هل لاحظتم ظاهرة تفشّي الأغاني الشعبيّة على
المنصّات الرقميّة بعد أن أعاد الذكاء الاصطناعي إنتاجها ضمن قوالب بصريّة جديدة،
بأسلوب طريف ومبهر وصانع لـ"التراند"؟ يصعب ألّا نلحظ ذلك، كما يصعب
ألّا يرحّب المتلقّي بهذه الأعمال "المرسكلة" بوصفها مساحات ترفيهية
جديدة يمنحها إيقاع ثنائيّة "الدربوكة" و"المزود" جاذبية
وانتشارا خاصّة مع دمجها بموسيقى هجينة عليها.
أمّا التّفكير في هذه الظّاهرة من زاوية
مختلفة قد يجعلنا لا نرى في الأمر ترفيها بقدر ما هو "تسليعا" من تبعات
الصناعة الثقافيّة فنتساءل: هل انتقل الفنّ الشعبي من مرحلة "الإقصاء"،
تحت شعار تحصين الذائقة العامّة إلى مرحلة الهيمنة التجاريّة داخل منظومة ربحيّة
يفرضها السّوق الجديد القائم على "تسليع" المنتجات الثقافيّة، حتّى تلك
التي تشكّل جزءًا من تراثنا؟ ولنتساءل أيضا عن مدى ثبات قيمة الفنّ الشعبي إذا ما
أُفرغ من معانيه ورمزيّته، وأُقحم في ديناميكيّة "تحديث" مفتعل.
أفلا يمسّ هذا التحديث المستمرّ بخصوصيّة
التراث ويشوّه ملامح هويّته أم أنّ الفنّ الشعبي يمتلك من المرونة ما يجعله قادرًا
على إعادة إنتاج نفسه داخل السّوق من دون أن يفقد خصوصيته؟
الفن الشعبي.. رحلة مقاومة
يمكن تعريف الفن الشعبي بأنّه مجموعة من
الفنون تولد من رحم المجتمع وتتوارثها الجماعات لتعبّر عن هويّتها وذاكرتها
وعاداتها. وتشمل هذه الفنون الموسيقى والرقص والمسرح والأدب والفنون البصرية. ففي
تونس نجد المالوف والمزود، وفي الجزائر الراي، وفي مصر الأغنية الشعبية، وفي بلاد
الشام الدبكة، وفي الخليج السامري. وعلى مستوى الرقص، تبرز الدبكة وأحيدوس
والعلاوي، إلى جانب الرقصات الفلكلورية التونسية. أمّا في المسرح، فيبرز خيال الظل
والحكواتي وعروض المهرّجين، بينما يتمثّل الأدب الشعبي في الحكايات والأساطير
والأمثال والألغاز والسير الشعبية، مثل السيرة الهلالية. وفي الفنون البصرية،
يتجلّى الفن الشعبي في الزخارف التقليدية، والنسيج اليدوي، والسجاد، والفخار،
والتطريز الفلسطيني، والحلي التقليدية.
نعتقد أنّ "استثمار" الذكاء الاصطناعي في الأغنية الشعبية التونسية وإعادة إنتاجها في قوالب بصريّة جديدة، لا يمثّل بالضرورة اعترافًا بقيمتها الثقافية بقدر ما يعكس حاجة تجاريّة يفرضها منطق الصّناعة الثقافيّة في البيئة الرقمية. فلم تعد أهمية الممارسة الثقافية تُقاس بما تثيره من أسئلة، بقدر ما تقاس بقدرتها على صناعة "الترند".
وبما أنّنا اخترنا الحديث عن الأغنية
الشّعبية، وتحديدًا المزود بوصفه جزءًا من هذا الفن الشعبي، فإنّ هذه الأغنية في
تونس قد أدّت عبر التاريخ دورًا يتجاوز الترفيه فخلّدت أسماء مقاومين مثل محمد
الدغباجي. ووثّقت أحداثا مفصلية مثل ثورة
علي بن غذاهم. ونقلت تجارب حياتيّة
لمواطنين وقصص معاناة وحبّ وغيرها من الحكايا ومع ذلك لم يسلم من التّهميش منذ
أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى التّسعينيات تقريبا فكان ممنوعا على التّلفزيون
التّونسي والاعلام العمومي بإرادة من السّياسة الثّفافيّة التي كانت تمنحه مكانة
دونيّة مقارنة ببقيّة الفنون. أمّا المفارقة الكبرى فإنّ هذا الفن فقد حافظ على
استمراريته داخل الفضاءات الشّعبية والمناسبات الاجتماعية، قبل أن يعود اليوم بقوة
عبر المنصات الرقمية.
الثّقافة والسّوق "الاصطناعي"
منذ أكثر من سبعين عامًا، صاغ كلّ من ماكس
هوركهايمر وتيودور أدورنو مفهوم الصّناعة الثقافية في كتابهما جدل التّنوير.
فسلّطا الضوء على مسار تحوّل المنتج الثقافي إلى سلعة تخضع لمعايير السوق أكثر من
المعايير الفنيّة والقيميّة. وخلصا إلى أنّ الجمهور لم يعد متلقيّا فحسب بل أصبح
مستهلكًا داخل منظومة إنتاجيّة واستهلاكيّة تعمل على توحيد الأذواق وإعادة تشكيلها
بما يحدّ من التفكير النقدي وإغراق الأفراد في التّرفيه والاستهلاك. ومن ثمّة لم
يعد الفن يؤدي دوره الثقافي كاملا. وفي الواقع هذا ليس بالغريب إذا كانت الثّقافة
نفسها قد أصبحت تستجيب لشروط السوق. وقد يزداد الأمر تعقيدا اليوم مع المنصّات
الرقمية والخوارزميات التي لم تعد تكتفي بترويج الأعمال الفنية بل أصبحت تؤثر حتّى
في مسار إنتاجها. فيختار الفنّان فكرة الأغنية وكلماتها وفق شروط انتشارها التي
يجب أن تكون متوافقة و حتما مع شروط المنصات ومعاييرها.
وقد يبدو هذا التّحوّل الأكثر خطورة حين
يمتد إلى التراث نفسه. فلم يعد الذّكاء الاصطناعي يكتفي بإعادة توزيع الأغاني
التراثية. إنّه يعيد إنتاجها داخل قوالب بصريّة جديدة قد تمنحها انتشارًا كبيرا
لكنها قد تُبعدها عن سياقها الثقافي والاجتماعي الأصلي. وهكذا أصبحت المنصات
الرقمية تؤثر في أنماط استهلاك المنتجات الثقافيّة.
يبدو أنّ الفن الشعبي يواجه اليوم شكلا آخرا من الهيمنة ويبدو أنّ السلطة التي كانت تتحكّم في الثقافة قد تغيّرت. فإذا كانت الدولة قد مارست وصايتها على الذوق العام في القرن العشرين، فاليوم قد انتقل جانبا كبيرا من هذه السّلطة إلى السوق والخوارزميات، التي أصبحت تتحكّم في الكيفية التي يُعاد بها إنتاج التراث نفسه.
وليس هذا التحول معزولًا عن تغيّر مفهوم
الثقافة ذاته. فبعد أن كان الصّراع الفكري يدور حول حماية الثقافة من منظومة
السّوق، أصبح التحدي اليوم أكثر تعقيدًا في ظل اقتصاد المنصات: حيث تفرض
الخوارزميات إلى جانب منطق "الترند" والرعاية الإعلانية، معايير جديدة
تحدد ما يُنتج وما ينتشر وما يختفي.
ماذا يفعل الذّكاء الاصطناعي بالفن الشعبي؟
نعتقد أنّ "استثمار" الذكاء
الاصطناعي في الأغنية الشعبية التونسية وإعادة إنتاجها في قوالب بصريّة جديدة، لا
يمثّل بالضرورة اعترافًا بقيمتها الثقافية بقدر ما يعكس حاجة تجاريّة يفرضها منطق
الصّناعة الثقافيّة في البيئة الرقمية. فلم تعد أهمية الممارسة الثقافية تُقاس بما
تثيره من أسئلة، بقدر ما تقاس بقدرتها على صناعة "الترند".
وتكمن المعضلة الحقيقيّة في أنّ الذكاء
الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح شريكا في إعادة إنتاج الأغاني التراثية ومنحها
هويات بصرية جديدة. ليتحوّل الفن الشعبي من تعبير حي عن المجتمع إلى علامة تجارية
أو منتج سياحي أو مادة قابلة لإعادة الإنتاج بما يتوافق مع ذوق المنصات الرقمية.
يبدو أنّ الفن الشعبي يواجه اليوم شكلا آخرا
من الهيمنة ويبدو أنّ السلطة التي كانت تتحكّم في الثقافة قد تغيّرت. فإذا كانت
الدولة قد مارست وصايتها على الذوق العام في القرن العشرين، فاليوم قد انتقل جانبا
كبيرا من هذه السّلطة إلى السوق والخوارزميات، التي أصبحت تتحكّم في الكيفية التي
يُعاد بها إنتاج التراث نفسه.
وبين وصاية الأمس وهيمنة اليوم، لا يبدو
التحدّي في استمراريّة الفن الشعبي من عدمه، بقدر ما يكمن في الحفاظ على خصوصيته
ووظيفته بوصفه تعبيرًا عن الذاكرة والهوية، لا مجرد منتج يخضع لمنطق السوق. فهل
ينجح الفن الشعبي في إعادة إنتاج نفسه داخل هذا الواقع الجديد؟