في ذكرى القيام المشؤوم، وما تعج به المنطقة
من متغيرات، فإن علينا إنعاش الذاكرة، خصوصًا عند من يربطون أمن وتقدم دولهم
وشعوبهم بإسرائيل، التي لم تمارس إرهابها على
الفلسطينيين وحدهم، بل طال حتى
اليهود الذين رفضوا الهجرة إليها. وكان من نتائج قيامها أجهاض أي حلم في الحرية
والتقدم. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم: "دولة
الإرهاب: كيف خلق الإرهاب
إسرائيل الحديثة"، رغم أنه إصدار 2016، إلا أن يلخص ماضي الصراع، وحاضره،
ومخاطر المستقبل. وهو من تأليف المؤرخ توماس سواريز، وإصدار أوليف برانش برس.
عرض موجز للكتاب
في 13/4/1948، بعد أربعة أيام من مذبحة دير
ياسين، صدر بيان صحفي لجماعة إرغون الصهيونية بزعامة مناحم بيغن، جاء فيه:
"نعتزم الهجوم والغزو والاحتفاظ بالأرض حتى نمتلك كامل فلسطين وشرق الأردن في
دولة يهودية كبرى. وهذا الهجوم هو الخطوة الأولى. 1948". تكشف هذه المذبحة
وغيرها من المذابح الإساس الإرهابي الذي قام عليه الكيان ويحكم تصرفاته حتى اليوم.
فالصراع المستمر بين إسرائيل والفلسطينيين ليس صراعًا معقدًا غامضًا بين عدوين
تاريخيين؛ وإنما قصة مأساوية واحدة وفق أدلة دامغة من الأرشيفين البريطاني
والأمريكي. إنه قصة الحركة الصهيونية وعزمها على الاستيلاء على فلسطين بأكملها
لإقامة دولة استيطانية "يهودية". وإن التعقيد المزعوم للصراع، والزعم
بغموضه، إنما هو في حد ذاته أحد أسلحة الصهيونية، ويُستخدم لإخفاء السبب الحقيقي
للكارثة، وتفسير الفشل في إنهائها تفسيرًا زائفًا، واستغلال اليهودية والاضطهاد
التاريخي لليهود لخدمتها، وتقديم سردية أسطورية على أنها حقيقة للرأي العام الغربي
والذي تدعم حكوماته هذه السردية.
وهذا ما وثّقه
كتاب يهود مثل ألفريد
ليلينتال وموشيه مينوهين في خمسينيات القرن الماضي، وأكده "المؤرخون
الجدد" في إسرائيل في الثمانينات من خلال البحث في الأرشيفات الصهيونية التي
أكدت إلى حد كبير ما كان الفلسطينيون يقولونه طوال الوقت. ومع ذلك، باستثناءات
بارزة مثل إيلان بابيه، تمسك معظمهم بمعتقد أساسي يتمثل في الاستحقاق العرقي الذي
طغى على أي محاسبة بشأن الظلم المستمر. كان الاضطهاد هو الدافع المزعوم للصهيونية
السياسية المبكرة، وكان قيام دولة يهودية هو الحل. وأصبحت دولة المستوطنين هي
الهدف. ومع ازدياد مشروع الاستيطان، ازدادت حاجته لضمان عدم نضوب آباره.
طمس التاريخ والوجود الفلسطيني تمهيدًا
لإقامة إسرائيل
لقد طُمِس تاريخ فلسطين في التسامح الديني
تدريجيًا من الذاكرة الجماعية، حيث صُوِّرَت معارضة الفلسطينيين للهيمنة العرقية
على أنها معاداة للسامية. وأدت الحرب العالمية الأولى إلى وقوع فلسطين في قبضة
الاستعمار البريطاني تحت دعوى الانتداب. وازداد عدد اليهود في فلسطين، الذين كانت
نسبتهم 1.7% في أوائل القرن السادس عشر. ولم يمنع الفلسطينيون يهود العالم من
زيارة وحج الأراضي المقدسة؛ ولكن، ابتداءً من أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر،
توافد اليهود الأوروبيين على فلسطين، وهم يحملون مشروع وأفكار القومية العرقية
الصهيونية الجديدة. أي أنهم لم أتوا كغاصبين، وكانوا يكنّون لليهود الفلسطينيين
الأصليين ازدراءً شديداً، وهو شعورٌ كان يُقابل بالمثل.
ومع مطلع القرن العشرين، ارتفعت نسبة السكان
اليهود في فلسطين، من صهاينة وغير صهاينة، إلى 6%. وأقرّت الحركة الصهيونية أن
هدفها السياسي لا يمكن تحقيقه إلا باستخدام العنف والإرهاب ضد الفلسطينية، بقتلهم،
ومصادرة سبل عيشهم، وتجويعهم، والاستيلاء على مصادر مياههم، وسن القوانين العنصرية
ضدهم، وجعل حياتهم بائسة تجبرهم على بإرادتهم.
معنى كلمة إرهاب
تزعم رواية شائعة أن العنف الصهيوني لم يكن
إرهابًا، لأنه استهدف النظام البريطاني الحاكم، وليس المدنيين الفلسطينيين قبل عام
١٩٤٨. كان هذا الموقف يتطلب تعريفًا ضيقًا للغاية لمصطلح "المدنيين"،
وبحلول ١٩٤٨، اعتبرت الحركة الصهيونية جميع الفلسطينيين غير مدنيين. ولم يكن
الفلسطينيون وحدهم المستهدفين، بل كان اليهود قبل 1948 هدفًا محددًا أيضًا، وأصبح
مئات الآلاف من يهود أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط هدفًا مشروعًا للعنف
الصهيوني لدفعهم للهجرة إلى فلسطين.
تزعم رواية شائعة أن العنف الصهيوني لم يكن إرهابًا، لأنه استهدف النظام البريطاني الحاكم، وليس المدنيين الفلسطينيين قبل عام ١٩٤٨. كان هذا الموقف يتطلب تعريفًا ضيقًا للغاية لمصطلح "المدنيين"، وبحلول ١٩٤٨، اعتبرت الحركة الصهيونية جميع الفلسطينيين غير مدنيين. ولم يكن الفلسطينيون وحدهم المستهدفين، بل كان اليهود قبل 1948 هدفًا محددًا أيضًا، وأصبح مئات الآلاف من يهود أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط هدفًا مشروعًا للعنف الصهيوني لدفعهم للهجرة إلى فلسطين.
وشملت التكتيكات الصهيونية ضد اليهود: إحباط
فرص اللجوء الآمن في بلدان أخرى، واختطاف الأيتام اليهود، وتدمير المجتمعات
اليهودية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط من خلال الدعاية والإرهاب
"العربي" المزعوم. أليس هذا إرهاب؟ ولكن مهما كانت التسمية، فإن الصهيونية
استخدمت عنفاً هائلاً ضد كل من اعتبرتهم عقبة في طريق مشروعها، وشمل ذلك أيضًا
استهداف المؤسسة الاستعمارية البريطانية التي رعتها.
الإرهاب العنصري والعرقي
لم تتمكن الأمم المتحدة من الاتفاق على
تعريف للإرهاب، ويرجع ذلك إلى الخلاف حول استبعاد الكفاح المسلح من أجل التحرير
وتقرير المصير. لكن، ليس لهذا الاختلاف تأثير على موضوعنا، لأن العنف الصهيوني سعى
تحديدًا إلى منع تقرير المصير وفرض حكم الأقلية القائم على أساس عرقي. ولهذا رفض
كل القادة الصهاينة من مختلف الأطياف أي اقتراح لدولة فلسطينية تحت حجج مختلفة
منها: أن "العرب" شعب أدنى وبالتالي لا يستحقون التصويت؛ وأن جميع
اليهود في العالم بحكم الدم والعرق والوعود الدينية هم أصحاب هذه الأرض، وبالتالي
فالمطالبة الصهيونية بفلسطين ليست خاضعة للمعايير المطبقة على بقية العالم، وهو
امتياز تمارسه الصهيونية منذ عام 1948؛ لكنها لا تزال تُحرم الفلسطينيين منه
الدفاع عن النفس: حق صهيوني وإرهاب فلسطيني!!
في ضوء المبررات والحقوق المدعاة، تحوّل
الإرهاب الصهيوني إلى "دفاع عن النفس". وأصبح الفلسطينيون "غرباء
ومتسللين"؛ وصار آلاف الإسرائيليين والمهاجرين اليهود مواطنين
و"مستوطنين"، وهو مصطلح مقبول لدى الجمهور الأمريكي ومستخدم في كتبه
المدرسية. وكان قادة مثل بن غوريون مولعين باستغلاله. ويُصنَف هؤلاء المستوطنين
كمدنيين وضحايا أي مقاومة؛ بينما الفلسطينيون الواقعين تحت للتطهير العرقي، إذا
دافعوا عن أنفسهم ومنازلهم، صُنفوا إرهابيين. وقد حظيت الميليشيات الصهيونية بدعم
واسع النطاق بين المستوطنات اليهودية، وتمت حملات واسعة لجمع التبرعات في الولايات
المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
دورة العنف والصراع في فلسطين
على الرغم من أن منظمتي الإرغون وشتيرن
تُذكران بشكل خاص كمنظمتين إرهابيتين، إلا أن الهاجاناه التابعة للوكالة اليهودية
لم تختلف عنهما كثيرًا. ففي أوائل 1948، قامت قوة البلماخ النخبوية التابعة لها
بترويع الفلسطينيين وشن حملات تطهير عرقي وحشية تجاوزت قدرات الإرغون وشتيرن. نعم،
كانت هناك مقاومة فلسطينية مسلحة؛ إلا أن الإرهاب الصهيوني هو الذي حدد مسار
الأحداث خلال فترة الانتداب. ولا يزال إرهاب الدولة الإسرائيلية هو الذي يحدد
مسارها حتى اليوم.
كانت المقاومة الفلسطينية قبل قيام إسرائيل،
ولا تزال حتى اليوم، هي رد فعل على القمع العرقي الصهيوني ومصادرة الأرض والموارد.
وأي شعب يتعرض للهجوم سيقاوم، وسيكون هناك أفراد يقاومون بطرق متطرفة، خاصة عندما
يُحرمون من أي وسيلة للدفاع عن النفس. ولكن، لا يمكن للدولة المعتدية أن تتذرع
بمقاومة مسلحة على أنها تهديد يعطيها الحق في الدفاع عن نفسها ضده؛ وإلا سيبرر كل
عدوان نفسه.
متى ولماذا بدأت المقاومة الفلسطينية
المسلحة؟
خلال فترة الانتداب البريطاني، شهدت فلسطين
مقاومة فلسطينية مسلحة وثورات خصوصًا في أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن
العشرين كرد فعل مباشر على سعي الصهيونية
لتطهير الأرض من غير اليهود. وفي مناخٍ حظرت فيه السلطة البريطانية الأدبيات
المعادية للصهيونية، وبعد ثبوت عدم جدوى المقاومة الفلسطينية السلمية من خلال
الدبلوماسية والمناشدات والإضرابات وأعمال المقاطعة. وكان رد بريطانيا على
المقاومة المسلحة الفلسطينية وحشيًا وحاسمًا: فقد أُعدم المشتبه بهم بإجراءات
سريعة تفتقر إلى العدالة، وهُدمت مئات المنازل التي يسكنها أبرياء، واستُخدم
الفلسطينيون كدروع بشرية. أوقف هذه المقاومة ما الكتاب الأبيض لعام 1939، الذي
حاول تنظيم الهجرة الصهيونية ومصادرة الأراضي.
عودة الفلسطينين لسياسة ضبط النفس
طوال الحرب العالمية الثانية وسنوات ما قبل
تقسيم فلسطين، أشاد المسؤولون البريطانيون بضبط النفس الفلسطيني في مواجهة الهجمات
اليهودية المتزايدة. لكن الفلسطينيين أدركوا وكذلك أجهزة الاستخبارات الأمريكية
والبريطانية، أن الصهاينة، المعتدلين منهم والمتطرفين، لن يتوقفوا حتى يتم
الاستيلاء على كامل فلسطين التاريخية كدولة تقوم على أساس التفوق العرقي. ومع ذلك،
تجنب البريطانيون اتخاذ إجراءات صارمة ضد الإرهاب الصهيوني خشية إشعال ثورة لا
يمكنهم السيطرة عليها، فضلًا عن المكاسب الدعائية التي ستعود على الحركة
الصهيونية، لا سيما في الولايات المتحدة.
تصاعد الإرهاب الصهيوني مع نهاية الحرب
العالمية الثانية
مع تزايد يقين الصهاينة بهزيمة هتلر، اشتد
العنف الصهيوني، وأصبح هو التحدي الأبرز في فلسطين. واستغلوا نفور العالم من
النازيين لتصوير معركتهم في فلسطين على أنها الجبهة الجديدة. وأغرقت الدعاية
الصهيونية المستوطنات اليهودية برسالة مفادها أن البريطانيين لا يختلفون عن
النازيين، وأن أهدافهم واحدة. وفي 1947، ومع ضمان انسحاب البريطانيين، ركزت
الميليشيات الصهيونية أعمالها الإرهابية وافتراءاتها النازية على الفلسطينيين
باعتبارهم العقبة المتبقية أمام هدفها في الاستيلاء على فلسطين التاريخية. وتم
تلقين الناجين اليهود المصابين بصدمات نفسية من الحرب في أوروبا بأن فلسطين هي
أملهم الوحيد في البقاء، وأن الفلسطينيين هم ورثة جلاديهم الألمان.
خدعة القرار 181 الخاص بتقسيم فلسطين
تصرف "المجتمع الدولي" وكأن قرار
الأمم المتحدة رقم 181 الخاص بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى فلسطينية، سيحدث
من تلقاء نفسه. ولم يتضمن أي بند لمنع التطهير العرقي الذي لم يخش أي مسؤول من
وقوعه الوشيك. وتنصل البريطانيون من الكارثة التي تسببوا بها. لذا، يمكن وصف هذا
القرار بأنه خدعة. وقد مارست إدارة ترومان ضغطًا لتمريره، مدركة تمامًا أن
"قبول" الوكالة اليهودية للتقسيم كان خطوة براغماتية داخل أروقة الأمم
المتحدة. ذلك، رغم تحذير الاستخبارات البريطانية والأمريكية من أنه ليس لدى
الإسرائيليين أي نية لاحترام القرار، وأنه لن يكون هناك دولة فلسطينية كما وعد بها
القرار 181، وأن الأراضي التي سيتم ضمها إلى الأردن ومصر، وستكون محل مغامرة
إسرائيل التوسعية التالية.
إذن، كان التقسيم عائقًا ضروريًا أمام قيام
الدولة الفلسطينية، والسلاح القوي للاستيلاء على كل فلسطين. في المقابل، أدرك
الفلسطينيون أن الدولة الصهيونية المقترحة لن تكون إلا موطئ قدم لمزيد من الغزو
والطرد، ولهذا، لم يكن رفضهم التخلي عن حقهم غير القابل للتصرف في تقرير المصير،
هو السبب في رفضهم لقرار التقسيم.
انتهاء حلم الدولة الفلسطينية
في أوائل 1948، ادعى القادة الصهاينة أن
جيوشًا عربية جبارة تسعى لتدمير دولتهم التي لم تولد بعد.، وجعلوا ذلك ذريعة
لاجتياح كل فلسطين، وتدمير القرى الفلسطينية؛ رغم أنه لم يدخل جيش عربي واحد إلى
فلسطين إلا بعد أن سيطرت العصابات الصهيونية على جزء كبير من الأراضي الفلسطينية
المحددة في قرار التقسيم. لذا، دار الجزء الأكبر من الحرب على هذه الأراضي دفاعًا
عنها. ومع ذلك، اعتبرت إسرائيل هذه الجيوش التهديد الوجودي الذي يبرر عدوانها
ضدها.
يُصوَّر قطاع غزة على أنه مصدر الهجمات الإرهابية في شكل صواريخ بدائية تُطلق على بلدات إسرائيلية مثل سديروت، التي هي قرية نجد الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1948 وطهرتها عرقياً. ويتم هذا التصوير بمعزل عن السياق، وكأنها السبب لا رد الفعل. ولا يُصوّر الحصار الإسرائيلي المميت لغزة لا على أنه إرهاب، بل على أنه بوابات بحر قزوين التي تمنع جحافل البرابرة.
ومع إعلان الهدنة، كانت إسرائيل قد استولت
على 56.5% من الجزء المخصص كدولة فلسطينية، وقامت بتطهيرها عرقياً. وسارعت إلى
توطين مئات الآلاف من المهاجرين الجدد في هذه الأراضي لتأكيد استلابها لها. وشُكلت
أول حكومة إسرائيلية من قادة الجماعات الإرهابية. وذهب أشهرهم، مناحيم بيغن، إلى
نيويورك لجمع التبرعات للاستيلاء على ما تبقى من فلسطين. وهكذا، في يناير 1949،
مراسلة صحيفة نيويورك تايمز، أن حل الدولتين قد انتهى بسبب العدوان الإسرائيلي.
وتكدس الفلسطينيون فيما تبقى من أرضهم. وعندما حاولوا العودة بعد انتهاء الحرب، منعتهم
إسرائيل حتى أثناء سعيها لنيل عضوية الأمم المتحدة. وأصبح غالبية الفلسطينيين
فقراء معدمين، وقُتل الكثير منهم وهم يحاولون التسلل إلى ديارهم، ولو لمجرد قطف
محاصيلهم أو استعادة مدخراتهم. وأدى العنف الإسرائيلي إلى ردود فعل فلسطينية
مسلحة، وإن كانت ضئيلة مقارنة بالعدوان الإسرائيلي.
العدوان الثلاثي 1956 وحرب الأيام الستة
1967
بحلول منتصف الخمسينيات، كان من الممكن أن
يُنهي حدثان العدوان الإسرائيلي، الأول: خطورة العنف الإسرائيلي ضد العرب لدرجة
وضع بريطانيا خططًا لتحييد سلاح الجو الإسرائيلي بالكامل والمنشآت العسكرية
والاتصالات الإسرائيلية الرئيسية؛ والثاني: ضبط إسرائيل وهي تستهدف مواطنين
بريطانيين وأمريكيين في عملية فاشلة. ولكن طغت المصالح الجيوسياسية، فتحالفت
بريطانيا مع إسرائيل وفرنسا لمهاجمة مصر في أول حرب تخوضها إسرائيل بعد 1948. وبعد 1956، تخلى "المجتمع
الدولي" عن مطالبة إسرائيل بالكفّ عن عرقلة عودة اللاجئين، وعن مطالبتها بإنهاء
احتلال الأراضي الفلسطينية. وبعد عقدٍ من الزمن، فشل المجتمع الدول في منعها من التطهير العرقي
لثلاثمائة ألف فلسطيني في حرب 1967، واحتلال كل فلسطين إضافة إلى سيناء وهضبة
الجولان.
عندما يُصَور الضحية على أنه جلاد
يُصوَّر قطاع غزة على أنه مصدر الهجمات
الإرهابية في شكل صواريخ بدائية تُطلق على بلدات إسرائيلية مثل سديروت، التي هي
قرية نجد الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1948 وطهرتها عرقياً. ويتم هذا
التصوير بمعزل عن السياق، وكأنها السبب لا رد الفعل. ولا يُصوّر الحصار الإسرائيلي
المميت لغزة لا على أنه إرهاب، بل على أنه بوابات بحر قزوين التي تمنع جحافل
البرابرة.
وتبقى المشكلة نفسها غير معلنة: مليون لاجئ من غزة ما زالوا ينتظرون
تدخل العالم لوقف إسرائيل عن منع عودتهم إلى ديارهم، والحصار الإسرائيلي الكارثي
الذي حوّلها إلى معسكر اعتقال ضخم، ومذابحه العشوائية من الجو، وصيادو غزة الذين
قُتلوا لصيدهم في مياههم، ومزارعو غزة الذين فُجِّروا لزراعتهم أرضهم.فغزة وفق
تعبير الصحفية الإسرائيلية أميرة هاس، تمثل "التجربة الإسرائيلية القديمة
المعروفة باسم 'ضعهم في قدر ضغط وانتظر لترى ماذا سيحدث". وصار "الوضع
الطبيعي" هو الخنق الذي تعاني منه فلسطين منذ 1948. وبالنسبة للمجتمع الدولي،
يُعد هذا التضييق المستمر على حياة الفلسطينيين ثابتًا، وبالتالي فهو سلام. لكن
الظلم الدائم، الذي لا يُطاق، لا يزال قائمًا، حالة دائمة من العنف المُطَبَّع
تتفاقم إلى حين الخطوة الإسرائيلية التالية.
مقبرة القرارات الدولية
أصدرت الأمم المتحدة قرارات كثيرة؛ ولكنها
كانت مجرد أشباح باهتة لقراراتها الصادرة في الفترة 1948-1949، وتم تجاهلها.
واشتدت قبضة إسرائيل على فلسطين والفلسطينيين، وعاد "السلام" العنيف من
جديد. وفي ١٩٨٠، عندما ضمت إسرائيل القدس الشرقية، ورغم أنها حذرت إسرائيل من أن
تسرعها في فرض "حقائق على الأرض" لن يغير شيئًا؛ إلا أنها سرعان ما
انضمت إلى سابقاتها في مقبرة المطالب غير المُلبّاة. وقوبل كل تحدٍ إسرائيلي
بمطالب مخففة، وكوفئت إسرائيل منذ نشأتها على عدم امتثالها. فمع كل قرار جديد،
تُنسى القرارات السابقة غير المُنفذة، وتصدر قرارات أخرى أضعف من ذي قبل، وغير
قابلة للتنفيذ بنفس القدر، وتُخفّض سقف ما يُطلب من إسرائيل. وكان الإنجاز الأبرز
لإسرائيل هو حصان طروادة المعروف باتفاقيات أوسلو، الذي منح فعليًا شرعية رسمية
لكل ما فرضته بالقوة.
الثمن الذي يدفعه العرب من حريتهم نتيجة
وجود الكيان
لم يُجبر الفلسطينيون وحدهم على دفع ثمن
دولة الاستيطان: فقد حُكم على أجيال من المصريين، على وجه الخصوص، بالخضوع لطغيان
الأنظمة الموالية لإسرائيل التي فرضتها عليهم الولايات المتحدة بأموالها وقوتها،
مما يشكل عقبة ساحقة أمام أي ربيع عربي شعبي ديمقراطي.
ألاعيب الدعاية الصهيونية
يُسوَّق الإرهاب الإسرائيلي في خنق غزة،
والاستيلاء على القدس الشرقية والضفة الغربية، باعتباره عبئًا غير مرغوب فيه يُلقى
على عاتق ديمقراطية تسعى للسلام وسط جيران غير متحضرين. وتم تهيئة الغرب لقبول كل
هذا، مثلما تم تهيئته لقبول كل شيء في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: فالغزوات
الإسرائيلية هي دفاع عن النفس، والفلسطينيون الذين يقاومون هذه الغزوات إرهابيون.
وفي أعقاب اتساع رقعة الاحتلال عام ١٩٦٧، اشتكى أبراهام شالوم، الرئيس السابق
لجهاز الشاباك، من انعدام الهدف "لأن الإرهاب الفلسطيني لم يتطور". وكان
تصعيد الاستفزازات الإسرائيلية في نظره هو الحل، ليزداد "الإرهاب الفلسطيني".
وصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب
عندما ترد حماس أو جماعات المقاومة في غزة
على الهجمات الإسرائيلية والمجازر التي ترتكبها، تُنبه إسرائيل العالم إلى أنها
تدافع عن نفسها. وفي أعقاب "الرصاص المصبوب" 2008/2009، خلّفت إسرائيل
مخزونًا هائلًا من الذخائر غير المنفجرة داخل غزة. وعلى مدى أربعة عشر شهرًا، منعت
إسرائيل خبراء الأمم المتحدة للمتفجرات من تحييد هذا المخزون الضخم من العبوات
الناسفة الذي وضعته بنفسها. ومنعت تدميرها، مما ضمن لحماس الاستيلاء على هذا
المخزون لتصنيع سلاح للدفاع عن غزة. وسرعان ما نددت عناوين الصحف الإسرائيلية بـ"الإرهاب"
عندما أُطلقت هذه الأسلحة على جنوب إسرائيل.
النفاق الأمريكي سياسيًا وإعلاميًا
مع ما يحدث من إرهاب إسرائيلي ضد
الفلسطينيين، فإن ما يحدث يبقى غير معلن في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي،
الذي يظل محصورًا في خيارين: تقديم الدعم المطلق للهجمات الإسرائيلية، أو تبريرها
بأنها كانت "دفاعًا عن النفس" مُبالغًا فيه بعض الشيء. ولا يتعرضون لما
تقوم به من منع إعادة بناء المنازل المقصوفة ومحطات الصرف الصحي المدمرة، ومنع
دخول الأطباء لمعالجة الضحايا، وخنق الوصول إلى الغذاء ومياه الشرب، وسحق أي شكل
من أشكال الاكتفاء الذاتي أو الإنجاز الفلسطيني.
المعالجة الجذرية للصراع هي بيد إسرائيل لا
الفلسطينيين
إن معالجة الأسباب الجذرية لما يسمى
بـ"الصراع" هي في يد إسرائيل. إذ لا يملك الفلسطينيون أي أوراق ضغط
للمساومة عليها سوى حقهم غير القابل للتصرف في العدالة. لم يقم فلسطيني باحتلال
إسرائيل أو محاصرتها، أو التحكم فيمن يُسمح له بدخول إسرائيل، أو منع الطلاب
الإسرائيليين من مواصلة تعليمهم.
إن معالجة الأسباب الجذرية لما يسمى بـ"الصراع" هي في يد إسرائيل. إذ لا يملك الفلسطينيون أي أوراق ضغط للمساومة عليها سوى حقهم غير القابل للتصرف في العدالة. لم يقم فلسطيني باحتلال إسرائيل أو محاصرتها، أو التحكم فيمن يُسمح له بدخول إسرائيل، أو منع الطلاب الإسرائيليين من مواصلة تعليمهم.
ولم يستولِ الفلسطينيون على المياه الجوفية
الإسرائيلية، أو يقرروا نيابةً عن الإسرائيليين من هم قادتهم المنتخبون، أو ما إذا
كان يحق لهم زيارة الطبيب، أو السفر إلى بلادهم، أو زيارة عائلاتهم. كل هذا مجرد
لمحة ضئيلة من قبضة إسرائيل الاستبدادية. وليس لدى الفلسطينيين أسرى إسرائيليين
لإطلاق سراحهم، وفي المرة الوحيدة التي أطلقوا فيها سراحهم، كان جنديًا غازيًا.
ومع ذلك، أصبح اعتقاله وإطلاق سراحه قضية دولية بارزة دون الاكتراث بوجود آلاف
المدنيين الفلسطينيين، ومنهم مئات الأطفال، في سجون الاحتلال، وكثير منهم يتعرضون
للتعذيب، ومنهم محتجزون لأجل غير مسمى دون تهمة. ومن خلال الروايات التي تُشكّل
أخلاق الغرب، يُعتبر أسر جندي إسرائيلي غازٍ واحد عملاً إرهابياً؛ بينما تُؤكد
عقود من السجون الإسرائيلية المكتظة بالمدنيين الفلسطينيين، التهديد الوجودي
العنيف الذي يُمثل عبئاً دائماً على إسرائيل.
حقيقة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني اليوم
عندما يُطلب من الفلسطينيين السلام، فإن
المقصود هو التنازل عن المزيد من الحقوق حتى تحقق للصهيونية السياسية هدفها
بالكامل. ولذلك، ف"عملية السلام" هي خدعة لكسب الوقت. إذ يتطلب الحل رفع
الظلم ليس إلى عام 1967، بل إلى عام 1947، والمصالحة مع الحقيقة بالعودة إلى أحداث
1914-1917، عندما وجّهت الحركة الصهيونية أنظارها إلى فلسطين كدولة استيطان قائم
على ادعاءات الحق العرقي، مما أدى إلى المأساة التي نشهدها اليوم. وإن الإرهاب هو
الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها إخضاع الفلسطينيين، وتجريدهم من إنسانيتهم وتهجيرهم.
وهذه هي حقيقة "الصراع" الإسرائيلي الفلسطيني اليوم.