التربية النبوية لمشاعر الغضب.. النبي الكريم غضبه ونهيه عن الغضب

إيمان سفيان
"لا يكون الغضب لأي سبب وبدون مبرر"- Pixabay/Felipe
"لا يكون الغضب لأي سبب وبدون مبرر"- Pixabay/Felipe
شارك الخبر
مشاعر الغضب من المشاعر الفطرية في النفس البشرية، وليست من المشاعر المذمومة مطلقاً ولا من المشاعر المحمودة مطلقاً، لكنها تُحمد في مواطنها المطلوبة، وأوقاتها الصحيحة، وتُذمّ في أخرى. ولمّا كانت مشاعر الغضب كذلك، كان لا بد من نماذج عملية تبين الفرق وتوضح الكيفية، ولا أصدق دلالة ولا أصوب من فعله صلى الله عليه وسلم وسيرته، وفيما يلي أستعرض نموذجاً لغضب النبي الكريم وآخر لنهيه عن الغضب.

1. غضبه عليه الصلاة والسلام:

عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول اللّٰه واي ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرّ وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرُّمان، فقال: "أبهذا أُمرتُم أم بهذا أُرسلتُ إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم ألا تتنازعوا فيه".

يقول الملا علي القاري رحمه اللّٰه في وصف غضب النبي: "كان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب لله، فيشتد ذلك الغضب حتى يرى أثره من حمرة اللون ونحوها في وجهه الكريم".

ومما يلحظ في هذا الحديث من إشارات ودلالات:
على الرغم من كراهة الغضب وذمِّه إلا أنه ممكن الحدوث للمسلم في حال ضعفه، لذلك أرشد النبي الكريم إلى كيفية التعامل معه حال حدوثه

أولاً: في سبب غضبه؛ لأن الصحابة الكرام تنازعوا في سر من أسرار اللّٰه تعالى، وهو أمر كان قد نهاهم عنه، والخوض فيه مزلَّة أقدام ومُضلَّة أفهام، ولهذا قال النبي الكريم: "إذا ذُكِر القدر فأمسكوا".

ثانياً: في دافعه للغضب عليه السلام، وهو خوفه على صحابته من الهلاك بفعلهم ما نُهوا عنه، ومتابعتهم أحوال من كان قبلهم من الأمم في التنازع في القدر، فالخوف سببّ مشروع للغضب.

ثالثاً: في ظهور أثر غضبه على جسده الشريف (احمرار وجهه) إشارة إلى انفعال الجسد مع المشاعر وتأثيرها فيه، فتظهر واضحة جلية علامات التأثر، لذلك يلزم أن لا يكون الغضب لأي سبب وبدون مبرر؛ منعاً لتأثيراته السلبية في الجسم.

رابعاً: في غضبه وإظهاره لغضبه إشارة لكراهته للتنازع والاختلاف، وشدَّة إنكاره عليهم بهذه الصورة فيه حثٌّ لهم على ترك التنازع والاختلاف وتجنبه.

يقول ابن القيم: "وكان التنازع والاختلاف أشد شيء على رسول اللّه صلى الله عليه الصلاة والسلام، وكان إذا رأى من الصحابة اختلافاً يسيراً في فهم النصوص يظهر في وجهه حتى كأنّما فقئ فيه حَبُّ الرُّمان ويقول: بهذا أمِرتُم؟".

خامساً: استخدامه عليه السلام لأسلوب الاستفهام الاستنكاري في تعبيره عن غضبه استثارة لمشاعر الصحابة، ودعوة لانفعالهم معه، ومراجعتهم لأنفسهم في هذا الخطأ، وهو أدعى لاقتناعهم وضمان عدم عودتهم إلى التنازع.

2. نهيه عن الغضب وعلاجه له:

عن سُليمان بن صُرَد قال: كنتُ جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبَّان، فأحدهما احمرَّ وجهُهُ، وانتفخت أوداجه، فقال النبي: "إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد، فقالوا له: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوَّذ بالله من الشيطان".

عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه، أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْس الشَّدِيدُ بِالصُّرعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ". وعن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه، أنَّ رجلاً قال للنبيّ الكريم أوصني، قال: "لا تَغْضَبْ"، فردَّد مراراً، قال: "لا تغضَب".

فهذه الأحاديث فيها توجيهات نبويّة أنَّ المسلم مأمورُ بأن يُحكِم نفسه ويضبط انفعالاته، ويحرص دوماً على التعوذ من الشيطان وخطواته، مع ضرورة العلم أنَّ القوة والفتوة إنما هي في ضبط النفس والأفعال، ولهذا كانت الوصية بعدم الغضب من أفضل الوصايا؛ لأنه مفتاح كل شر، فكان من المناسب لطبيعة هذا الرجل الوصية له بعدم الغضب، ليكون في مأمن عن سوء العاقبة.

وفي هذه الأحاديث إشارات ودلالات لكيفية تربية النبي الكريم لمشاعر الغضب ومنها:

أولاً: الغضب من الشيطان وهو مصدر كل سوء وضرر، وهذا دليل على ذمّه وكراهيته والنّهي عنه، وأن المسلم المُحبَّ لله ورسوله يحرص على تجنُّب ما يبغضه اللّٰه ورسوله.

ثانياً: على الرغم من كراهة الغضب وذمِّه إلا أنه ممكن الحدوث للمسلم في حال ضعفه، لذلك أرشد النبي الكريم إلى كيفية التعامل معه حال حدوثه قائلاً: "فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" حتى لا يظن المسلم خروجه من دائرة الإسلام إذا غضب.

وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكن معناه صحيح، فالغضبُ يكون مِن فَوران الدم، ويشهد الطب لعظيم أثره. يقول الدكتور محمد نجاتي: "يشير هذا الحديث إلى حقيقة طبية معروفة، فالماء البارد يُهدّئ من فورة الدم الناشئة عن الانفعال، كما يساعد على تخفيف حالة التوتر العضلي والعصبي، ولذلك كان الاستحمام يستخدم في الماضي في العلاج النفسي".

استطاع النبيّ الكريم تربية الصحابة الكرام على التفريق بين الغضب المحمود، والمذموم وحُسن إدارته وضبطه والتعامل معه، مقدماً حلولاً عملية ومستعيناً باستدلالات عقلية

وهذا حلّ عمليّ لمواجهة الغضب وإدارته يتطلب جهداً بدنياً، فالوضوء فيه تنشيط للجسم وتهدئة للفكر وصرف له عن الحال الذي أغضبته، وفي هذا تعليم للمربين بتقديم العلاج والبدائل العملية وعدم الاكتفاء بالوعظ اللفظي أو الإنكار الكلامي، وهذا دليل على إيجابية المُربّي وحرصه على تغيير المتربي للأفضل وليس فقط نقده. ثم استخدام الاستدلال العقلي في تقديم الحلول من خلال بيان الرابط بين الوضوء وقدرته على إطفاء ثورة الغضب، فهذا الأسلوب ادعى للامتثال عن قناعة مع عدم العودة للخطأ.

ثالثاً: يُقرّر النبيُّ الكريم حقيقةِ مهمة؛ وهي أنَّ مقياس القوة الحقيقي ليس بشدة الغضب، ولا يوصف صاحبه بالقوة، بل مقتضى هذا أنَّ إظهار الغضب أو زيادته لن يكون وصفاً محموداً للعمل به، أو الحرص عليه، ولكن لتجنُّبه والابتعاد عنه.

رابعاً: يُقرّر النبيّ الكريم حقيقة أنَّ القوة في القدرة على ضبط الغضب، وحُسن إدارته وتمالك النفس، وهو بهذا يُحرّض المسلمين على التدرُّب على ضبط الغضب، وإظهار قوتهم وشدتهم في حُسن ضبطه وإدارة انفعالاتهم وسلوكياتهم.

خامساً: يُربّي النبيّ الكريم صحابته على تفرُّد المسلم بمقاييس القوة والضعف، وتميزه عن الناس فيها، وهي مقاييسُ تخضع لقيم الإسلام، وتنبع من تعاليمه في رفض الغضب والدّعوة للحلم والهدوء.

ممّا سبق تبيَّن كيف استطاع النبيّ الكريم تربية الصحابة الكرام على التفريق بين الغضب المحمود، والمذموم وحُسن إدارته وضبطه والتعامل معه، مقدماً حلولاً عملية ومستعيناً باستدلالات عقلية، وعلى الوالدين الحرص على هذه المفاهيم واستثمارها وتفعيلها في مشوارهم لتربية مشاعر الغضب عند أولادهم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)