"إسرائيل" والنظام العالمي.. من التأسيس الاستعماري إلى التحول الأمريكي

بالنسبة للغرب الأوروبي الصورة الغالبة للإسلام والمسلمين عرباً كانوا أو أتراكاً، هي صورة الجيران الخطرين الذين يصعب فهمهم..
بالنسبة للغرب الأوروبي الصورة الغالبة للإسلام والمسلمين عرباً كانوا أو أتراكاً، هي صورة الجيران الخطرين الذين يصعب فهمهم..
شارك الخبر
الكتاب: عاصفة على الشرق الأوسط الكبير
الكاتب: ميشيل رامبو، ترجمة الدكتورة ابانة مشوَّح
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق ، الطبعة الأولى 2020، (عدد الصفحات 824 من القطع الكبير)


في الجزء الثاني من قراءته لكتاب Storm over the Greater Middle East الصادر بالعربية بعنوان "عاصفة على الشرق الأوسط الكبير"، يواصل الكاتب والباحث توفيق المديني تفكيك البنية التاريخية والجيوسياسية التي أحاطت بتأسيس الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي، بوصفه جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل توازنات الإقليم منذ بدايات القرن العشرين.

وتنشر "عربي21" هذه القراءة الخاصة في سياق تحليل معمّق للسرديات التأسيسية التي ربطت بين الحركة الصهيونية والتحولات الإمبريالية الغربية، من الكلفينية الإنجليزية ومشاريع ما قبل بلفور، وصولاً إلى لحظة قيام دولة إسرائيل عام 1948 وما تلاها من تحولات استراتيجية كبرى أعادت رسم خرائط القوة في المنطقة.

ولا يهدف هذا الجزء إلى إعادة سرد الأحداث التاريخية بقدر ما يسعى إلى قراءة منطق التأسيس ذاته، وكيف تداخلت الاعتبارات الدينية والسياسية والاستعمارية في إنتاج كيان وُلد داخل سياق دولي مضطرب، ثم تحوّل لاحقاً إلى أحد المحاور المركزية في صراع الشرق الأوسط الممتد حتى اليوم.


تأسيس الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي

ليس من أهداف هذا الكتاب سرد تاريخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وشرح الظروف التي أحاطت بإقامة  الكيان الصهيوني، فهذا الأمر نجده في كتب كثيرة. لكننا نجد من المفيد التذكير بالتكون التاريخي للحركة الصهيونية التي هي بناء ديني كلفيني إنجليزي ثم أنجلو ـ سكسوني، قبل أن تكون أول مخطط للمشروع الصهيوني.

الواقع أن أول نسخة لهذا المخطط الصهيوني ظهرت في منتصف القرن السابع عشر، في إنجلترا على يد الكلفينيين وعلى رأسهم أوليفييه كرومويل. وعندما تأسس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة سنة 1948،إسرائيل، قُدِّم على أنه تجسيد لمشروع الحركة الصهيونية العالمية ، لكنه في الواقع وقبل أي شيء آخر تجسيد لمشروع استعماري إستراتيجي كبير وضعه أتباع الكنسية الإنجليزية الكلفينية مع ورثتهم الأمريكان.

 بدأت فكرة التناضح بين الصهيونية المسيحية الكلفينية والصهيونية اليهودية في فجر القرن العشرين، بينما كانت الإمبراطورية البريطانية في أوج مجدها. في عام 1907، أي قبل عشر سنوات من وعد بلفور، كتب السير هنري كمبل بایرمان رئيس وزراء حكومة جلالة الملكة، تقريراً حمل اسمه تقرير بايرمان لم يُنشر إلا لاحقاً لأهميته الإستراتيجية. بحسب هذا التقرير الذي يسري في شرايين هارولد ماكندر الجيو ـ سياسية، إن العرب الذين يسيطرون على أراض واسعة غنية بالموارد المعروفة والمخفية، وتقع على مفترق طرق التجارة العالمية، يشكلون خطراً على أوروبا وعائقاً أمام توسعها. أرضهم مهد الحضارات والديانات الإنسانية وهذه الشعوب المتوحدة بالإيمان واللغة والتاريخ تتشارك الآمال نفسها، ولا يمكن لأي حواجز طبيعية أن تفرق بينها.

لم تكن إسرائيل مجرد تكريس للحلم الصهيوني جزئيا، هذا الحلم الذي تأسس على التلاعب بالتاريخ، بل كانت شاهداً على التعويض عن المحرقة، وانعكاساً للاستعمار المنتصر، وجسماً موقوتاً سلخ نتيجة تمزيق الإمبراطورية العثمانية وتقاسم أشلائها، ووريثة للدول اللاتينية ولسلسلة من الاستسلام. 
ويضيف: إذا ما حالف الحظ أو سوء الحظ هذه الأمة وقدر لها أن تتوحد في دولة واحدة، فإنها ستتحكم بمصير العالم وتصبح قادرة على قطع أوروبا عن باقي العالم. ويخلص بانرمان إلى النتيجة الآتية: إذا ما نظرنا إلى الأمور بجدية، وجدنا أنه لا بد من زرع جسم غريب في قلب هذه الأمة العربية لمنعها من أن تتوحد، فتصبح ملزمة باستنزاف قواها في حروب لا نهاية لها. يمكنها عندئذ أن تصبح في خدمة الغرب لتحقيق أهدافه المأمولة. اقترحت أربعة إجراءات لتفكيك العالم العربي أو العربي - الإسلامي، منها خاصة إقامة دولة عازلة أو دولة صادة للصدمات في فلسطين، تستقر فيها مجموعة أجنبية كبيرة قوية، تكن العداء لجيرانها والولاء للدول الأوروبية والمصالحها. كان يكفي أن تعرض خطة بالرمان ببراءة لا تقاوم، وواقعية استعمارية مطلقة، حتى تبدد كل الأوهام التي يمكن أن يثيرها حول هذا الموضوع أي خطاب لاحق آخر.

لم يعد أحد يشكك في هذه الوثيقة التي تعتمد مقاربة واضحة وصريحة، والتي ألهمت فيما بعد وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين 2 تشرين الثاني/ نوفمبر1917، كما ألهمت النقطة الثانية عشرة من النقاط الأربع عشرة التي تقدم بها الرئيس الأمريكي ويلسن أمام الكونغرس في كانون الثاني1918. في 3 كانون الثاني / يناير 1919، أثناء مؤتمر باريس، التزم الأمير فيصل الذي أصبح لاحقاً ملك العراق أمام المنظمة اليهودية العالمية بدعم القرار الأنجلو ـ أمريكي.

يقول ميشيل رامبو: "لم تكن إسرائيل مجرد تكريس للحلم الصهيوني جزئيا، هذا الحلم الذي تأسس على التلاعب بالتاريخ، بل كانت شاهداً على التعويض عن المحرقة، وانعكاساً للاستعمار المنتصر، وجسماً موقوتاً سلخ نتيجة تمزيق الإمبراطورية العثمانية وتقاسم أشلائها، ووريثة للدول اللاتينية ولسلسلة من الاستسلام. إن هذا العبء الرمزي الثقيل، إضافة إلى أن الدولة العبرية تقدم نفسها على أنها غربية، وأن السلطة فيها محصورة بيد اليهود الأشكناز، أي الغربيين، جعل منها صورة حية للظلم والقمع على أرض المشرق. وجد الإسرائيليون على الأرجح في هذه الصورة إطراء كبيراً لهم، إذ إنهم لم يفعلوا أي شيء لتغييرها، بل على العكس من ذلك، شنوا حروباً تلتها حروب، وقاموا بضم الأراضي واحتلالها، وقضموا ثم قضموا، لينتهي بهم الأمر اليوم إلى الاستيلاء على 84% من فلسطين ومنع مجموعة الجزر المقاومة على ما تبقى من تشكيل شبه دولة، طبعاً بتواطؤ من الغرب ومجتمعه الدولي(ص 248).

لقد تأسست "إسرائيل الأمريكية" على الدين والمؤسسات السياسية والدستور، وهي التي ربطت الأمريكيين بالحركة الصهيونية، ولاحقًا بإسرائيل. فقد رأى العديد من المسيحيين الأمريكيين في إسرائيل واليهود الإسرائيليين نسخة أفضل وأكثر بطولية من أنفسهم. ومن خلال إسقاط المُثُل والهويات الأمريكية على السياق التوراتي، عززوا أيضًا تلك المبادئ في الداخل. ولذلك، كان الدين والقيم المشتركة والتاريخ هي الأسس التي بُنيت عليها العلاقات الصهيونية، ولاحقًا العلاقات الإسرائيلية الأمريكية الخاصة. لذا، فإن أسباب دعم أمريكا للكيان الصهيوني تكمن في الدين.

ما كان للدولة العبرية أن تستمر لولا دعم الغرب لها. لكن يجب أن نميز بين فترتين مختلفتين في تاريخها القصير كـ دولة مستقلة. كان المنعطف الحاسم في هزيمة حزيران 1967، مباشرة إثر حرب الأيام الستة. حتى ذاك الحين، أي طوال عشرين عاماً تقريباً، كانت فرنسا هي الحليف الإستراتيجي للكيان الصهيوني . كثر هم من قالوا: إنها كانت وراء دخول شريكها المفضل هذا إلى عالم التسلح النووي. ثم قلب الجنرال ديغول هذا التحالف قلباً جذرياً ومفاجئاً، وبلا رجعة. حلّت الإمبريالية الأمريكية محلها مباشرة فأقامت معها علاقة شكلت تحولاً جذرياً مع الماضي، باعتبارها ثكنة عسكرية متقدمة لمواجهة الاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة . لا شيء يعبر عن هذا التحوّل أفضل من التذكير بنتيجة حملة السويس التي تدعو للرثاء، هذا  العدوان الثلاثي، كما يسميه العرب الذي شنّته على مصر كل من فرنسا وبريطانيا العظمى وإسرائيل عام 1956.

حرب السويس

لم يكن عمر دولة الكيان الصهيوني إلا ثمانية أعوام، وكان قد مضى أربع سنوات على وصول جمال عبد الناصر إلى الحكم مع الضباط الأحرار في ثورة يوليو 1952 وتسلّمه مهام رئيس الجمهورية. غذى الرئيس عبد الناصر مشروعاً قوميًا  واسعاً لتوحيد الأمة العربية، وجهد ليجعل من مصر مجدداً أمة قوية. كانت قناة السويس رمزاً للسنوات الصعبة بين عامي 1880 ـ 1936، وهو تاريخ استقلالها الفعلي، وأوكل أمر إدارتها للتجمع الفرنسي - البريطاني الذي مول إنشاءها من قبل المهندس فردیناند دو ليسبس. كانت شركة قناة السويس تجني القسم الأكبر من عائدات المرور في القناة، ولا تجني الدولة المصرية إلا الفتات، بالرغم من أن 50% من حركة الملاحة البحرية بين أوروبا وآسيا كانت تمر عبر هذا الممر المائي الدولي. أراد جمال عبد الناصر أن يعيد لمصر قدراتها في كل الميادين التي تطاولت عليها فيها القوى الاستعمارية، فأطلق مشروع تأميم القناة لاستعادة سيادة مصر وحقوق العبور الضخمة المرتبطة بهذه الملكية، وهي المورد الأول الممكن لمصر. كان المهم بالنسبة له أن يستخدم هذه الموارد لتمويل عدد كبير من المشاريع الضخمة بحجم بلد الفراعنة، وبما يسمح لهبة النيل أن تزيد ثلاثة أضعاف قدراتها الزراعية، وأن تطعم شعبها 35 مليون نسمة تعداد سكان مصر في ذاك الحين. طلب الرئيس عبد الناصر من فرنسا وبريطانيا تمويل بناء سد أسوان لكنهما رفضتا، فقبلت أمريكا أيزنهاور وفوستر دولاس شريطة توقيع اتفاقية مع الكيان الصهيوني حصل ناصر عندها على موافقة مبدئية من الاتحاد السوفييتي، لكن ظلت مسألة التمويل عالقة.

في 26 تموزميوايو 1956، أعلن عبد الناصر التأميم الفوري لقناة السويس، ومنع مرور السفن الإسرائيلية عبرها. أدهش النبأ العالم. وفي حين ابتهجت مصر والدول العربية، استشاطت فرنسا وبريطانيا العظمى غضباً.

شكَّلتْ أزمة السويس في خمسينيات القرن الماضي اللحظة التي أظهرت أنَّ بريطانيا لم تعدْ قوة عظمى، بعدما فشلت حربها الخاطفة مع فرنسا و الكيان الصهيوني لاستعادة السيطرة على القناة من مصر بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

تمثلت مقدمات حرب السويس عام 1956، في المسائل التالية:

 أولاً ـ قيام الثورة المصرية عام 1952، التي طالبت البريطانيين بإخلاء قواعدهم في مصر.

 ثانيًا ـ رفض الغرب بيع السلاح إلى مصر، التي أعادت بناء جيشها الوطني، فذهبت إلى طلب السلاح من تشيكوسلوفاكيا واعترفت بجمهورية الصين الشعبية عام 1955.

 ثالثًا ـ قرار القيادة المصرية بزعامة جمال عبد الناصر  بناء السد العالي في أسوان، لكنّ بريطانيا والولايات المتحدة قررتا إفشال المخطط، بمنع البنك الدولي من تزويد مصر بقرض مالي لذلك الغرض.

رابعًا ـ ردَّ عبد الناصر على خطط منع تقدّم بلاده، فأعلن تأميم قناة السويس كشركة وطنية مصرية لا يمتلكها أحد سوى الشعب المصري عام 1956،إِذْ كان القصد تأمين الأموال للمضي في تنفيذ بناء السد.

خامسًا ـ قراربريطانيا التخلص من عبد الناصر، فكلفت وكالة مخابراتها M16 بتلك المهمة، وأعدّت مؤامرة لاغتيال عبد الناصر على يد مجموعة من المصريين المنفيين وبعض ضباط الوكالة، ترأس تنفيذ الخطة مساعد مدير مخابرات سلاح الطيران المصري، الذي اتضح فيما بعد أنَّ هذا الضابط نفسه كان عميلاً مزدوجاً، فكشف الخطة لعبد الناصر، وألقي القبض على 11 مصرياً و4 بريطانيين.

لقد تأسست "إسرائيل الأمريكية" على الدين والمؤسسات السياسية والدستور، وهي التي ربطت الأمريكيين بالحركة الصهيونية، ولاحقًا بإسرائيل. فقد رأى العديد من المسيحيين الأمريكيين في إسرائيل واليهود الإسرائيليين نسخة أفضل وأكثر بطولية من أنفسهم. ومن خلال إسقاط المُثُل والهويات الأمريكية على السياق التوراتي، عززوا أيضًا تلك المبادئ في الداخل.
يروي الدكتور ألفرد وُليم مكوي في كتابه "بهدف التحكم في العالم " ، كيف أنَّ رئيس وزراء بريطانيا إيدن ورفيقه وزير المالية هارولد مَكمِلَن، وجدا عبد الناصر وطنياً حازماً مقلقاً للغاية. وبّخ أيدن وزير خارجيته أنتوني نَتِنكَ مرَّة قائلاً: "ما كل هذا الهراء حول عزل ناصر أو تحييده. أريد تدميره، ألا تفهم؟ أريد قتله". بعد فشل خيار الاغتيال المذكور، عمد أيدن إلى استعمال القوة والإعداد لغزو منطقة القناة.

اجتمعت القيادات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية سرّاً في قرية سيفرز بإحدى ضواحي باريس في الفترة من 22 إلى 24 تشرين الأول/أكتوبر عام 1956 لتنظيم ردّ عسكريٍّ ضد مصر. مثّل الجانب الفرنسي جي موليه وكريستيان بينو وبوركس مونوريه، ومثل الجانب الإسرائيلي ديفد بن غريون وشيمون بريز وموشيه دايان. أما الجانب البريطاني فمثله سلوين لويد وممثلين عن وزارة الخارجية انضما للمحادثات في مرحلة أخرى وهما باترك دين ودونلد لوكن، وأقرَّت خطة الحملة العسكرية على مصر أو ما سمي "بروتوكول سيفرز". "لقد اختلق الأسد البريطاني، الذي كان يوماً ما عظيماً أزمة السويس، لكنّه بدا وكأنه حيوان سيرك مروّض مستعد منذ تلك اللحظة فصاعداً للقفز داخل الأطواق النارية كلما سمع صوت ضرب سياط واشنطن".

فشل العدوان الثلاثي الذي قامت به تلك الدول حين "نفّذ عبد الناصر استراتيجية رائعة رغم بساطتها. مُلأت عشرات السفن القديمة بالحجارة وبعض المتفجّرات لإغراقها في شمال القناة عند مدخلها بالبحر الأبيض المتوسط، وسرعان ما أغلق شريان الحياة النفطي لأوروبا القادم من الخليج الفارسي. في الوقت الذي بدأ فيه 22000 جندياً بريطانياً وفرنسياً اقتحام الشاطئ عند طرف القناة الشمالي بتاريخ 6 تشرين الثاني، كان هدفهم تأمين حرية حركة السفن، لكنّ النصر كان قد اختطِف من أيديهم".

 كان رئيس الوزراء الإنجليزي إيدن يفكر منذ مدة وبكل بساطة بإزاحة عبد الناصر من الحكم، مدفوعاً من قبل رجال المال والأعمال، بينما كانت فرنسا في عهد جيم موليه تسعى للانتقام من مصر التي تساند  الثورة الجزائرية. ولم تكن الأسباب الموجبة تنقص زعماء الكيان الصهيوني ، فعقدت اجتماعات سرية بين الدول الثلاث للقيام بعمل عقابي يهدف للتخلص من عبد الناصر الذي باتوا يشبهونه بهتلر أو موسوليني. شُنّ الهجوم في شهر تشرين الأول. استهدفت إسرائيل قناة السويس، وأعطت باريس ولندن مهلة للمتقاتلين بالانسحاب. وبعد أن رفض صاحب الملك الانصياع، هاجمت جحافل فرنسية ـ إنجليزية بور ـ سعيد، وتقدمت باتجاه القاهرة. لكن الأمور زادت كثيراً على حدّها؛ فأطلق الاتحاد السوفييتي إنذاراً أخيراً، وطلبت الولايات المتحدة من المعتدين الثلاثة الانسحاب التام. ففعلوا منصاعين، وبحالة يرثى لها. وأتت قوة من الأمم المتحدة للاستقرار في القناة.

أصبح عبد الناصر بطلاً وطنياً وقومياً، بينما أريق ماء وجه باريس ولندن، وخربت العلاقات مع مصر. هكذا انتهت حملة السويس بخزي أصاب المعتدين الغربيين وإسرائيل. وستظل ذكرى هذا العدوان البائس محفورة لا تمحى في أذهان المصريين. لكن لا شيء يدل على أن قادة العاصمتين الاستعماريتين السابقتين قد استفادوا من دروس هذه الحملة الوحشية. لا تعليق بالنسبة لإنجلترا التي تتغير ولا تتبدل؛ وأما بالنسبة لفرنسا، فيمكن للمرء أن يشعر بالدهشة لأن أربعين عاماً من السياسة العربية لم تفلح في منح آلات الفكر في مؤسساتنا أدنى قدر من الحكمة.

الإسلام خطر على حدود أوروبا الغربية، وهو خط ماجينو بالنسبة للإمبراطورية

يشكل الإسلام بالنسبة للغرب الأوروبي خطراً، للأسباب التي أوردناها ولأسباب أخرى لم نوردها. لطالما رأى الغرب المشرق على هذا النحو. كان بداية، في فجر الفتوحات الإسلامية، خطراً قادماً من الجنوب. دخلت شبه الجزيرة الأيبيرية الإسلام واستعربت، وكذلك صقليا، وسردينيا، وبقيت كذلك لعدة قرون. وطال الأمر أيضاً جنوب فرنسا، وانضمت بواتييه وشارل مارتل لاحقاً إلى سجل الأمجاد الوطنية.. ظلت أيبيريا بالنسبة للأسبان والبرتغاليين أرضاً مستعادة.. من أبناء جلدتهم المسلمين. أما بالنسبة للعرب والمسلمين، فقد حفرت في ذاكرتهم الجمعية على أنها الأندلس التي لا مثيل لها، أرض الحضارة المتألقة والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود، تماماً كالجنة المفقودة... فهناك دائماً بعض الحقيقة في الجنان المفقودة.

يقول الكاتب ميشيل رامبو :"عاد الإسلام، هذا الخطر المستعاذ منه، على شكل تهديد آت من شرق آسيا، تلك الأرض التي كانت مصدر غزوات بربرية غير معروفة الهوية تماماً، عرفها الشرق المسيحي، الجرمان دون شك، لكن أيضاً الهانز Huns الذين هم على الأرجح أجداد الأتراك الذين قدموا عبر الباب الأعلى المثير للقلق لينتشروا في الأراضي التي كانت المسيحية مزدهرة فيها. سيطر الآسيويون الأتراك طوال نحو خمسة قرون على أوروبا الشرقية والبلقان واستولوا على بودابست وهددوا فيينا، واحتلوا اليونان مهد الغرب كما يدعي.

في اللاوعي الأوروبي الذي استقى معرفته بالمشرق وروسيا بشكل أساسي من ميشيل ستروغوف، يصعب التمييز بين التتار، والقوزاق، والروس، والبلغار، ومن الصعب تمييز من فعل هذا. أصبح الغرب يرى الأتراك، أي الهانز، في كل مكان تقريباً. ويا له من مخيف ذاك العالم المشذب الذي أتى من أقاليم آسيوية بعيدة ومن التخوم السيبيرية الساحرة رغم كل شيء. ألا يُقال: إنه يسيطر على طريق الحرير، وطريق البهارات، والله أعلم على أي شيء أيضاً"؟(ص 254)

بالنسبة للغرب الأوروبي الصورة الغالبة للإسلام والمسلمين عرباً كانوا أو أتراكاً، هي صورة الجيران الخطرين الذين يصعب فهمهم، صورة البرابرة الذين يراقبوننا عن كثب من خلف الحدود، والمستعدين لاجتياحنا بجحافل من الغوغائيين المتوحشين وعديمي الرحمة.

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، فالعالم العربي - الإسلامي يمثل شيئاً مختلفاً تماماً، لم يكن للأمريكيين أي ماض استعماري، كما أنه لم يكن لهم تاريخ لأي نزاع مع العالم العربي- الإسلامي، فكان أول احتكاك سياسي لهم مع الإسلام عبر حلف يتحدث عن ضمانات متبادلة وأعمال، وهي نسخة قديمة لصيغة النفط مقابل الأمنبين الرئيس روزفلت و الملك عبد العزيزآلا سعود في عام 1945، ليس فيها ما يهدد بالخطر على أي حال. أسس حلف كوينسي للعلاقة بين أمريكا والسعودية، فكان أساساً للعلاقة بين واشنطن والعرب. والدليل على ذلك أنه في عام 1956 لم يتردّد قادة أمريكا في الدفاع عن مصر جمال عبد الناصر ضد القوتين الأوروبيتين الاستعماريتين وضد إسرائيل، وتحالفوا في ذلك مع الشيطان الشيوعي. كان هذا بعد قيام دولة إسرائيل. لكن أمريكا لم تكن آنذاك بالنسبة لإسرائيل لا الضامن ولا الشريك الإستراتيجي، ولا الأداة، ولا اللعبة التي تحركها على هواها. ولم يطرأ التحوّل إلا بعد عشر سنوات.

يبدو من الصعب فهم مقاربة الولايات المتحدة للعرب والمسلمين دون العودة إلى هذه اللمحة التاريخية، والحديث عن هذه الرؤية الأمريكية المختلفة تماماً عن نظرة أوروبيي الغرب. والحقيقة أن خطاب باراك أوباما لا يحمل أي جديد تحت الشمس، وإنما يشكل استمراراً غريباً يمكن أن يضيء بعض الجوانب التي تبدو للناظر إليها من ضفتنا الأوروبية غير منطقية أو فوضوية. لا يشكل العرب ـ المسلمون في التقليد الأمريكي الكبير خطراً يتمثل في مجموعة من البرابرة المتأهبين لخرق الحدود؛ بل يشكلون على العكس من ذلك، نوعاً من خط ماجينو قادر على حماية مصالح ـ الإمبراطورية الأطلسية ضد إمبراطوريات الفيافي الأوروبية - الآسيوية، شريطة أن يبقوا على ما هم عليه، في أرض لا تتبع لأحد سياسياً. فلكل برابرته، ولكل سدود يرفعها في وجه الآخر.

يرى الكاتب ميشيل رامبوأنَّه مع اندلاع الحرب المقدّسة بنسخة عام 2012 ـ 2013، رأت الولايات المتحدة من مصلحتها أن يستولي الجهاديون بمختلف فئاتهم والحركات التي ينتمون إليها على الحزام الإسلامي الأخضر.. فهم بإرهابهم للمسلمين والأقليات التي تعيش على أرض الإسلام يحيدون وربما لفترة طويلة دار الإسلام بتدمير دولها، وإنهاك جيوشها، وتجريد أمتها من كل قوة تملكها، واجتياح أراضيها. وبتثبيت الجهاديين والإرهابيين على ساحات انتصاراتهم، تمنع واشنطن بطبيعة الحال تدفقهم على دول الغرب. وكأنها تبني منهم سداً يحمي منهم، وهو ما يندرج ضمن رؤى الإستراتيجيات الأمريكية تريد أمريكا نسف كل إمكانية للشراكة مع الدول الناشئة والمنافسة، عبر تبسيط سياسة الأرض المحروقة. لا شك أن توسع الجهاديين أفضل وسيلة لتطبيق إستراتيجية الفوضى التي سنرى لاحقاً المكانة التي تحتلها في الفكر الجغرافي - السياسي الأمريكي".

لقد اتبعت دولتان كبيرتان فقط في العالم كله وهما الولايات المتحدة وفرنسا سياسة فاعلة ونشطة تجاه العالم العربي. قامت مصالحهما على إرث تاريخي، وعلى حقائق جغرافية أو اعتبارات إستراتيجية لا رابط بينها؛ وكانت الأهداف والمقاربات في واشنطن أو باريس مختلفة جداً. لنكتفي في هذه المرحلة بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة استأنفت تقاليد السياسة البريطانية القائمة على الهيمنة، والحسابات، التي تميل إلى معاداة العرب وتدعم إسرائيل بلا قيد أو شرط اعتباراً من عام1967. كان ذلك عندما حلت الولايات المتحدة محل فرنسا في لعب دور الشريك الإستراتيجي للكيان الصهيوني بعد الانعطاف الديغولي إثر حرب الأيام الستة.

والواقع أن السياسة الأمريكية التي كانت تبحث عن نفسها وتتحرّر شيئاً فشيئاً من مثاليتها تبعاً لتطورات المواجهة بين الشرق والغرب، أصبحت تبحث عن زبائن لا عن شركاء. بالنسبة للولايات المتحدة ، العالم العربي هو بالدرجة الأولى كناية عن آبار نفط في كل مكان، إضافة إلى ملايين وملايين العرب الذين لا يحبون إالكيان الصهيوني  كثيراً. ومع الوقت، ومع اندلاع بعض الأزمات النفطية، أخذ هذا المشهد يتعزّز ويتطوّر، فهناك مليارات ومليارات براميل النفط، والعرب يتزايدون ويزداد كرههم للكيان الصهيوني ، وأصبح هناك أمراء فاحشو الثراء كما لو أن السماء تمطر عليهم مالاً، وأخيراً هناك إسلاميون جهاديون للبيع..

إقرأ أيضا: بين التاريخ والاستراتيجية.. تفكيك سردية الصراع على الشرق الأوسط الكبير
التعليقات (0)