الكتاب: الحزب الشيوعي الفلسطيني من التأسيس
إلى التغيير(1919-1991م)
الكاتب: محمد منصور أبو ركبة
الناشر: دار الصومعة، للنشر والتوزيع، عام
2026م.
عدد الصفحات: 462 صفحة.
في الجزء الثاني والأخير من هذه القراءة
النقدية التي كتبتها خصيصاً لـ"عربي21"، تواصل الكاتبة والباحثة
الفلسطينية الدكتورة إلهام بدر شمالي تفكيك المسار
التاريخي والفكري للحزب الشيوعي الفلسطيني كما يقدمه كتاب "الحزب الشيوعي
الفلسطيني من التأسيس إلى التغيير (1919-1991)" للباحث محمد منصور أبو ركبة،
متوقفة عند التحولات العميقة التي عاشتها الحركة الشيوعية الفلسطينية بعد النكبة،
وصعودها في قطاع غزة، ودورها في مقاومة مشاريع التوطين والاحتلال، وصولاً إلى
حضورها في الانتفاضة الأولى وأزماتها الفكرية والتنظيمية مع انهيار المشروع الأممي
وصعود مسارات التسوية السياسية.
وتكشف هذه القراءة كيف ظل اليسار الفلسطيني،
رغم انقساماته وتعقيداته، جزءاً مركزياً من معركة الهوية الوطنية الفلسطينية، ومن
الجدل الطويل بين الثورة والدولة، والكفاح الوطني والتحولات الإقليمية والدولية.
الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة:
حاول أعضاء العصبة خلال حرب عام 1948م تثبيت
المواطنين في قراهم، اذ اعتبرت العصبة ان دخول الجيوش العربية فلسطين ما هي إلا
محاولات عربية يائسة عن فعل أي شيء مؤيد قرارهم بقبول قرار التقسيم، كحل وحيد يضع
حد لمأساة الشعب الفلسطيني، ويحافظ على هويته الوطنية ويضمن إقامة دولته المستقلة،
وبذلك قامت العصبة بدور بارز في بقاء قرابة 150 ألف فلسطيني في مدنهم وقراهم قبل
قيام دولة إسرائيل وبعده.
أصبح قطاع غزة المنطقة الوحيدة ارضا وشعبا
في اعقاب نكبة فلسطين 1948م المنطقة الوحيدة التي لم تنله إجراءات الضم والإلحاق،
وتحدد أرضا وسكانا ً بحكم الضرورة
العسكرية وفق اتفاقية الهدنة المصرية الإسرائيلية التي وقعت في رودس عام 1949م،
وظل تحت الإدارة العسكرية المصرية يخضع للأحكام العرفية، ودون وضع سياسي ودولي
محدد، أما بالنسبة للأحزاب السياسية والمؤسسات المهنية التي كانت قائمة قبل عام
1948م، فقد انهارت تماما عد عصبة التحرر الوطني، التي هاجمت الإدارة المصرية بشدة
ونعتوها بالاحتلال المصري لأرض فلسطين، وطالبوا مراراً بضرورة مغادرة الجيش المصري
للقطاع، فقامت الإدارة بحملة اعتقالات شرسة ضد أعضاء العصبة ومحاصرة نشاطاتهم،
واتهامهم بالعمالة لإسرائيل، واودعتهم في معسكر الكونتلا " أبو عجيلة"
للقوات المصرية، لكن القوات الإسرائيلية قامت باعتقالهم من داخل سجن أبو عجيلة ضمن
من أسرتهم من القوات المصرية، ونقلتهم إلى سجن بئر السبع داخل إسرائيل (ص182).
يعد الحزب الشيوعي الفلسطيني رائداً ومبادراً في ظاهرة العمل التطوعي التي بلغت أوج عطائها في الانتفاضة الأولى حيث كان أحد الأركان الأربعة التي شكلت القيادة الموحدة للانتفاضة، وقد قاد أعضاء الحزب المسيرات الشعبية وكانوا على رأس المناضلين خلف المتاريس والتزموا بتنفيذ البرامج الكفاحية التي دعت لها القيادة الوطنية الموحدة ضمن أعمال الانتفاضة..
عاد معين بسيسو من العراق الى قطاع غزة
ليصبح الشخصية المركزية في حياة الحركة الشيوعية، الذي كان عضوا في الحزب الشيوعي
العراقي، ولدية القدرة على مخاطبة الجماهير بالإضافة لكونه شاعراً والخبرة
السياسية والتنظيمية التي اكتسبها أثناء دراسته في الجامعة الامريكية في القاهرة
استطاع طرح الأفكار الشيوعية في قطاع غزة، وتحويل الشعارات التي أمنها بها إلى
منطق عمل في قطاع غزة، استقطب من خلالها مجموعة من الشباب حوله، وحول الفكر
الشيوعي، واتسم نشاطه بالجرأة وقام بمهاجمة الشخصيات التقليدية بشكل علني، وهو أول
من عرف أبناء القطاع بأدب نيرودا، وناظم حكمت، والأدب اليساري العالمي بشكل عام
(ص188).
ظل قطاع غزة الجزء الوحيد من الوطن الذي
احتفظ باسم فلسطين بعد النكبة، لكنه بقي في ظروف بالغة التعقيد من مطاردة الأجهزة
الأمنية المصرية لكل نشاط سياسي تقدمي، واعتداءات إسرائيلية متكررة على القطاع،
وتشتت الشعب الفلسطيني وذهوله وعدم قدرته على استيعاب ما حدث له، من اقتلاع وطرد
وتطهير عرقي، ولذلك أخذ ثلاثة شيوعيين فلسطينيين في قطاع غزة على عاتقهم، وبسرية
تامة مهمة تأسيس أول خلية للحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة عام 1952م،
والانطلاق به نحو حركة وطنية فلسطينية جديدة، وهم معين بسيسو وسمير برقوني، ومحمود
نصر؛ ونتيجة للتحولات السياسية التي حدثت على تنظيم العصبة في الضفة الغربية،
وقرار نشطائها تحويلها الى الحزب الشيوعي الأردني، ولم يعلم فرع العصبة في القطاع
بهذا الأمر، كذلك قيام نشطاء العصبة الذين بقوا داخل حدود الأراضي المحتلة
بالانضمام للحزب الشيوعي الإسرائيلي، قام أعضاء العصبة في غزة بتشكيل لجنة مركزية
للحزب مكونة من خمسة أعضاء، وضعوا برنامج سياسي مرحلي للحزب أكد فيه على ثوابت
الحزب السياسية والفكرية عبر فيه عن هويته الفكرية كممثل للعمال والفلاحين
والكادحين والمثقفين الوطنين والثوريين، وتتركز أهدافها على النضال من اجل إقامة
دولة فلسطينية مستقبلة طبقا لقرار التقسيم رقم 181، وحق اللاجئين في العودة إلى
ديارهم، وتعويضهم وفقا للقرار الأممي رقم 194، وإلغاء الاحكام العرفية، وقانون
الطوارئ الاستعماري، والعمل على حماية الحدود من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
أعاد بسيسو تنظيم العصبة على أسس جديدة،
وتحولت العصبة إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة، وأصدر الحزب نشرة سرية
أطلق عليها اسم الشرارة، اهتمت بالقضايا الوطنية والسياسية، ورغم نشاط الحزب في
صفوف اللاجئين، إلا أنه لم يحقق انطلاقة كبيرة في حجم قاعدته الجماهيرية مقارنة
بحركة الإخوان المسلمين في المخيمات الفلسطينية، التي اهتمت بالقضايا الاجتماعية،
وسبل تقديم المساعدات للاجئين الفلسطينيين بينما لم تلق قضايا النضال الاجتماعي
اهتماماً من قبل الحزب، الذي ركز نشاطاته على القضايا السياسية والوطنية، وانتقاد
الإدارة المصرية وهذا ما لم يركز عليه الاخوان المسلمين مما اسهم في ازدياد أعداد
المنتمين لهم(ص191).
قاد الحزب الشيوعي المظاهرات التي انطلقت في
قطاع غزة رفضا لمشروع التوطين في سيناء عام 1955م، وتردي الأوضاع الاقتصادية
ومحاولات الاذلال المستمرة، واستمرار الهجمات الإسرائيلية على المخيمات وكان لهجوم
28فبراير عام 1955م عند البوليس الحربي وقتل نحو 56 فلسطينياً من الحرس الوطني
أثره في انطلاق المظاهرات الشعبية التي دعا لها الحزب الشيوعي حيث انفجر قطاع غزة
في تظاهرات حاشدة رفع فيها شعار " لا توطين ولا إسكان يا عملاء
الأمريكان"، جاءت ردة فعل الإدارة المصرية دموية تجاه المظاهرات واعتبار من
قاد هذه المظاهرات خارجين عن الصف الوطني، فتم شن حملة اعتقالات واسعة، ووقوع عدد
من الشهداء مما وضع الإدارة المصرية في حالة حرج شديد سعت معها لاحتواء الموقف
بإيقاف التظاهرات، فتم تشكيل لجنة ثلاثية ضمت من الشيوعيين معين بسيسو، وعن
الإخوان فتحي البلعاوي، ومن المستقلين عمر الصوراني الذين طالبوا الإدارة المصرية:
ـ إلغاء مشروع
التوطين.
ـ تدريب وتسليح
اللاجئين الفلسطينيين لحماية أنفسهم.
ـ اطلاق الحريات
كحرية النشر، والاجتماعات، والاضراب.
ـ عدم المس
بحرية الأشخاص الذين تظاهروا.
نفذ الرئيس المصري عبد الناصر مطالب المنتفضين بإلغاء التوطين وتسليح الفدائيين،
وأضاف على ذلك انجازين مهمين للحركة الوطنية الفلسطينية، أولهما: تشكيل الكتيبة
141 فدائيين، وأوكل قيادتها إلى مدير مكتب المخابرات المصرية في قطاع غزة البكباشي
المقدم مصطفى حافظ، وضمت 600 فدائي فلسطيني كما عقد عبد الناصر صفقة الأسلحة
التشيكية مع السوفييت الأمر الذي أفزع واشنطن بعد أن كسر عبد الناصر احتكار الغرب
للسلاح المورد إلى الشرق الأوسط، وبدأ بذلك رحلته مع القومية العربية، وكان لهذه
الخطوات رافعة للنضال الفلسطيني في وجه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وصمام
أمان نحو العمل المسلح الفلسطيني ضد المحتل الإسرائيلي.(ص201).
الحزب الشيوعي والانتفاضة الأولى:
جاءت الانتفاضة الأولى كمحصلة لنضالات الشعب
الفلسطيني على مدار عشرين عاماً من الاحتلال، وأربعين عاماً على النكبة ممثلة
انعطافاً وطنياً في معركة التحرر الوطني ضد الاحتلال بعمقها الوطني الفلسطيني
بأبعاده الإقليمية الدولية، وصيانتها لدور ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية التي
جرى محاولات إيجاد بدائل لها، فقد نقلت الانتفاضة ثقل النضال الفلسطيني إلى داخل
فلسطين، وعززت من حضوره وفشل محاولات تخطيه المستمرة، أحدثت الانتفاضة عملية تجديد
وتطوير ديمقراطية شاملة ليس داخل منظمة التحرير الفلسطينية فقط، وإنما داخل كل فصيل
من فصائلها، عملية التجديد طالت الفكر والسياسة والتنظيم وأساليب العمل، وأكدت
الانتفاضة أمريين أساسيين بناهما الفكر الشيوعي الفلسطيني منذ البداية ودافع عنهما:
الأول ـ أهمية النضال الجماهيري داخل الاراض
الفلسطينية المحتلة، وجدواه وأفاق تصعيده، وتوكيداً ان الانتفاضة الشعبية مقاومة
مناسبة للوضع الملموس داخل فلسطين، وآلية المبارزة نوعية حرمت الجيش الإسرائيلي
المتفوق من استعمال العديد من الأسلحة الفاتكة.
الثاني ـ ان هذه الانتفاضة رسمت على الأرض
حدود الدولة الفلسطينية الموعودة، فقد تحددت فعاليات الانتفاضة داخل الأراضي
الفلسطينية المحتلة عام 1967م.
ظل قطاع غزة الجزء الوحيد من الوطن الذي احتفظ باسم فلسطين بعد النكبة، لكنه بقي في ظروف بالغة التعقيد من مطاردة الأجهزة الأمنية المصرية لكل نشاط سياسي تقدمي، واعتداءات إسرائيلية متكررة على القطاع، وتشتت الشعب الفلسطيني وذهوله وعدم قدرته على استيعاب ما حدث له، من اقتلاع وطرد وتطهير عرقي
نتيجة لضغط الشيوعيين الفلسطينيين المتواصل
على قيادة الحزب الشيوعي الأردني، لتشكيل حزب شيوعي فلسطيني في الضفة الغربية أسوة
بقطاع غزة الذي دعا الى استكمال هذه الخطوة بالإعلان عن تأسيس الحزب الشيوعي
الفلسطيني الموحد والمستقل، الذي يجب ان تتوحد في اطاره كل التنظيمات الشيوعية
المنبثقة عن عصبة التحرر الوطني الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد صاغ
التقرير السياسي لهذا الحزب بشير البرغوثي، الذي رأى ان الوضع الدولي الملائم
لانتصار نضال الشعوب العربية والشعب الفلسطيني من اجل الاستقلال الوطني، والقضية
الفلسطينية في الساحة الدولية، والتحرك السياسي ومهماته الكفاحية في الضفة الغربية
وقطاع غزة، ضد الاحتلال والواقع الاجتماعي والسياسي الناجم عن هذا الاحتلال، ودور
منظمة التحرير الفلسطينية في المناطق المحتلة والجبهة الوطنية ومهمات الحركة
الوطنية.
يعد الحزب الشيوعي الفلسطيني رائداً
ومبادراً في ظاهرة العمل التطوعي التي بلغت أوج عطائها في الانتفاضة الأولى حيث
كان أحد الأركان الأربعة التي شكلت القيادة الموحدة للانتفاضة، وقد قاد أعضاء
الحزب المسيرات الشعبية وكانوا على رأس المناضلين خلف المتاريس والتزموا بتنفيذ
البرامج الكفاحية التي دعت لها القيادة الوطنية الموحدة ضمن أعمال الانتفاضة وبسبب
الدور الكفاحي للحزب وتضحيات أعضائه، استشهد العشرات وأصيب واعتقل المئات، حيث كان
أعضاء الحزب نموذجاً للصمود والبطولة داخل الزنازين وأقبية التحقيق
الإٍسرائيلية.362
بدأت الأنظار الشيوعية تتجه نحو تشكيل حزب
شيوعي فلسطيني موحد يضم شيوعي الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني والشتات،
إلا أن التيار الثوري في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، عارض بشدة ذلك
بحجة أن قيام حزب شيوعي موحدة مرهون بقيام الدولة الفلسطينية، ويشكل انحرافاً
قوميا عن الخط الأممي، الذي يقضي ببقاء الشيوعيين الفلسطينيين ضمن الحزب الشيوعي
الأردني، كما عارضت الجهة الوطنية الفلسطينية، بدعوى أنها تذيب شخصية الشيوعيين
الفلسطينيين، وعارضت كذلك ممارسة الشيوعيين للكفاح المسلح (ًص375).
تشكيل جديد للشيوعية في قطاع غزة تشكل مع
تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري الذي وجد كفصيل يساري مستقل، الذي جاء في
سياق الانتكاسات الكبرى التي مني بها المشروع القومي العربي والأزمة التي عاشتها
الحلقات الماركسية الفلسطينية التي كانت تتوق إلى حمل السلاح ورفع راية المقاومة
العسكرية تحت لواء الحزب، وما كشفته عن عمق أزمة الحركة اليسارية بمختلف تشكيلاتها
بشكل عام وفي الساحة اللبنانية والفلسطينية ، بالإضافة لوقف زمبام المبادرة
السياسية وتخلفها عن الإمساك بحلقة النضال المركزية في اللحظة التاريخية المحددة،
بما في ذلك عدم ادراكه لوظيفة الكفاح المسلح في انبعاث الهوية واستنهاض الحالة
الوطني الفلسطينية بعد نكسة عام 1967م(ص384).
يقول الكاتب: "قدمت منظمة الحزب
الشيوعي الفلسطيني الثوري نفسها عند التأسيس كجبهة يسارية متحدة ودعت في وقت مبكر
لإقامة تحالف ديمقراطي ثوري، على هذا الأساس استقطبت سريعا قطاعات يسارية
وديمقراطية ذات اتجاهات مختلفة لا تنتسب إلى تنظيم، كما جذبت فئات موزعة على صفوف
الحركة الوطنية والديمقراطية، وحركات الشباب بشكل عام، وبشكل خاص من أعضاء الحزب
الشيوعي الفلسطيني، وانضمت له عصبة اليسار الثوري الفلسطيني والمنظمة الشعبية
لتحرير فلسطين، وتضمن برنامج الحزب الجديد النضال من أجل وحدة
الشيوعيون
الفلسطينيين أنه؛ وبسبب وجود تيار انتهازي يميني في الحزب الشيوعي الأردني الذي
كان يضم الأغلبية الساحقة من الشيوعيين الفلسطينيين ظل يعرقل قيام الحزب الشيوعي
الفلسطيني، ثم فيما بعد عمل على فرض نهجه الانتهازي اليميني على الحزب الشيوعي
الفلسطيني، مما دفع التيار الثوري لمواجهة هذا المسعى وأدى ذلك لوقوع الانقسام
داخل الحزب الوليد، ومن ثم تحول الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى حزب الشعب الفلسطيني
في تحول دراماتيكي وقع مع الانتفاضة الأولى وبداية ظهور تفاهمات التسوية السياسية
بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال(ص387).
إقرأ أيضا: فلسطين واليسار المبكر.. كيف تشكل الوعي الشيوعي تحت الانتداب؟ كتاب جديد