أطلقت مؤسسة جائزة "بوكر" الأدبية
مبادرة جديدة تهدف إلى توسيع قاعدة القراء ومواجهة ما بات يوصف بـ"أزمة
القراءة" بين البالغين في
بريطانيا، وذلك عبر إصدار مجموعة قصصية قصيرة
منخفضة التكلفة تضم أعمالاً لعدد من أبرز الكتّاب الحائزين على الجائزة.
وتحمل المجموعة الجديدة عنوان "All Around the World" (حول
العالم)، وتضم نصوصاً أدبية لكتّاب بارزين، من بينهم آن إنرايت، وديفيد زالاي،
والكاتبة البريطانية الصومالية ناديفا محمد، فيما أشرف على اختيار النصوص الروائي
الأيرلندي رودي دويل، الفائز السابق بجائزة بوكر.
وتأتي المبادرة في وقت تكشف فيه مؤشرات
مقلقة بشأن عادات القراءة في المملكة المتحدة، إذ أظهرت بيانات أولية من تقرير
مرتقب بعنوان "حالة القراءة لدى البالغين" أن أكثر من نصف المشاركين (55
بالمئة) يقرؤون أقل مما يرغبون، بينما يواجه أكثر من ثلث البالغين صعوبة في إكمال
الكتب حتى نهايتها.
أزمة تتجاوز الوقت إلى التمثيل الثقافي
وتشير النتائج إلى أن تراجع القراءة لا
يرتبط فقط بضيق الوقت أو ضغوط الحياة اليومية، بل يمتد إلى شعور شريحة من القراء
بعدم تمثيل هوياتهم وتجاربهم داخل الكتب المتاحة.
وأفاد نحو 19 بالمئة من الشباب الذين تتراوح
أعمارهم بين 16 و24 عاماً بأنهم لا يجدون بسهولة أنفسهم أو ثقافاتهم ممثلة في
الأعمال الأدبية، ما يعكس تحدياً متزايداً أمام صناعة النشر في مجتمع متعدد
الخلفيات الثقافية.
وتطرح هذه النتائج أسئلة أعمق حول علاقة
الأدب بالمجتمع المعاصر، ومدى قدرة المؤسسات الثقافية على إنتاج سرديات أكثر
شمولاً تعكس التنوع الاجتماعي والثقافي المتزايد داخل بريطانيا.
كتب بسعر رمزي
وسيتم طرح المجموعة القصصية الجديدة ضمن
مشروع "Quick Reads" الذي يحتفل
هذا العام بمرور عشرين عاماً على تأسيسه بهدف تعزيز القراءة ومهارات محو الأمية
بين البالغين.
وسيتمكن القراء من الحصول على الكتاب مقابل
جنيه إسترليني واحد فقط، فيما تعتزم مؤسسة "بوكر" التبرع بنحو 12 ألف
نسخة للأشخاص الذين يواجهون عوائق تحول دون وصولهم إلى الكتب، بما في ذلك
المستفيدون من برامج القراءة داخل السجون.
كما ستُتاح النسخة الرقمية والسمعية مجاناً
لقرّاء مجلة "بيغ إيشو" البريطانية، إلى جانب توزيع مئات النسخ الورقية
عبر باعة المجلة المنتشرين في عدد من المدن البريطانية.
القراءة كأداة للاندماج والرفاه النفسي
وفي تعليقه على المشروع، وصف رودي دويل في
تصريحات نشرتها "الغارديان" اليوم، المجموعة الجديدة بأنها "دعوة
مفتوحة إلى القراءة"، معتبراً أن الأدب يصبح أكثر جذباً عندما تُزال الحواجز
التي تمنع الناس من الاقتراب منه.
وأضاف أن كثيرين يعتقدون أن الكتب لا تتحدث
عن عالمهم أو تجاربهم الشخصية، لكن القصص المختارة في هذا المشروع تسعى إلى توفير
"نقاط دخول" متنوعة تساعد القارئ على اكتشاف نفسه داخل النص الأدبي.
من جهته، قال أحد باعة مجلة "بيغ
إيشو" في لندن، "للغارديان": إن القراءة تشبه إلى حد كبير ممارسة
التأمل الذهني، لأنها تنقل الإنسان إلى عوالم مختلفة دون أن تفصله عن واقعه اليومي.
تحديات العصر الرقمي
وتكشف البيانات أن فقدان الاهتمام أثناء
القراءة يمثل السبب الأكثر شيوعاً وراء عدم إكمال الكتب، إذ قال أربعة من كل عشرة
مشاركين إنهم يتوقفون عن القراءة لأنهم يفقدون الحماس تجاه الكتاب.
كما أشار 22 بالمئة إلى ضيق الوقت بوصفه
العائق الرئيسي أمام القراءة المنتظمة، بينما اعتبر 21 بالمئة أن ارتفاع أسعار
الكتب يحدّ من قدرتهم على شراء الأعمال الأدبية.
وتعكس هذه المؤشرات تحولات أوسع في أنماط
الاستهلاك الثقافي خلال العصر الرقمي، حيث تتنافس الكتب مع منصات التواصل
الاجتماعي وخدمات البث المرئي والمحتوى السريع على وقت الجمهور وانتباهه.
وتؤكد مؤسسة "وكالة القراءة"
البريطانية أن جعل الكتب أكثر سهولة في الوصول، وأكثر ارتباطاً بحياة الناس
اليومية، يظل أحد أهم السبل لإعادة بناء علاقة الجمهور بالقراءة، في وقت تتزايد
فيه المخاوف من تراجع معدلات التركيز والانخراط العميق في المحتوى الثقافي.