هيمنت موضوعات الذاكرة والمنفى على عدد كبير
من الترشيحات، إذ أوصى الطبيب والمحلل النفسي البريطاني ستيفن غروس بقراءة مذكرات
الكاتب النمساوي الراحل "ستيفان
زفايغ عالم الأمس"، التي تُعد من أبرز الشهادات الأدبية على انهيار أوروبا
وصعود الفاشية وتجربة المنفى. وفي السياق ذاته، لفتت الروائية "سارة ووترز" إلى أهمية مذكرات
الكاتبة الأمريكية "قصص
الأشباح لسيري هوستفيت"، التي تستعيد فيها حياتها مع زوجها الروائي الراحل بول أوستر.
ويبرز التاريخ بوصفه أحد المحاور الكبرى
للقائمة، حيث رشّح المؤرخ ويليام
دالريمبل مجموعة من الأعمال التي تعيد النظر في التصورات التقليدية عن الماضي. ومن
بينها كتاب "هذا
العالم الصغير" للباحثة نانديني داس،
الذي يكشف الطابع الكوزموبوليتاني للعالم الإنجليزي في القرنين السادس عشر والسابع
عشر، في مواجهة السرديات القومية الضيقة. كما أشاد بأعمال تستحضر حضارات قديمة مثل
بابل والإسكندر الأكبر، في محاولة لفهم جذور العالم المعاصر.
أما قضايا الهوية والهجرة والعِرق، فقد حضرت
بقوة عبر توصيات عدة. فالروائية زادي سميث اختارت
كتاب" جزء من القصة"
للناشرة والمثقفة الغانية البريطانية مارغريت بوسبي،
الذي يوثق نصف قرن من الاهتمام بأدب أفريقيا والشتات الأفريقي. كما أوصى الروائي
الأميركي غاري
شتاينغارت برواية "رجال
مثل رجالنا" التي تتناول تجربة المهاجرين في الولايات المتحدة بلغة ساخرة
تجمع بين الفكاهة والنقد الاجتماعي.
من اللافت أن كثيراً من الترشيحات ابتعدت عن الرواية التقليدية لصالح نصوص هجينة تمزج بين التاريخ والسيرة والتحقيق الاجتماعي. ويتجلى ذلك في كتاب "قال الموتى" للكاتبة الإيرلندية دويرين ني غريوفا، الذي يستند إلى أرشيف مصح عقلي في مدينة كورك، ويعيد بناء أصوات المهمشين والمنسيين بأسلوب أدبي يمزج الوثيقة بالتخييل.
وفي ظل تصاعد النقاشات العالمية حول حقوق
المرأة والتغير المناخي، برزت الأعمال النسوية ضمن أبرز اختيارات الكُتّاب. فقد
رشحت الروائية البنغالية البريطانية تهيمة أنام كتاب "النسوية من أجل عالم مشتعل" للكاتبة "ناتاشا والتر"، الذي يدعو إلى
حركة نسوية جماعية تربط بين مقاومة التمييز ضد النساء ومواجهة الأزمة البيئية
العالمية.
كما كشفت القائمة عن عودة قوية لأدب السيرة
والمذكرات بوصفه أحد أكثر الأجناس الأدبية جاذبية لدى القراء. فإلى جانب مذكرات
هوسطفيت، أوصت الكاتبة برناردين
إيفاريستو بمذكرات الروائي والشاعر ريموند
أنتروبوس "الأذن الهادئة"، التي تتناول تجربته مع الصمم وهويته
الجامايكية البريطانية، فيما اختارت أعمالاً تستكشف الطفولة والعائلة والعلاقة
المعقدة مع الأمهات، ومنها مذكرات الكاتبة الهندية أرونداتي روي.
ومن اللافت أن كثيراً من الترشيحات ابتعدت
عن الرواية التقليدية لصالح نصوص هجينة تمزج بين التاريخ والسيرة والتحقيق
الاجتماعي. ويتجلى ذلك في كتاب "قال الموتى" للكاتبة الإيرلندية دويرين ني غريوفا،
الذي يستند إلى أرشيف مصح عقلي في مدينة كورك، ويعيد بناء أصوات المهمشين
والمنسيين بأسلوب أدبي يمزج الوثيقة بالتخييل.
وتكشف اختيارات "الغارديان" في
مجملها عن مشهد ثقافي عالمي تتراجع فيه الحدود بين الأدب والفكر والتاريخ، حيث لم
تعد
القراءة الصيفية مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت نافذة لفهم التحولات الكبرى
التي يعيشها العالم، من أزمات الهوية والمنفى إلى أسئلة العدالة الاجتماعية
والبيئية، في وقت يبدو فيه الأدب أكثر انشغالاً من أي وقت مضى بتفسير الواقع
وإعادة مساءلته.
https://www.theguardian.com/books/2026/jun/13/what-to-read-this-summer-by-mark-haddon-samantha-harvey-zadie-smith-and-more
ماذا تكشف القائمة عمّا لا يُقرأ؟
ولا تقل أهميةً عن الكتب الحاضرة في
القائمة، الموضوعات الغائبة عنها. فبينما يعيش العالم على وقع حروب دامية في غزة
وأوكرانيا والسودان وإيران ومناطق أخرى، يكاد يغيب الانشغال المباشر بالمشاهد
الإنسانية الناجمة عن هذه الصراعات أو بالأسئلة الكبرى المتعلقة بأسباب الحروب
وبنيتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية. صحيح أن بعض الأعمال تلامس قضايا المنفى
والاقتلاع والهوية، لكنها تفعل ذلك غالباً من زاوية فردية أو تاريخية، لا من زاوية
الاشتباك مع الحروب الجارية التي تشكل الوعي العالمي الراهن. كما يلفت الانتباه
الغياب شبه الكامل للبعد الديني بوصفه موضوعاً فكرياً أو حضارياً مستقلاً، رغم
تصاعد تأثير الدين في النزاعات الدولية والنقاشات المرتبطة بالهوية والهجرة والقيم
العامة في الغرب وخارجه.
ومن الملاحظ أيضاً أنه رغم الحضور الواضح
للأدب الأفريقي وأدب الشتات الأفريقي في اختيارات عدد من الكتّاب، فإن الأدب
العربي المترجم يبدو غائباً تماماً عن المشهد. فلا تظهر أي رواية أو سيرة أو عمل
فكري عربي ضمن الترشيحات، وهو ما يثير تساؤلات حول موقع الثقافة العربية في سوق
الترجمة العالمية، وحول قدرة المؤسسات الثقافية العربية على إيصال إنتاجها الأدبي
إلى دوائر التأثير والنقد والقراءة في الغرب، خصوصاً في ظل الحضور المتزايد لآداب
آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وتفتح هذه القائمة باب المقارنة مع الواقع
الثقافي العربي، حيث يبدو تقليد "القراءة الصيفية" شبه غائب عن المؤسسات
الإعلامية والأكاديمية والثقافية. ففي الوقت الذي تخصص فيه الصحف الغربية الكبرى
مساحات واسعة لتوجيه القراء نحو كتب مختارة وتستعين بأسماء أدبية وفكرية مرموقة
لصناعة مواسم قراءة عامة، تنشغل مؤسسات عربية كثيرة بمواسم المهرجانات والفعاليات
الاحتفالية الصاخبة، فيما يتراجع الاهتمام ببناء عادة القراءة أو تحفيز الجمهور
على اكتشاف الكتب ومناقشتها. والنتيجة أن الثقافة تتحول في كثير من الأحيان إلى
حدث عابر أو عرض جماهيري، بدلاً من أن تكون مشروعاً معرفياً مستداماً يراكم الوعي
ويصنع جمهوراً قارئاً قادراً على التفاعل النقدي مع أسئلة عصره.
اظهار أخبار متعلقة