من الاحتجاج إلى اليوتوبيا.. نساء الأدب يكتبن سيناريوهات كسر الهيمنة

ترى الكاتبة والروائية البريطانية من أصول بنغلادشية تهيمة أنام أن الأدب كثيراً ما منح النساء مساحات للتمرد داخل عوالم متخيلة حين تعذر ذلك في الواقع.. فيسبوك
ترى الكاتبة والروائية البريطانية من أصول بنغلادشية تهيمة أنام أن الأدب كثيراً ما منح النساء مساحات للتمرد داخل عوالم متخيلة حين تعذر ذلك في الواقع.. فيسبوك
شارك الخبر
تعود الكاتبة والروائية البريطانية من أصول بنغلادشية تهيمة أنام Tahmima Anam إلى طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن للأدب أن يصنع أشكالاً بديلة للمقاومة عندما تضيق مساحات الواقع؟ وهل تستطيع الرواية أن تمنح النساء ما تعجز السياسة والمجتمعات عن تقديمه؟

في مقال مطول نشرته الكاتبة في صحيفة "الغارديان" اليوم، استعرضت تجربتها الشخصية التي قادتها إلى كتابة روايتها الجديدة، وربطت بين عوالم الأدب النسوي التخيلية وأشكال التمرد النسائي في مواجهة أنماط الهيمنة الذكورية الممتدة في التاريخ والمجتمع المعاصر.

جزيرة معزولة تتحول إلى سؤال إنساني


تعود بداية الحكاية إلى جزيرة "بانيشانتا" في جنوب بنغلادش، وهي جزيرة صغيرة تضم واحداً من أقدم بيوت الدعارة المرخصة في البلاد. تقول أنام إنها سمعت عن الجزيرة للمرة الأولى قبل أكثر من عقد أثناء رحلة نحو غابات المانغروف الشهيرة في بنغلادش، لكن صورة النساء اللواتي يعشن هناك بقيت تطاردها سنوات طويلة.

وعندما تمكنت أخيراً من زيارة الجزيرة عام 2024، وجدت فضاءً هشاً وقاسياً: أكواخ بسيطة على امتداد أرض موحلة، ونساء تتراوح أعمارهن بين الشابات وكبيرات السن، يحملن آثار الحياة الصعبة على ملامحهن، لكنهن في الوقت نفسه احتفظن بفضول إنساني ودفء لافت في التعامل مع الغرباء.

وتوضح الكاتبة أن زيارتها لم تكن مجرد رحلة ميدانية، بل تحولت إلى مدخل لفهم أشكال التهميش الاجتماعي والاقتصادي والجندري، وإلى دافع لإعادة التفكير في علاقة الأدب بالواقع.

من الواقع المؤلم إلى التخييل المقاوم


بدلاً من كتابة شهادة مباشرة عن حياة النساء في الجزيرة، اختارت أنام طريقاً مختلفاً: بناء عالم روائي متخيّل تدور أحداثه على جزيرة افتراضية تشهد انتفاضة نسائية ضد أنظمة السيطرة والقهر.

وترى أن الأدب كثيراً ما منح النساء مساحات للتمرد داخل عوالم متخيلة حين تعذر ذلك في الواقع، مشيرة إلى عدد من الأعمال الأدبية التي صاغت مجتمعات بديلة قلبت موازين القوة التقليدية بين الرجال والنساء.

من بين هذه الأعمال رواية "حكاية الخادمة" The Handmaid's Tale التي ابتكرت عالم "جلعاد" الخاضع لسلطة دينية صارمة، ورواية "السلطة" The Power التي منحت النساء قدرة جسدية استثنائية قلبت التراتب الاجتماعي السائد.

وتعتبر أن هذه الأعمال لا تقدم مجرد خيال أدبي، بل تمنح القارئ تصوراً لإمكانات التغيير، وتفتح الباب أمام تخيل أنماط أخرى للحياة والسلطة والعلاقات الاجتماعية.

"ليسيستراتا".. أول إضراب نسائي في الأدب


وتستعيد أنام واحدة من أشهر صور الاحتجاج النسائي في الأدب الكلاسيكي، وهي مسرحية " ليسستراتا" Lysistrata التي كتبها أريستوفان عام 411 قبل الميلاد.

في هذه المسرحية تقود البطلة "ليسيستراتا" إضراباً نسائياً يمتنع خلاله النساء عن العلاقات الزوجية للضغط على الرجال وإنهاء الحروب المستمرة آنذاك بين المدن اليونانية.

ورغم أن النص كُتب في سياق تاريخي مختلف، فإن الكاتبة ترى أنه شكّل نموذجاً مبكراً لفكرة الاحتجاج الجماعي النسائي القائم على إعادة تعريف أدوات القوة داخل المجتمع.

من الأدب إلى الحركات الاجتماعية المعاصرة


وترى أنام أن بعض الأفكار التي ظهرت في الأعمال الأدبية وجدت انعكاسات لها في الواقع الحديث، مشيرة إلى حركة "4B" في كوريا الجنوبية التي تدعو النساء إلى رفض أربعة عناصر تعتبرها ركائز للنظام الأبوي: المواعدة والزواج والعلاقات الجنسية والإنجاب.

كما تشير إلى رواية "النباتية" The Vegetarian التي تقدم بطلة تتخذ سلسلة قرارات تبدو شخصية لكنها تتحول تدريجياً إلى شكل من أشكال الاحتجاج الصامت ضد التوقعات الاجتماعية المفروضة عليها.

وبحسب الكاتبة، فإن قوة هذه الشخصيات لا تأتي من المواجهة المباشرة فحسب، بل أيضاً من قدرتها على الانسحاب من الأدوار التقليدية ورفض الامتثال لما يُطلب منها.

"أرض السيدات".. عالم بلا سلطة ذكورية


وتتوقف أنام كذلك عند عمل مبكر يعد من أولى اليوتوبيا النسائية في الأدب الحديث، وهو حلم السلطانة Sultana's Dream الصادر عام 1908.

تصور الرواية مجتمعاً يحمل اسم "أرض السيدات" أو "ليدي لاند"، حيث تتولى النساء إدارة الدولة والعلم والحياة العامة، بينما يعيش الرجال في عزلة داخل المنازل، في انعكاس معكوس للقيود الاجتماعية التي كانت مفروضة على النساء في تلك الفترة.

وترى أن هذه النماذج الأدبية لا تدعو بالضرورة إلى إقصاء الرجال، وإنما تسعى إلى اختبار حدود الممكن، وتخيل عوالم مغايرة تعيد النظر في علاقات القوة السائدة.

الأدب بوصفه مساحة للأمل


وتخلص الكاتبة إلى أن المجتمعات لا تستطيع تغيير واقعها ما لم تتمكن أولاً من تخيل بدائل مختلفة له.

وتقول إن روايتها الجديدة منحت نساء الجزيرة المتخيلة انتصاراً رمزياً، حيث يرفضن الخضوع للقواعد القائمة، ويصنعن أشكالاً خاصة من العصيان الجماعي، في محاولة لتحويل الأدب إلى مساحة تمنح أملاً في مواجهة ما تصفه بـ"الهيمنة الذكورية المتفاقمة".

وبين الواقع والتخييل، تبدو الفكرة الأساسية التي تطرحها أنام أكثر اتساعاً من مجرد الدفاع عن النساء وحدهن؛ فالأدب، في تصورها، لا يكتفي بوصف العالم كما هو، بل يسعى أيضاً إلى تخيل العالم كما يمكن أن يكون.
التعليقات (0)