المقهى لم يعد كما كان.. كيف يعيد الاتصال الرقمي تشكيل الفضاء الاجتماعي؟

لم تعد متابعة المباريات مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت لحظة رمزية تُترجم فيها مشاعر الانتماء الوطني، ما منح المقاهي دورا جديدا بوصفها فضاءات لإعادة إنتاج هذا الشعور بشكل جماعي وعلني.
لم تعد متابعة المباريات مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت لحظة رمزية تُترجم فيها مشاعر الانتماء الوطني، ما منح المقاهي دورا جديدا بوصفها فضاءات لإعادة إنتاج هذا الشعور بشكل جماعي وعلني.
شارك الخبر
لم يعد المقهى في العالم اليوم ذلك الفضاء التقليدي الذي يُقصد لاحتساء القهوة وتبادل الأحاديث العابرة، بل تحوّل تدريجيا إلى مساحة متعددة الوظائف تعكس اختلافات ثقافية واجتماعية بين المجتمعات. ففي العالم العربي، يبرز المقهى الرياضي بوصفه فضاءً جماعياً لمتابعة المباريات الكبرى، حيث تتحول الشاشات الكبيرة إلى نقطة جذب تُعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية حول لحظة كرة القدم، بينما يتخذ المقهى في كثير من المدن الغربية منحى مختلفا، أقرب إلى "المكتب المفتوح" أو مساحة العمل والدراسة، حيث يُقصد للقراءة وإنجاز المهام أكثر من الترفيه.

في المقاهي الرياضية العربية، خصوصاً خلال بطولات كأس العالم أو المباريات الدولية الكبرى، يتجلى المقهى كبديل عن الملعب، إذ يجتمع الزبائن حول حدث واحد، وتتداخل فيه الانفعالات الفردية مع الحالة الجماعية، في مشهد يعكس حضور الرياضة كأحد أبرز عناصر الثقافة الشعبية الحديثة. هذا النمط يعيد إنتاج فكرة "الفرجة الجماعية"، حيث تصبح القهوة خلفية لحالة من التفاعل العاطفي والانتماء، أكثر مما هي مشروب يومي.

في المقابل، تطورت في عدد من المدن الغربية ظاهرة "المقاهي المكتبية" أو ما يُعرف بـ"co-working cafés"، حيث يتحول المقهى إلى مساحة عمل بديلة عن المكتب التقليدي أو المنزل. هنا، يجلس الزبائن مع حواسيبهم المحمولة وكتبهم، في بيئة هادئة نسبيا، تسمح بالتركيز الفردي داخل فضاء عام، ما يعكس تحولا في علاقة الفرد بالعمل والمعرفة، وفي مفهوم الخصوصية داخل المجال العام.


تطورت في عدد من المدن الغربية ظاهرة "المقاهي المكتبية" أو ما يُعرف بـ"co-working cafés"، حيث يتحول المقهى إلى مساحة عمل بديلة عن المكتب التقليدي أو المنزل. (جيتي)

هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف أنماط الاستهلاك الثقافي، بل يكشف أيضاً عن طبيعة العلاقة مع الوقت والفضاء العام. ففي النموذج الرياضي العربي، يطغى البعد الجماعي والانفعالي، حيث تُستهلك اللحظة في الزمن الحاضر المشترك، بينما في النموذج الغربي المكتبي، يبرز البعد الإنتاجي الفردي، حيث يُعاد توظيف المقهى كامتداد لمجال العمل والدراسة.

غير أن هذا التقسيم لم يعد صارما كما كان في السابق، إذ بدأت الحدود بين هذه الأنماط تتداخل بفعل التحولات الرقمية وثقافة الاتصال الدائم. فانتشار الإنترنت عالي السرعة، والعمل عن بعد، ومنصات البث المباشر، كلها عوامل ساهمت في إعادة تعريف المقهى كفضاء مرن، يمكن أن يكون ملعباً جماهيرياً مساءً، ومكتباً رقمياً نهاراً، وهو ما يجعل سؤال التحول الثقافي للمقهى سؤالا مفتوحا حول علاقة الإنسان المعاصر بالزمان والمكان.

وفي هذا السياق، يبرز النموذج المغربي بوصفه حالة خاصة، حيث تتقاطع التحولات العالمية مع دينامية محلية مرتبطة بالصعود اللافت لكرة القدم الوطنية، خصوصا بعد الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم 2022 بقطر بوصوله إلى نصف النهائي، وهو ما أعاد تشكيل علاقة الجمهور بالمباريات، وبالفضاءات التي تُتابع فيها.

فقد أصبحت المقاهي في المدن الكبرى والمتوسطة في المغرب بمثابة "مدرجات شعبية" مفتوحة، تتقاطع فيها الانفعالات الجماعية مع لحظات التشجيع الوطني، حيث تتحول مباريات المنتخب، خصوصا في البطولات الدولية، إلى أحداث اجتماعية كبرى يتجاوز تأثيرها حدود الرياضة نحو بناء لحظة جماعية من الانتماء والفرح المشترك.

ويلاحظ أن هذا التحول لم يبق محصورا في الفئات التقليدية من رواد المقاهي، إذ باتت النساء حاضرات بشكل متزايد في هذه الفضاءات خلال المباريات، سواء بشكل فردي أو ضمن مجموعات، في مؤشر على تغير تدريجي في طبيعة استخدام الفضاء العام المرتبط بالرياضة والترفيه داخل المجتمع المغربي.

ويرتبط هذا التحول أيضا بدور القنوات الرياضية الدولية، وعلى رأسها شبكة "بي إن سبورت" (beIN Sports)، التي أصبحت الناقل الأساسي لمباريات المنتخب الوطني في مختلف الاستحقاقات، ما جعل المقاهي الخيار الأكثر انتشارا لمتابعة البث المباشر بجودة عالية وتجربة جماعية يصعب توفيرها داخل الفضاء المنزلي.

غير أن هذا الصعود للمقاهي الرياضية لم يُحدث قطيعة مع البنية القيمية للمجتمع المغربي، إذ تشير الملاحظة الاجتماعية إلى أن هذه الفضاءات ظلت، رغم التحول في وظيفتها، محافظة على جملة من الضوابط الأخلاقية والسلوكية المرتبطة بالثقافة العامة، سواء في ما يتعلق بالالتزام بالقيم الدينية أو بالاحترام المتبادل داخل الفضاء العام.

كما يُلاحظ استمرار حضور القيم الأسرية داخل هذا المشهد الاجتماعي، حيث لا يزال احترام الأسرة، وفي مقدمتها الوالدين، يشكل مرجعية سلوكية واضحة حتى داخل فضاءات الترفيه الجماعي، بما يعكس قدرة المجتمع على التوفيق بين أنماط الفرجة الحديثة وبين منظومته القيمية التقليدية.

ويُفسر باحثون هذا التوازن بكون التحولات المرتبطة بالمقاهي الرياضية جاءت في سياق تطور طبيعي لنمط العيش الحضري، وليس في إطار قطيعة ثقافية، بل ضمن مسار أوسع من إعادة تشكيل الفضاء العمومي تحت تأثير الإعلام الرقمي وتغير أنماط التواصل.

وفي المقابل، ساهم صعود المنتخب المغربي على الساحة الدولية في تعزيز هذا النمط من التفاعل الجماعي، إذ لم تعد متابعة المباريات مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت لحظة رمزية تُترجم فيها مشاعر الانتماء الوطني، ما منح المقاهي دورا جديدا بوصفها فضاءات لإعادة إنتاج هذا الشعور بشكل جماعي وعلني.

وبين التحول في وظيفة المقهى وإعادة تعريفه عالميا بفعل الاتصال الرقمي، وبقاء استمرارية القيم الاجتماعية في السياق المغربي، يبدو أن المغرب يشهد تشكلا لنموذج هجين، يجمع بين الحداثة الرقمية والفرجة الجماعية من جهة، والثقافة الاجتماعية المحافظة من جهة أخرى، في سياق يعكس قدرة المجتمع على التكيف مع التحولات دون فقدان مرجعياته الأساسية.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع