لم تعد "حروب
الثقافة" في
الولايات المتحدة مجرد سجالات حول الأعمال الفنية أو حرية التعبير، بل أصبحت، خلال
العقود الأخيرة، أحد أهم محركات الاستقطاب السياسي وأدوات التعبئة الانتخابية بين
الجمهوريين والديمقراطيين، في تحول بدأ أواخر ثمانينيات القرن الماضي وما يزال
يلقي بظلاله على المشهد الأمريكي حتى اليوم.
ويعيد الكاتب الأمريكي إسحاق باتلر، في
كتابه الجديد "اللحظة
المثالية: الله والجنس والفن ومولد حروب الثقافة في أمريكا"، قراءة اللحظة
التي انطلقت فيها هذه المعارك، معتبراً أن المواجهات التي دارت حول تمويل الفن
المعاصر وحرية التعبير شكلت "الحرب العالمية الأولى" لحروب الثقافة،
بينما تعيش الولايات المتحدة اليوم نسخة أكثر اتساعاً وتعقيداً منها.
وفي مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية، اليوم الخميس، قال باتلر إن اليمين الديني الأمريكي، بعد نهاية الحرب الباردة، وجد في القضايا
الثقافية بديلاً عن الصراع مع الاتحاد السوفييتي، فاتجه إلى تحويل الفن، والهوية
الجنسية، وحرية التعبير إلى معارك سياسية قادرة على تعبئة الناخبين وحشد القاعدة
المحافظة.
ويعد إسحاق باتلر من أبرز الكتّاب
الأمريكيين المهتمين بتاريخ المسرح والثقافة والسياسة، وقد برز اسمه من خلال
مؤلفاته التي تتناول العلاقة بين الفن والتحولات الاجتماعية في الولايات المتحدة،
من بينها كتابه المرجعي "العالم يدور إلى الأمام فقط" عن مسرحية "ملائكة
في أمريكا"، قبل أن يصدر أحدث أعماله "اللحظة المثالية" الذي يتتبع
نشأة "حروب الثقافة" الأمريكية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. أما
الحوار، فقد أجراه الصحفي البريطاني ديفيد سميث، مراسل صحيفة الغارديان في واشنطن،
والمتخصص في تغطية السياسة الأمريكية وقضايا الديمقراطية والاستقطاب والتحولات
الاجتماعية، ويعد من أبرز كتّاب الصحيفة في الشأن الأمريكي.
الفن بوصفه ساحة للصراع السياسي
يوضح باتلر أن استهداف الأعمال الفنية لم
يكن نابعاً من قيمتها الجمالية، بل من سهولة توظيفها سياسياً، إذ تحولت صور وأعمال
مثيرة للجدل، مثل صورة "بيس
كرايست" للفنان أندريس سيرانو، وأعمال المصور روبرت
مابلثورب، إلى رموز في معركة أوسع حول الدين والأخلاق والإنفاق الحكومي.
ويشير إلى أن شخصيات محافظة، مثل الواعظ
دونالد وايلدمون والسيناتور جيسي هيلمز، نجحت في تقديم هذه الأعمال للرأي العام
باعتبارها إساءة للقيم الأمريكية، مع التركيز على الدعم المالي الذي كانت تتلقاه
بعض المشاريع الفنية من "المؤسسة الوطنية للفنون"، رغم محدودية
ميزانيتها مقارنة ببقية الإنفاق الفيدرالي.
تصنيع الغضب
ويرى المؤلف أن أحد أسرار نجاح اليمين
المحافظ تمثل في قدرته على "تصنيع الغضب" عبر اقتطاع الأعمال الفنية من
سياقها، وتقديمها بصورة تستفز الجمهور، بما يحول قضايا محدودة التأثير إلى ملفات
سياسية وطنية.
ويقول إن هذه الاستراتيجية لم تتوقف عند
الفن، بل امتدت لاحقاً إلى قضايا الهوية، والمناهج التعليمية، وحقوق المثليين
والمتحولين جنسياً، وصولاً إلى نزاعات تتعلق بالأفلام والإعلانات والرياضة، بحيث
أصبحت الثقافة بأكملها ميداناً للصراع السياسي.
انتقاد لليبراليين
ولا يحمّل باتلر المسؤولية للتيار المحافظ
وحده، بل ينتقد أيضاً المؤسسات الليبرالية، معتبراً أنها أخطأت في التقليل من شأن
خصومها، كما بالغت في الرهان على التسويات والتنازلات أملاً في تهدئة الصراع.
ويرى أن تراجع بعض المؤسسات الثقافية عن
تنظيم معارض فنية تحت ضغط الحملات المحافظة منح خصومها انتصارات رمزية شجعتهم على
مواصلة الضغط، بدلاً من احتواء الأزمة.
الرقابة عبر التمويل
ويحذر الكاتب من أن الرقابة في الولايات
المتحدة لم تعد تحتاج إلى قوانين مباشرة تمنع التعبير، بل أصبحت تُمارس من خلال
أدوات التمويل.
ويشير إلى أن تهديد الجامعات أو المؤسسات
الثقافية بحرمانها من الدعم المالي أصبح وسيلة أكثر فاعلية لدفعها إلى تغيير
سياساتها أو تجنب القضايا المثيرة للجدل، دون الحاجة إلى تشريعات قد تصطدم
بالحماية الدستورية لحرية التعبير.
معارك بلا نهاية
ويخلص باتلر إلى أن حروب الثقافة لم تعد
تقتصر على قضايا كبرى، بل أصبحت تشمل تفاصيل الحياة اليومية، من اختيار الممثلين
في الأعمال الفنية إلى المنتجات الاستهلاكية والرياضة، الأمر الذي يجعل المجتمع
الأمريكي يعيش حالة استقطاب دائمة يصعب احتواؤها.
ويرى أن السؤال لم يعد يتعلق بوجود هذه
الحروب أو انتهائها، وإنما بقدرة المجتمع الأمريكي على إعادة التوازن بين حرية
التعبير والصراع السياسي، في ظل استمرار توظيف قضايا الهوية والثقافة في المنافسة
الحزبية.