التحوّط الاستراتيجي في السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة.. قراءة في كتاب

يُمكن تعريف نظرية التحوط الاستراتيجي بكونها تعبّرُ عن اتباع منهج مخصوص تتبعه دول ما حِيال دولة أخرى تمثل تهديدا لها، ويقوم هذا المنهج على توازن ناعم وتوازن رادع.
يُمكن تعريف نظرية التحوط الاستراتيجي بكونها تعبّرُ عن اتباع منهج مخصوص تتبعه دول ما حِيال دولة أخرى تمثل تهديدا لها، ويقوم هذا المنهج على توازن ناعم وتوازن رادع.
شارك الخبر
تتمثل أهمية الكتاب في عرضه وتحليله لنظرية جديدة في العلاقات الدولية وهي نظرية التحوّط الاستراتيجي، واختبارها تجريبيا في الحالة الإيرانية . الكتاب من تأليف  علا رفيق منصور وأيمن إبراهيم الدسوقي، وهو من إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت كانون الثاني/يناير 2022، ويقع في 320 صفحة.

يُقسّمُ المؤلفان الكتاب إلى أربعة فصول، يعالج الأول نظرية التحوّط الاستراتيجي من حيث التعريف والنشأة والمقولات الأساسية، ويعالج الثاني الديبلوماسية النووية الإيرانية كما تُمليها نظرية التحوط الاستراتيجي، أما الفصل الثالث فيعرضُ القدرة التنافسية والتوازن الصلد في السياسة الإيرانية والقائم على ثلاث مرتكزات: تطوير القدرات العسكرية وسياسات التحالف وتنويع الشركاء. ويحلل الفصل الأخير الكُلفة الداخلية والخارجية لاستراتيجيا التحوّط.

 فيم تتمثل نظرية التحوّط الاستراتيجي وكيف مارستها إيران في سياستها تجاه الولايات المتحدة في ما يتعلق ببرنامجها النووي؟ وماهي آليات وميكانيزمات هذا التحوّط؟ تلك هي الإشكالية التي يطرحها الكتاب وعلى قارئ الكتاب أن يقيّم جدوى هذه النظرية في الحالة الإيرانية على ضوء الحرب "الإسرائيلية" الأمريكية على إيران.

تتضح معالم استراتيجيا التحوّط في السياسة الإيرانية في الفترة الرئاسية الأولى لروحاني الذي أعلن في حملته الانتخابية قائلا "يجب أن نعلم أننا نستطيع التفاعل حتى مع العدو بطريقة تؤدي إلى تخفيف عدائه وأن نجعل عداءه لا يكون فعّالا". ي
يُمكن تعريف نظرية التحوط الاستراتيجي بكونها تعبّرُ عن اتباع منهج مخصوص تتبعه دول ما حِيال دولة أخرى تمثل تهديدا لها، ويقوم هذا المنهج على توازن ناعم وتوازن رادع. يتمثل الأول في تعاون الدولة المُتحوّطة مع مصدر تهديد أمنها الوطني وذلك لتجنب التهديدات أو الدخول في صراع غير متكافئ. ويتمثل الثاني في تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية والانخراط في تحالفات سياسية وعسكرية تحوّطا لصراع مسلح. إن هدف التحوط الاستراتيجي هو تجنب المواجهة والبقاء في عالم من الغموض لتأمين الوضع القائم.

حتى تؤتي هذه الاستراتيجيا اُكلها يجب اتباع آلية من أربعة معايير:

تحسين القدرات الردعية والزيادة في احتياطات  السلع  العامة، وتجنب الظهور بشكل صريح كقوة معادية للدولة مصدر التهديد، بل يجب التعاون معها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتخطيط استراتيجيا التحوط بشكل مركزي وعلى أعلى مستويات القرار السياسي، وأخيرا الاستعداد لقبول التكلفة الداخلية والخارجية لهذه الاسترتتيجيا.

هناك عدة أنماط للتحوّط الاستراتيجي يمكن تصنيفها وفقا لمعيارين اثنين: أولا، تحديد الهدف الذي يتجه إليه التحوّط، وثانيا، الدوافع الاستراتيجية التي دفعت الدولة إلى اتباع هذه الاستراتيجيا. يحيلنا المعيار الأول إلى ضرورة أن يُحدد واضع هذه الاستراتيجيا الدولة التي يعتبرها تهديدا، ونكون إزاء تحوّط مُفرد، وإذا كانت دولتان نكون إزاء تحوط مزدوج. أما معيار الدافع الاستراتيجي فهو إما الخوف من الصدام المُحتمل مع دولة مُهددة تتفوق بشكل كبير على الدولة المُهَدَّدَة، أو لتغطية نقص في السلع والمزايا الأمنية التي كانت توفرها دولة كبرى حليفة.

إذا قارنّا هذه الاستراتيجيا مع التصور الثنائي البسيط للمدرسة الواقعية  والذي يقول بأنه على الدول، في محاولتها تحقيق أمنها الخاص، إما أن تمارس النفوذ، وإما أن تنشد الاستقلالية في سياساتها الخارجية، فإننا  نلاحظ أن التحوّط يقع في منطقة وسطى هي  المناورة والمراوحة بين القطيعة والتعاون.

كيف تجلّت هذه الاستراتيجيا في سلوك إيران إزاء الولايات المتحدة؟ وماهي الكُلفة الداخلية والخارجية للتحوّط الاستراتيجي الإيراني؟

تتضح معالم استراتيجيا التحوّط في السياسة الإيرانية في الفترة الرئاسية الأولى لروحاني الذي أعلن في حملته الانتخابية قائلا "يجب أن نعلم أننا نستطيع التفاعل حتى مع العدو بطريقة تؤدي إلى تخفيف عدائه وأن نجعل عداءه لا يكون فعّالا". يتمظهر هذا التفاعل في مستوى  التعاون السياسي كما ظهر في المفاوضات النووية التي بدأت منذ عام 2004 والتي أفضت إلى توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة، وبها تجنبت أو قللت إيران من احتمال مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

كما يظهر أيضا في تعاون إيران الأمني مع الدولة المُهدّدة في بعض مجالات الأمن الانتقائي، مثل التعاون عن طريق قوات الحشد الشعبي العراقي والحرس الثوري الإيراني في محاربة "داعش" في العراق وسوريا. غير أن إيران تضغط في نفس الوقت على الولايات المتحدة باستعمال أذرعها في العراق، وتضغط على حليفتها "إسرائيل" بدعم نظام بشار الأسد ودعم حزب الله، وتضغط على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج بدعم الحوثيين في اليمن.

يستمد الكتاب أهميته من محاولته سد النقص في المكتبة العربية فيما يخص الاهتمام بالتحوّط الاستراتيجي الذي تُهمله الدراسات الأكاديمية العربية، كما يستمد أهميته أيضا من الصراع الدائر الآن في الخليج العربي، عساه يساعد القارئ في فهم خريطة تحالفات إيران ورسم استراتيجيتها وتحديد أدواتها في بلوغ أهدافها.
وكجزء من التحوّط الاستراتيجي، واصلت إيران اسعدادها للمواجهة العسكرية وذلك بتطوير قدراتها العسكرية حتى بعد توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث اختبرت في سنة 2015 صاروخا باليستيا بعيد المدى من نوع "عماد"، وهو ما أدى إلى عقوبات أمريكية في يناير 2016، فردت إيران في آذار / مارس بإطلاق صورايخ باليستية عدة من منصات مختلفة في أرجاء البلاد.

وعندما وافق الكونغرس الأمريكي في آخر عُهدة أوباما على تمديد العقوبات على إيران، أعطى الرئيس روحاني الضوء الأخضر لإعداد دراسة لإنتاج المحركات النووية والوقود النووي الخاص بها. ويلاحظ الكاتبان أن هذا الخليط من التعاون والاستعداد للمواجهة ينعكس في المواد الاتصالية للنخب السياسية، لذلك كانت خُطبها ردات فعل على تصعيدات الدولة المُهدِّدة. أقام الكاتبان جدولا لعيِّنات من هذه الخطب وصنّفاها إلى خانات ثلاث، ليُثبتا بأن النخبة السياسية الإيرانية كانت تبعث بثلاثة أنواع من الرسائل إلى الدولة المُهَدِّدَة تترواح بين التعاون والتصعيد وثالثة أخرى هي خليط بينهما.

نلمس أيضا عناصر استراتيجيا التحوّط الإيرانية من خلال حذر الإيرانيين الشديد من النِّيات الغربية حتى بعد إبرام الاتفاق النووي، وقد تجلى هذا التحوّط الاستراتيجي في جملة من الإجراءات الاقتصادية  كتصفية الشركات المملوكة لمستثمرين غربيين. وحتى لا تُعيد أخطاء ما قبل الحصار عندما غادرت الشركات الأحنبية البلاد وتركت خلفها مشاريع غير مُكتملة من دون دفع أي تعويضات، اشترطت إيران على المستثمرين الذين يريدون الدخول إلى سوقها أربعة بنود: فرض غرامات جزائية على الشركات التي تُخِلُّ بالتزاماتها، وإبقاء التقنيات المستخدمة داخل إيران، وتدريب الكادر الإيراني العامل داخل هذه المشاريع، وأخيرا ضمان استمرار تزويد الشركات في إيران بقطع الغيار مهما كانت الظروف. كما رفضت إيران المشاريع طويلة الأمد لأنه كان لديها مخاوف كبيرة من إمكان انهيار الاتفاق النووي في أي وقت. ولقد أعطى انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق وعدوانها الأخير بمعية "إسرائيل" على إيران  مصداقا لهذا التحوّط.

ماهي الكُلفة الداخلية والخارجية لاستراتيجيا التحوّط الإيرانية؟

يمثل التعاون الديبلوماسي بين إيران والدول الأوروبية والولايات المتحدة، في ما يتعلق ببرنامجها النووي، جزء من استراتيجيتها للتحوط، وقد كلّفها ذلك انقساما داخل نخبتها السياسية بين المحافظين والإصلاحيين، حيث يرفض التيار الأول التعاون مع الغرب ويراه عبثيا وبلا جدوى ويميل إلى الاستعداد للمواجهة. لقد اعتبر هذا التيار الاتفاق النووي محاولة غربية لتغيير النظام الحاكم واستبداله بنظام موالِِ للغرب، غير أن مباركة المرشد الأعلى والرأي العام له كتمت هذه الأصوات فمضت إيران قُدُما في الاتفاق وأبرمته. أما التيار  الثاني فمن أعلامه علي أكبر رفسنجاني الذي عقد لقاءات مع الغرب لفك عزلة إيران ودعا إلى الاستفادة من الاستثمار الغربي، وقد سار خاتمي على نهجه ودعا إلى حوار الحضارات بديلا عن الصراع والصدام.

من التكاليف الخارجية لاستراتيجيا التحوط اتباع إيران أدوات الصراع اللامتماثل مع الولايات المتحدة. لقد كانت على وعي بتفوق الولايات المتحدة عسكرية واقتصاديا لذلك اتبعت إيران استراتيجا الرفع من كُلفة أي انتصار عليها بحيث تدفع خصمها إلى إعادة حساباته والعدول عن قرار الحرب. تمثل "حلقة النار" جوهر هذه الاستراتيجيا ، وهي تتكون من الحوثيين في اليمن والذين يشرفون على مضيق باب المندب ويقعون في خاصرة السعودية الجنوبية، أما في العراق، حيث أكبر سفارة للولايات المتحدة في العالم، فقد تحملت إيران أعباء كبيرة في دعم فيلق بدر وجيش المهدي ولواء اليوم الموعود وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله العراقي وكتائب الإمام علي وحركة النجباء. وفي لبنان تحملت إيران أعباء أخرى في دعم وتمويل وتسليح وتدريب حزب الله، أما في سوريا فقد كانت الضريبة السياسية والأخلاقية لدعمها لنظام بشار الأكثر كُلفة الأمر الذي أفقدها الكثير من الدعم الشعبي في المنطقة وأدّى داخليا إلى انقسام حاد داخل نخبتها السياسية. كما دعمت بالأموال والأسلحة والتدريب كل من حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين المحتلة، وهو دعم بلغ ذروته خلال "حرب الفرقان" نهاية عام 2008.

يستمد الكتاب أهميته من محاولته سد النقص في المكتبة العربية فيما يخص الاهتمام بالتحوّط  الاستراتيجي الذي تُهمله الدراسات الأكاديمية العربية، كما يستمد أهميته أيضا من الصراع الدائر الآن في الخليج العربي، عساه يساعد القارئ في فهم خريطة تحالفات إيران ورسم  استراتيجيتها وتحديد أدواتها في بلوغ أهدافها. كما يستطيع القارئ الآن تقييم هذه الاستراتيجيا من حيث نجاحها في الحيلولة دون حصول اعتداء على أيران أو من حيث الرفع من كُلفة  هذا الاعتداء ودفع الدولة المُهدِّدة إلى التوقف وإعادة حساباتها. 
التعليقات (0)