تقرير: الصراع في السودان ليس سودانيا.. وهذه البراهين

قوات الدعم السريع سعت إلى ترسيخ النظام من خلال إنشاء تحالف "تأسيس" السياسي - الأناضول
قوات الدعم السريع سعت إلى ترسيخ النظام من خلال إنشاء تحالف "تأسيس" السياسي - الأناضول
شارك الخبر
تتجه الحرب في السودان نحو مرحلة أكثر تعقيدًا مع استمرار عجز طرفي الصراع عن تحقيق حسم عسكري، في وقت تسهم فيه التحالفات المتغيرة والتدخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب اقتصاد الحرب القائم على الذهب والموارد، في إطالة أمد القتال.

ونشر موقع "أفريكا ريفيزتا" تقريرًا يسلّط الضوء على تحوّل الحرب في السودان إلى صراع طويل الأمد تغذّيه الانقسامات الداخلية والتحالفات المتبدلة والتدخلات الإقليمية والدولية، في ظل عجز الجيش وقوات الدعم السريع عن تحقيق نصر حاسم، موضحا أن اقتصاد الحرب، ولا سيما الذهب وشبكات الدعم الخارجي، يطيل أمد القتال، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر وسط المجاعة والنزوح وانهيار البنية التحتية وتراجع فرص التوصل إلى السلام.

وقال الموقع، في التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إنه بعد أكثر من ثلاث سنوات من الصراع، بات السودان منقسمًا ومُعسكرًا، وأصبح في قلب منافسة إقليمية ودولية، ولا يستطيع أيّ من الطرفين حسم المعركة لمصلحته، في حين تغذّي التحالفات المتبدلة والمصالح الاقتصادية والتدخلات الخارجية حربًا يُرجّح أن تطول.

وأضاف الموقع أنه لهذا السبب، يجعل الجمود العسكري السلام أكثر بُعدًا يومًا بعد يوم؛ فقد دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، لكنها لا تزال واحدة من أكثر الأزمات المنسية في العالم. ومع ذلك، فإنها تُعد اليوم، بحسب الأمم المتحدة، أخطر حالة طوارئ إنسانية على مستوى العالم، إذ تشير تقديرات مختلفة إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى، ونزوح أكثر من 15 مليون شخص، واعتماد أكثر من 30 مليون شخص على المساعدات الإنسانية من أجل البقاء على قيد الحياة.

وأوضح الموقع أن الصراع اندلع في نيسان / أبريل 2023، عقب فشل عملية الانتقال الديمقراطي التي أعقبت سقوط عمر البشير. ويخوض القتال حليفان سابقان، هما الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية "ساف"، ومحمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، قائد قوات الدعم السريع "آر إس إف"، التي نشأت نتيجة تطور ميليشيات الجنجويد، التي اضطلعت بدور رئيسي في حملات العنف في دارفور. لكن بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، تتضح حقيقة بصورة متزايدة، وهي أن أيًّا من الطرفين المتنازعين لا يبدو قادرًا على تحقيق نصر حاسم، وهذا التوازن الهش تحديدًا ينذر باستمرار الصراع لفترة طويلة أخرى.

بلد منقسم ومتنازَع عليه

وأشار الموقع إلى أنه السودان ينقسم اليوم، فعليًا، إلى شطرين؛ إذ تسيطر قوات الدعم السريع على كامل إقليم دارفور ومناطق واسعة من غرب كردفان، حيث أنشأت هياكل إدارية موازية وعززت سيطرتها على مناجم الذهب الرئيسية، في المقابل، يحتفظ الجيش بالسيطرة على العاصمة الخرطوم، ومدينة بورتسودان الساحلية الإستراتيجية، والولايات الشرقية، وجزء كبير من شمال البلاد. لكن هذه الصورة ليست سوى مؤقتة، إذ لا يفرض أي من المعسكرين سيطرة مطلقة، فالمدن والطرق والعُقد اللوجستية تنتقل من طرف إلى آخر في غضون أيام قليلة، بينما يُعاد رسم خطوط الجبهة باستمرار بفعل الهجمات والهجمات المضادة والتحالفات المحلية.

اظهار أخبار متعلقة


وتابع الموقع أنه خلال الأسابيع الأخيرة، كثفت قوات الدعم السريع هجومها في شمال دارفور، سعيًا إلى السيطرة على دار زغاوة، وهي واحدة من آخر المناطق التي لا تزال خارج نطاق سيطرتها. وعلى الجبهة المقابلة، استعاد الجيش مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق، ما أدى إلى قطع محور إمداد مهم باتجاه جنوب شرقي البلاد.

وفي غضون ذلك، يتزايد القلق بشأن مدينة الأبيض في كردفان، وهي مدينة إستراتيجية تحاصرها القوات شبه العسكرية وتتعرض لهجمات متواصلة بالطائرات المسيّرة. وتخشى الأمم المتحدة من تكرار السيناريو الذي شهدته مدينة الفاشر، حيث انتهى حصار طويل بكارثة إنسانية.

صراع يزداد تشظّيًا

وأكد الموقع أنه سيكون من الخطأ النظر إلى الصراع باعتباره مواجهة بين جيشين متماسكين؛ فكلٌّ من الجيش والقوات شبه العسكرية يخوض القتال من خلال شبكة معقدة من التحالفات مع الميليشيات القبلية والحركات المتمردة والجماعات المسلحة المحلية. وتسعى كثير من هذه الأطراف إلى تحقيق أهداف خاصة به، ترتبط بالسيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية، أو بالتنافسات العرقية والتاريخية.

وأردف أن قوات الدعم السريع سعت إلى ترسيخ هذا النظام من خلال إنشاء تحالف "تأسيس" السياسي العسكري عام 2025، الذي يضم عددًا من الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة، من بينها فصيل تابع للحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، ويتمركز في جبال النوبة والنيل الأزرق. وبفضل هذه التفاهمات، فتحت القوات شبه العسكرية جبهات حرب جديدة تتجاوز إقليم دارفور بمراحل.

وتابع أن الجيش يعتمد هو الآخر على عدد كبير من الميليشيات المتحالفة معه، وفي الواقع، يُعد اللجوء إلى القوات غير النظامية جزءًا لا يتجزأ من العقيدة العسكرية السودانية منذ عهد عمر البشير، حين كان النظام يستخدم جماعات مسلحة محلية لمحاربة حركات التمرد في أطراف البلاد. ومن المفارقات أن قوات الدعم السريع نفسها هي نتاج تلك الإستراتيجية؛ إذ نشأت من ميليشيات الجنجويد، ثم تحولت إلى قوة شبه عسكرية نافذة، قبل أن تتمرد على الجيش في نيسان / أبريل 2023، والنتيجة هي حرب "متغيرة الأبعاد"، تتبدل فيها التحالفات والخصومات والمصالح باستمرار، ما يجعل أي عملية تفاوضية شديدة الصعوبة.

حرب بالوكالة

ووفقًا للموقع فإنه في غضون ذلك، اكتسب الصراع بُعدًا دوليًا متزايدًا، فقد اتهمت تقارير عدة صادرة عن الأمم المتحدة، إلى جانب تحقيقات صحفية عديدة، الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات الدعم السريع من خلال إمدادات عسكرية وشبكات لوجستية، ولطالما نفت أبوظبي هذه الاتهامات، غير أن اهتمامها بذهب دارفور والبحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي يبدو واضحًا.

ولفت التقرير أنه على الجبهة المقابلة، تعتبر مصرُ السودانَ عنصرًا أساسيًا لأمن حدودها الجنوبية وللتوازنات المرتبطة بمياه النيل. ولهذا السبب، تواصل دعم حكومة البرهان. كما تحافظ تركيا على علاقات مميزة مع الخرطوم، في حين تركز روسيا بصورة خاصة على الوصول إلى مناجم الذهب، وعلى مشروع إنشاء قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر.

اظهار أخبار متعلقة


وتتابع الولايات المتحدة والصين الصراع وفق أولويات مختلفة، لكنهما تتشاركان الاهتمام بالحفاظ على استقرار واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الإستراتيجية، وكذلك تؤدي الدول المجاورة دورًا حاسمًا.

وبحسب تحقيق حديث أجرته منصتا "لايتهاوس ريبورتس" و"سودان وور مونيتور"، أصبحت مناطق شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة الفريق أول خليفة حفتر أحد أبرز الممرات اللوجستية لقوات الدعم السريع، إذ تضم معسكرات تدريب وتشهد تدفقات من الأسلحة والوقود والمقاتلين. غير أن حلفاء القوات شبه العسكرية يرفضون هذه الاتهامات.

وتابع أن تشاد، التي تستضيف أكثر من مليون لاجئ سوداني، فيتهمها الجيش بأنها تمثل أحد أبرز مسارات إمداد قوات الدعم السريع، في حين تنفي نجامينا أي ضلوع لها في ذلك. وعلى الجبهة الشرقية، تتصاعد أيضًا حدة التوترات مع إثيوبيا؛ إذ تتهم الخرطوم أديس أبابا بمساندة قوات الدعم السريع، بينما تقول الحكومة الإثيوبية إن السودان يدعم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. وأخيرًا، يسعى جنوب السودان إلى الحفاظ على موقف وساطة، لكنه يعتمد على خطوط أنابيب النفط التي تمر عبر الأراضي السودانية لتصدير نفطه، ولذلك فإن من مصلحته تفادي الانهيار الكامل للدولة المجاورة.

الاقتصاد يغذّي الصراع

ولفت الموقع إلى أن ثقل اقتصاد الحرب يزيد من صعوبة التوصل إلى حل، ويُعد الذهب اليوم أحد المصادر الرئيسية لتمويل قوات الدعم السريع، في حين يسيطر الجيش على الموانئ الرئيسية ومؤسسات الدولة وجزء من البنية التحتية للطاقة. وبذلك يمتلك الطرفان موارد اقتصادية كافية لمواصلة القتال. ولهذا السبب، عزز الاتحاد الأوروبي مؤخرًا نظام عقوباته، فحظر استيراد الذهب القادم من السودان وتصدير الزئبق والسيانيد، وهما مادتان لا غنى عنهما في استخراج الذهب. كما فرضت المملكة المتحدة ودول غربية أخرى عقوبات على قادة وممولين ووسطاء من كلا المعسكرين.

المدنيون يدفعون الثمن الأكبر

وأبرز الموقع أنه على الأرض، لا تزال الاتهامات بارتكاب جرائم حرب تتراكم. وترى الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية أنهما جمعتا أدلة تربط قيادات قوات الدعم السريع بمجازر وعمليات اغتصاب جماعي وترحيل قسري واضطهاد عرقي في دارفور، وصولًا إلى الاشتباه في ارتكاب أعمال إبادة جماعية. لكن منظمات دولية تتهم الجيش أيضًا بتنفيذ عمليات قصف عشوائي على مناطق مدنية، وممارسة التعذيب والاحتجاز التعسفي والإعدامات خارج نطاق القضاء. ومن ثم، فإن المسؤوليات لا تقتصر على طرف واحد. ويبقى المدنيون هم من يدفعون الثمن الأكبر، إذ يجدون أنفسهم عالقين بين الحصار والجوع والنزوح، في ظل منظومة إنسانية باتت على وشك الانهيار.

كما يغيّر الاستخدام المتزايد والمكثف للطائرات المسيّرة من جانب كلا المعسكرين ملامح الصراع. ففي الأشهر الأولى من الحرب، كانت تُستخدم أساسًا لأغراض الاستطلاع، أما اليوم فقد تحولت إلى أدوات هجومية قادرة على ضرب أهداف تبعد مئات الكيلومترات عن خطوط الجبهة. وأصبحت مستودعات الوقود والجسور ومحطات الكهرباء والمطارات والأسواق والمستشفيات والأحياء السكنية أهدافًا متكررة على نحو متزايد لهجمات جوية.

وقد وسّع هذا التطور التكنولوجي نطاق الحرب، وجعل حتى المناطق التي كانت تُعد آمنة نسبيًا عرضة للخطر، كما عقّد عودة السكان إلى المدن التي استُعيدت السيطرة عليها. لكن، على الرغم من تغير أدوات القتال، يظل الضحايا هم أنفسهم دائمًا: المدنيون الذين يُستهدفون في أماكن حياتهم اليومية، في وقت تُدمَّر فيه البنى التحتية الأساسية، ويزداد الوصول إلى المساعدات الإنسانية صعوبة.

لماذا يبدو السلام بعيد المنال؟

واختتم الموقع تقريره بالتأكيد على أن الجمود العسكري لا يمثل تمهيدًا للسلام، بل يُعد أحد أبرز العوامل التي تغذّي الحرب، فلا يزال كلا المعسكرين يعتقد أن بإمكانه تحسين موقعه على الأرض قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وفي الوقت نفسه، يؤدي الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري الذي تقدمه أطراف إقليمية ودولية إلى تقليص الحوافز للتوصل إلى تسوية.

إن السودان يمثل في الواقع ما هو أكثر بكثير من مجرد صراع داخلي. فهو ملتقى إستراتيجيًّا بين منطقة الساحل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، كما أنه غني بالذهب والنفط والأراضي الخصبة، ويسيطر على طرق تجارية مهمة، ويمر عبره نهر النيل. وحول هذا المشهد المتشابك تتداخل مصالح قوى الخليج والقوى العالمية الكبرى والدول المجاورة.

وما دامت هذه المصالح تواصل التلاقي على الساحة السودانية، وما دام أيٌّ من الطرفين لم يتعرض لهزيمة حاسمة أو لم يُبدِ استعدادًا للتخلي عن طموحاته، فإن الحرب مهددة بالبقاء عالقة في توازن معيب: عنيفة بما يكفي لمنع السلام، لكنها ليست حاسمة بما يكفي لإنتاج منتصر. وهذه هي اليوم الأسباب الحقيقية التي تجعل الصراع يبدو مرشحًا للاستمرار.
التعليقات (0)