بين التهديدات
العسكرية والعودة إلى طاولة المفاوضات، يجد الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب نفسه
أمام معركة مع
إيران تختلف عن أي مواجهة خاضها خلال ولايته الثانية، بعدما تحولت
خطة كانت تراهن على الحسم السريع إلى أزمة مفتوحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية
والسياسية والاقتصادية.
وأكدت صحيفة "نيويورك
تايمز"، في تقرير أعده مراسل شؤون البيت الأبيض بيتر بيكر، أن الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب اعتاد خلال ولايته الثانية على دفع الدول الأخرى إلى تنفيذ ما يريده عبر
الضغوط السياسية والاقتصادية، إلا أنه يواجه هذه المرة اختبارًا مختلفًا في التعامل
مع إيران، بعدما أخفق حتى الآن في بلورة استراتيجية قادرة على انتزاع تنازلات من طهران،
بالتزامن مع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الذي سبق أن توسط فيه.
وأشارت الصحيفة إلى
أن ترامب كشف، في اليوم الـ136 من الحرب، عن مقترح جديد يقضي بفرض رسوم على السفن العابرة
لمضيق هرمز مقابل توفير الحماية لها من أي تهديدات إيرانية، قبل أن يتراجع عن الفكرة
في اليوم التالي ويطرح مقاربة مختلفة لا تتضمن فرض أي رسوم، وهو ما اعتبرته دليلاً
جديدًا على غياب رؤية مستقرة لإدارة الأزمة.
وتابعت أن التراجع
السريع للرئيس الأمريكي، الذي جاء بعد اعتراضات من حلفائه الخليجيين الذين لم يبدوا
حماسًا لتحمل أعباء الرسوم المقترحة، يعكس حالة من الارتباك في إدارة المواجهة مع إيران.
ولفتت إلى أن العملية التي كان يُفترض أن تستغرق بين أربعة وستة أسابيع امتدت لتدخل
أسبوعها العشرين، في وقت بدأ فيه ترامب يدرك أن أسلوب الارتجال والقرارات المفاجئة
لا يحقق النتائج المرجوة في نزاع بهذا التعقيد.
وأضافت الصحيفة أن
ترامب، الذي جعل من استعراض القوة الأمريكية سمة بارزة في سياسته الخارجية منذ عودته
إلى البيت الأبيض، وجد نفسه أمام خصم لا يستجيب لأسلوبه المعتاد في ممارسة الضغوط،
مشيرة إلى أن الأزمة الإيرانية تختلف عن الملفات الأخرى التي اعتمد فيها على التهديدات
أو الرسوم الجمركية أو الرسائل الحادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ورأت "نيويورك
تايمز" أن الاتفاق الذي أُعلن الشهر الماضي لوقف القتال لم يكن في الواقع سوى
"مذكرة سوء فهم"، إذ لم ينجح في تأسيس أرضية صلبة للتفاوض، الأمر الذي كشف،
بحسب الصحيفة، عن افتقار الإدارة الأمريكية لاستراتيجية سياسية وعسكرية واضحة للتعامل
مع المرحلة التالية.
ونقلت الصحيفة عن ولي
نصر، أستاذ الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز ومستشار عدد من الرؤساء ووزراء
الخارجية الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط، قوله إن ترامب وجد نفسه أمام دولة لا تتعامل
وفق قواعده المعتادة، موضحًا أن إيران ليست مستعدة لتقديم تنازلات استجابة لمحاولات
استمالته أو إرضائه، بل تسعى للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب مقابل أي خطوة تقدم
عليها.
وأكدت الصحيفة أن الأزمة
الحالية أعادت، مرة أخرى، التذكير بصعوبة تحقيق اختراقات سياسية في الشرق الأوسط، وهي
المنطقة التي تحولت، عبر عقود، إلى اختبار معقد لطموحات الرؤساء الأمريكيين. وأضافت
أن أدوات القوة التي نجحت واشنطن في توظيفها بمناطق أخرى من العالم لا تحقق بالضرورة
النتائج نفسها في الشرق الأوسط، وهو ما واجهه العديد من الرؤساء السابقين قبل ترامب.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت إلى أن هذا
الواقع يمثل مصدر إحباط خاص للرئيس الأمريكي، الذي اعتاد منذ عودته إلى السلطة على
تحقيق مكاسب متتالية، بل وذهب إلى حد التفاخر بأنه قد يكون "أقوى رجل في تاريخ
العالم". ومع ذلك، فإن نجاحه في دفع دول حلف شمال الأطلسي إلى زيادة إنفاقها الدفاعي،
أو انتزاع تنازلات من شركاء تجاريين، أو حتى تنفيذ عملية عسكرية ناجحة في فنزويلا،
لا يعني بالضرورة قدرته على فرض إرادته في الملف الإيراني.
ونقلت الصحيفة عن سوزان
مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز ومديرة برنامج السياسة الخارجية فيه، قولها إن النهج
الحازم الذي اتبعه ترامب خلال ولايته الثانية استفاد في أحيان كثيرة من قدر من الحظ،
إلى جانب استعداد بعض الدول لتسهيل التوصل إلى حلول وسط، لكنها شددت على أن إيران لم
تقدم، طوال العقود الماضية، أي مؤشرات تدفع للاعتقاد بأنها ستتعامل بالطريقة نفسها.
كما أشارت الصحيفة
إلى تقييم قدمه جون هانا، المستشار السابق للأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي الأسبق
ديك تشيني، والباحث في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، والذي رأى أن ترامب بالغ
في تقدير قدرة الولايات المتحدة على إسقاط النظام الإيراني، واستهان في المقابل بقدرة
هذا النظام على الصمود.
وأضاف هانا، بحسب ما
نقلته الصحيفة، أن الحرب بُنيت على افتراضات خاطئة منذ البداية، معتبرًا أن أكثر الأخطاء
خطورة تمثل في اعتقاد الرئيس الأمريكي أن النظام الإيراني أشبه بـ"بيت من ورق"
يمكن إسقاطه بسهولة عبر الضربات الجوية أو التصعيد الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي.
وتابع أن المشكلة لم
تقتصر على سوء التقدير، بل شملت أيضًا غياب مؤسسة أمن قومي قوية قادرة على مراجعة افتراضات
الرئيس وإخضاعها لنقاش مهني يستند إلى خبرات المختصين في ملفات السياسة الخارجية والدفاع
والاستخبارات.
وأكدت "نيويورك
تايمز" أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي انهار لاحقًا مع استئناف الغارات الليلية،
لم يكن اتفاقًا شاملًا بالمعنى الحقيقي، وإنما صيغة مؤقتة كان يُفترض أن تمنح الطرفين
ستين يومًا للتفاوض حول القضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي
الإيراني.
وأضافت أن انهيار هذا
الاتفاق المؤقت يثير شكوكًا كبيرة بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية دائمة، لأن أي اتفاق
نهائي سيتطلب من الطرفين تقديم تنازلات مؤلمة، وهو ما يبدو بعيد المنال في الظروف الحالية.
وأشارت الصحيفة إلى
أن ترامب يبدو مترددًا بشأن الخطوة التالية، إذ عاد إلى التصعيد العسكري عبر استئناف
الحصار البحري في
مضيق هرمز، ولوّح بإمكانية استهداف موقع "جبل بيكاكس" المحصن،
القريب من أحد أهم المواقع النووية الإيرانية، لكنه في الوقت نفسه لم يُظهر استعدادًا
واضحًا للعودة إلى حملة القصف الواسعة التي ميّزت بداية الحرب، خاصة مع تنامي المعارضة
الشعبية الأمريكية لاستمرارها.
وأضافت أن الرئيس الأمريكي
يواصل الحديث عن إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه لم يقدم تصورًا واضحًا لكيفية
نجاح محادثات سبق أن فشلت، بل إنه أبدى بنفسه شكوكًا حول فرص نجاحها، في تصريحات فسرتها
الصحيفة على أنها محاولة لخفض سقف التوقعات.
وأوضحت الصحيفة أن
ترامب يراهن على الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران، معتقدًا أنها ستدفعها في النهاية
إلى تقديم تنازلات، بينما تراهن طهران، في المقابل، على أن الإدارة الأمريكية ستتعرض
لضغوط داخلية متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وارتفاع أسعار الطاقة.
ونقلت عن آرون ديفيد
ميلر، المفاوض الأمريكي السابق في قضايا الشرق الأوسط والباحث الحالي في مؤسسة كارنيغي
للسلام الدولي، قوله إن ترامب يجد نفسه اليوم في مأزق حقيقي أمام خصم يتمسك بأهدافه
الاستراتيجية، وفي مقدمتها الحفاظ على نفوذه في مضيق هرمز وتعزيز حضوره في الخليج.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف ميلر أن إيران
سبق أن تركت بصمة عميقة على رئاسة جيمي كارتر خلال أزمة الرهائن، محذرًا من أن استمرار
الأزمة الحالية قد يؤثر أيضًا على الإرث السياسي لترامب إذا طال أمدها.
ورغم ذلك، أشارت الصحيفة
إلى أن عددًا من خبراء السياسة الخارجية لا يشاركون هذا التقييم، معتبرين أن تأثير
الملف الإيراني على مستقبل إدارة ترامب قد يكون أقل مما يعتقد البعض.
وفي هذا السياق، نقلت
عن إليوت أبرامز، المسؤول السابق في إدارات جمهورية عدة، من بينها إدارة ترامب الأولى،
قوله إنه لا يرى أن إيران قادرة على تعطيل أجندة ترامب الداخلية والخارجية، موضحًا
أن معظم الأمريكيين لن يجعلوا من هذه الحرب أولوية طالما لم تتسبب في سقوط قتلى أمريكيين،
كما أن ملفات مثل الصين وأوكرانيا وكوبا ستظل مستقلة عن الأزمة الإيرانية.
وأشار أبرامز أيضًا
إلى أن الحزب الديمقراطي يواجه انقسامات متزايدة حول ملف إسرائيل والفلسطينيين، معتبرًا
أن هذه القضية قد تتحول إلى عبء انتخابي على الديمقراطيين أكثر مما تشكل خطرًا على
الجمهوريين.
وأكدت الصحيفة أن التراجع
السريع عن قرار فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز كشف حجم الارتباك داخل الإدارة الأمريكية،
موضحة أن إعلان ترامب فرض رسوم بنسبة 20 بالمئة على البضائع العابرة للمضيق لحماية
الملاحة تعارض مع مواقف سابقة للإدارة الأمريكية، التي كانت تعتبر فرض مثل هذه الرسوم
مخالفًا للقانون الدولي.
وأضافت أن تراجعه عن
القرار بعد اتصالات أجراها قادة خليجيون أثار تساؤلات بشأن ما إذا كان قد تجاهل التشاور
معهم قبل إعلان خطته، أو أنه لم يأخذ تحفظاتهم في الحسبان منذ البداية.
وأشارت إلى أن ترامب
برر تغيير موقفه بالقول إن قادة الخليج وعدوا باستثمارات واتفاقيات تجارية كبيرة مع
الولايات المتحدة، لكنه لم يقدم أي تفاصيل توضح طبيعة تلك الالتزامات أو حجمها.
ونقلت الصحيفة عن ترامب
قوله للصحفيين إن تلك الدول ستضخ استثمارات ضخمة داخل الولايات المتحدة، مضيفًا أنه
يفضل هذا الخيار على فرض الرسوم، وذلك بعد يوم واحد فقط من وصفه الرسوم بأنها
"مسألة عدالة".
ولفتت الصحيفة إلى
أن هذا لم يكن التناقض الوحيد في مواقف الرئيس الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة، إذ
إنه امتد أيضًا إلى خطابه تجاه إيران نفسها.
فبحسب التقرير، كان
ترامب قد أشاد بالمفاوضين الإيرانيين عقب إعلان وقف إطلاق النار، واصفًا إياهم بأنهم
أشخاص عقلانيون وأذكياء وكان التعامل معهم ممتعًا، قبل أن ينقلب عليهم بعد أسابيع قليلة
ويصفهم بأنهم "حثالة" وأنهم "مرضى يقودهم مرضى".
وأضافت الصحيفة أنه
عندما سُئل عن سبب هذا التحول الكبير في موقفه خلال فترة قصيرة، اكتفى ترامب بالقول:
"لقد تعرفت عليهم"، وهو ما اعتبرته الصحيفة تساؤلًا بحد ذاته حول مدى إدراكه
لطبيعة الطرف الذي كان يتفاوض معه.
واختتمت "نيويورك
تايمز" تقريرها بنقل تصريحات عباس ميلاني، مدير برنامج الدراسات الإيرانية في
جامعة ستانفورد والباحث في معهد هوفر، الذي أكد أنه لا يعتقد بوجود استراتيجية أمريكية
واضحة تجاه إيران، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي يتعامل مع هذا الملف بصورة غريزية تجمع
بين هدفين متناقضين؛ فمن جهة يدعو إلى التوصل لاتفاق يفتح الباب أمام ازدهار الاقتصاد
الإيراني، ومن جهة أخرى يهدد بالقضاء على إيران وحضارتها.