيكونوميست أن هذا الاحتمال لا يزال بعيدا في ظل غياب مبادرة سياسية قادرة على إنهاء القتال.
وأشارت إلى أن
الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان حقق مكاسب عسكرية مهمة خلال
الفترة الأخيرة، لكنه قد يواجه صعوبة في الحفاظ على هذا الزخم، وفقا لتحليل خلود
خير، من مركز "كونفلونس أدفايزري" البحثي السوداني.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، أوضحت
المجلة أن
قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" لا تزال
تحتفظ بمواقع نفوذ رئيسية في إقليم دارفور، المنطقة التي ينحدر منها العدد الأكبر
من مقاتليها، وهو ما يمنحها قدرة على مواصلة القتال رغم الضغوط العسكرية التي تعرضت
لها.
وأضافت إيكونوميست أن استمرار الحرب أدى إلى زيادة تفكك المشهد العسكري داخل السودان، إذ تشير
تقديرات إلى وجود ما لا يقل عن 150 ميليشيا مختلفة تشارك في الصراع، مع استمرار
ظهور جماعات جديدة تعتمد في كثير من الأحيان على الانتماءات العرقية أو المحلية.
كما لفتت إلى أن
الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة جعل مناطق أقل فأقل من السودان تتمتع
بالأمان، بعدما أصبحت الهجمات الجوية قادرة على الوصول إلى مناطق بعيدة عن ساحات
القتال المباشرة.
وأشارت إيكونوميست إلى أن تحقيق انتصار عسكري حاسم عبر القوة وحدها يبدو أمرا صعبا، موضحة أن مستقبل
الحرب السودانية يرتبط بدرجة كبيرة بمواقف القوى الخارجية التي تقدم دعما مباشرا
أو غير مباشر لطرفي الصراع.
ولفتت المجلة إلى
أن الإمارات العربية المتحدة تواجه اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، بينما تحظى
القوات المسلحة السودانية بدعم من دول مثل مصر وتركيا والسعودية وقطر، مشيرة إلى
أن هذا التشابك الإقليمي جعل الحرب أكثر تعقيدا، في ظل اختلاف حسابات الدول
المتدخلة في الملف السوداني.
وأضافت أن الأهمية
الاستراتيجية للساحل السوداني على البحر الأحمر ازدادت بالنسبة لدول الخليج، خصوصا
مع التطورات الإقليمية الأخيرة، ومن بينها إغلاق إيران لمضيق هرمز، إلا أن المصالح
الخليجية تجاه السودان لا تزال متباينة، ما يصعب إمكانية تشكيل موقف موحد لإنهاء
الحرب.
وتابعت المجلة أن
القوات المسلحة السودانية تسعى إلى ترسيخ رواية مفادها أن العاصمة الخرطوم بدأت
طريق التعافي، في محاولة لتعزيز صورتها باعتبارها الطرف القادر على إدارة البلاد
بعد الحرب.
وأوضحت أن تقديرات
تشير إلى عودة نحو مليوني شخص إلى الخرطوم منذ استعادة الجيش السيطرة على العاصمة
وعودة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إليها، مشيرة إلى أن السيطرة على المدينة
تمثل بالنسبة للجيش وحلفائه رمزا مهما للشرعية السياسية.
وأكدت إيكونوميست أن إظهار الخرطوم بصورة مستقرة وقادرة على استعادة الخدمات والنشاط الاقتصادي يمثل
رسالة موجهة إلى الداخل والخارج، سواء للخصوم السياسيين أو للحلفاء الدوليين.
لكن المجلة أوضحت
أن عملية التعافي لا تزال محدودة وغير متوازنة، إذ استعادت بعض المناطق خدمات
الكهرباء والمياه بصورة جزئية، كما بدأت المدارس والمستشفيات وبعض المؤسسات
الحكومية في استئناف عملها، بينما لا تزال العاصمة بعيدة عن العودة إلى وضعها
الطبيعي.
وأشارت إلى أن
مطار الخرطوم لم يستأنف الرحلات الجوية الدولية المنتظمة حتى الآن، رغم عودة بعض
الرحلات الداخلية، كما أعيد فتح "الفندق الكبير" بشكل جزئي.
وأضاف التقرير أن
حجم الدمار يظهر بوضوح عند الانتقال إلى وسط العاصمة، حيث لا تزال آثار القصف
واضحة في مناطق حيوية، بداية من الهيكل المحترق لمبنى وزارة الدفاع وصولا إلى
بقايا البنك المركزي.
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت المجلة أن
العديد من المباني، خصوصا في الأحياء الراقية، تعرضت للنهب المنظم خلال فترة سيطرة
قوات الدعم السريع، قبل أن تبقى مهجورة بعد رحيلها، موضحة أن معظم من عادوا إليها
حتى الآن هم من الفئات الأكثر فقرا واضطرارا للعودة.
ولفتت إلى أن
شوارع واسعة من الخرطوم لا تزال شبه خالية، فيما تغرق أجزاء كبيرة من المدينة في
الظلام ليلا بسبب ضعف الخدمات الأساسية.
كما أشارت إيكونوميست إلى استمرار خطر الذخائر غير المنفجرة، موضحة أن الأمم المتحدة عثرت على نحو 40
ألف قطعة من مخلفات الحرب في العاصمة، لكن عمليات التطهير لم تشمل سوى نسبة محدودة
للغاية من المدينة.
وأكدت المجلة أن
إعادة إعمار الخرطوم تمثل تحديا ضخما أمام الحكومة التي يقودها الجيش، خاصة مع
تردد الحلفاء الإقليميين في تمويل هذه العملية.
وأوضحت أن الحكومة
تعتمد بشكل أساسي على عائدات صادرات الذهب والصمغ العربي، ما يجعل قدرتها على
تمويل إعادة الإعمار محدودة، ويضعها أمام معادلة صعبة بين الحاجة إلى المال لإظهار
الانتصار والحاجة إلى الموارد لمواصلة الحرب.
ونقلت إيكونوميست عن مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، قوله: "نحن نخوض حربا،
والموارد مطلوبة للحرب"، في إشارة إلى أن الأولوية لا تزال موجهة نحو
العمليات العسكرية.
وأضافت إيكونوميست أن مسار الحرب لم يكن دائما لصالح القوات المسلحة السودانية، مشيرة إلى أن سقوط
مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، في تشرين الأول / أكتوبر الماضي لصالح قوات
الدعم السريع، بعد حصار استمر 18 شهرا، شكل واحدة من أكبر الانتكاسات التي تعرض
لها الجيش.
وأوضحت المجلة أن
تقديرات تشير إلى مقتل ما يصل إلى 60 ألف شخص خلال الهجوم على الفاشر، في واحدة من
أكثر مراحل الصراع دموية منذ اندلاع الحرب.
لكنها أكدت أن
ميزان القوى بدأ يميل نسبيا خلال الفترة الأخيرة لصالح القوات المسلحة السودانية،
بعدما حققت سلسلة من المكاسب الميدانية.
وأشارت إلى أن
الجيش تمكن في أوائل تموز / يوليو من استعادة السيطرة على بلدة "كرمك"
الاستراتيجية الواقعة على الحدود الجنوبية الشرقية مع إثيوبيا، بعد أن كانت قوات
الدعم السريع ومجموعات محلية مسلحة قد سيطرت عليها في وقت سابق.
وأضافت أن القوات
المسلحة السودانية واصلت تقدمها بعد ذلك بالسيطرة على عدد من البلدات الواقعة على
الطريق الرئيسي بين الخرطوم ومدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي يبلغ
عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة.
لكن المجلة حذرت
من أن الأبيض، رغم خضوعها لسيطرة الجيش، لا تزال محاصرة بشكل شبه كامل من قوات
الدعم السريع، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الفاشر وحدوث موجة جديدة من العنف.
وأضافت أن بقايا
محطتي وقود متفحمتين في كوستي، دمرتهما طائرات مسيرة في أيار / مايو الماضي، تعكس
قدرة قوات الدعم السريع على تنفيذ ضربات بعيدة المدى رغم خسارتها بعض المناطق.
كما تابعت المجلة
أن مشهدا آخر من آثار الحرب يظهر بالقرب من كوستي، حيث يعيش نحو 20 ألف لاجئ
سوداني في مخيمات بدائية أقيمت باستخدام أعمدة خشبية وأغطية بسيطة.
وأكدت أن استمرار
تغير ميزان القوى بين الطرفين يرتبط بدرجة كبيرة بالدعم الخارجي، مشيرة إلى أن
طائرات مسيرة تركية وإيرانية لعبت دورا في مساعدة الجيش السوداني على استعادة
الخرطوم.
ونقلت عن جوناس
هورنر من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قوله إن تعزيز قدرات الجيش السوداني
ارتبط بزيادة شحنات الأسلحة القادمة من تركيا.
وأوضحت إيكونوميست
أن اعتماد طرفي الصراع على الدعم الخارجي كان يفترض أن يشكل مدخلا للضغط من أجل إنهاء
الحرب، إلا أن الجهود السياسية لم تحقق تقدما كبيرا، خاصة عبر "الرباعية"
التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات.
وأشارت المجلة إلى
أن الخلافات داخل هذه المجموعة أصبحت أحد أبرز أسباب تعثر الوساطة، موضحة أن الرياض
وأبوظبي كانتا تعملان في السابق بشكل متقارب تجاه السودان، خصوصا عندما استولى عبد
الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو "حميدتي" معا على السلطة عام 2021، لكن
اندلاع الحرب بين الطرفين بعد عامين دفع كل دولة إلى دعم طرف مختلف.
وأضافت أن الإمارات
تنظر إلى الجيش السوداني باعتباره مرتبطا بإيران وبتيارات إسلامية داخل السودان، بينما
ترى أبوظبي أن قوات الدعم السريع تمثل جزءا من شبكة نفوذ إقليمية بنتها خلال السنوات
الماضية في مناطق مرتبطة بالبحر الأحمر، من بينها الصومال واليمن وليبيا.
في المقابل، أوضحت
إيكونوميست أن السعودية ومصر تعتبران القوات المسلحة السودانية شريكا تاريخيا، وترفضان
أي سيناريو يؤدي إلى إبعاد الجيش عن موقعه في الخرطوم أو فرض ترتيبات سياسية تقلل من
دوره.
وأكدت المجلة أن التوفيق
بين هذه المواقف المتعارضة يمثل مهمة شديدة الصعوبة بالنسبة لمسعد بولس، الذي كلفه
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقيادة جهود الوساطة بشأن السودان.
ولفتت إلى أن السياسة
الأمريكية تجاه أطراف الصراع شهدت تغيرات خلال الفترة الأخيرة، إذ فرضت واشنطن عقوبات
على قادة في قوات الدعم السريع وشركات مرتبطة بها، كما اتخذت إجراءات ضد جماعات إسلامية
مرتبطة بالجيش السوداني، وصنفتها وزارة الخارجية الأمريكية ضمن الجهات التي تتلقى دعما
من الحرس الثوري الإيراني.
وتابعت المجلة أن الآمال
في أن يؤدي وجود تهديدات إقليمية مشتركة، بينها التوتر مع إيران وهجمات الحوثيين على
الملاحة في البحر الأحمر، إلى دفع السعودية والإمارات لتقريب وجهات النظر بشأن السودان،
لم تتحقق حتى الآن.
وأضافت أن هذه التطورات
قد تدفع دول الخليج في النهاية إلى إدراك أن استقرار السودان يخدم مصالحها المشتركة،
خصوصا في ظل أهمية موقعه على البحر الأحمر.
وأوضحت إيكونوميست
أن السعودية تعمل على تعديل مقترحات التسوية داخل اللجنة الرباعية، إذ تفضل خطة تبدأ
بانسحاب قوات الدعم السريع من بعض المواقع، بدلا من الخطة السابقة التي كانت تدعو إلى
انسحاب الطرفين من مدن محددة وإنشاء مناطق آمنة للمدنيين.
وأشارت إلى أن القوات
المسلحة السودانية تسعى في المقابل إلى عقد لقاء مباشر بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان
والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، بهدف فهم طبيعة الموقف الإماراتي تجاه مستقبل الصراع.
ونقلت عن مالك عقار
قوله: "علينا أن نعرف ما الذي يريده الإماراتيون"، في إشارة إلى رغبة الخرطوم
في معرفة حدود الدور الإماراتي في الأزمة السودانية.
لكن المجلة رأت أن
الرهان على التوصل إلى تفاهم مع الإمارات قد لا يكون كافيا لإنهاء نفوذ قوات الدعم
السريع، موضحة أن قوات حميدتي لا تزال تمتلك القدرة على مواصلة القتال حتى في حال تغير
مستوى الدعم الخارجي.
وأكدت أن إنهاء الحرب
سيظل صعبا دون مفاوضات مباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، رغم أن أي عملية
تفاوض قد تؤدي أيضا إلى إعادة تشكيل التحالفات التي تدعم الطرفين.
واختتمت إيكونوميست
تقريرها بالإشارة إلى أن أي توقف مؤقت للقتال، وهو أمر يرتبط عادة بموسم الأمطار الصيفية،
قد يمنح الأطراف فرصة لإعادة تقييم مواقفها، إلا أن تأخر هطول الأمطار واحتمالات تأثير
ظاهرة "النينيو" على الموسم الزراعي يزيدان من المخاطر الإنسانية.