خبير تونسي: حرب الخليج تهدد اقتصاد المغرب العربي وتفرض إصلاحات عاجلة

فيصل دربال:  الدول الأكثر هشاشة هي تلك التي تجمع بين ثلاث نقاط ضعف: اعتماد كبير على واردات الطاقة والغذاء والأسمدة..
فيصل دربال: الدول الأكثر هشاشة هي تلك التي تجمع بين ثلاث نقاط ضعف: اعتماد كبير على واردات الطاقة والغذاء والأسمدة..
شارك الخبر
نظم نخبة من الخبراء التونسيين من اختصاصات متعددة، بمبادرة من موسسة "كفاءات تونسية"، ندوة فكرية سياسية مفتوحة حول انعكاسات الحرب الحالية في الخليج ولبنان وفلسطين دوليا وخاصة على تونس والدول المغاربية اقتصاديا واستراتيجيا وأصدروا توصيات بالجملة إلى السلطات وصناع القرار السياسي والاقتصادي بهدف امتصاص الانعكاسات الخطيرة لهذه الحرب وما تسببت فيه من صدمات.

الإعلامي والأكاديمي كمال بن يونس التقى بالمناسبة كبير الخبراء الاقتصاديين ومسؤول الحوكمة في المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، الذي يتخذ من تونس مقرا له، وأجرى معه الحوار التالي حول تشخيصه للأوضاع والتوصيات العملية التي قدمها "حتى تتحول الأزمة إلى فرصة للإنقاذ والإصلاح".

وفيما يلي النص الكامل للحوار :

س ـ قدمت في ندوة موسسة "كفاءات تونسية" محاضرة مطولة مدعومة بآخر الإحصاءات حول التحديات الاقتصادية والجيو استراتيجية بعد الحرب الحالية على إيران ودول الخليج ولبنان وفلسطين.. كيف تشخص الوضع عموما خاصة وأنك ترأس منذ عقود مِؤسسات دراسات مالية عمومية تونسية وعربية ودولية فضلا عن تجربتك الطويلة في عالم المال والأعمال وفي البرلمان؟  وما هي قراءتك وأنت في مؤسسة دراسات وأبحاث وتفكير يشارك في أنشطتها رجال أعمال و وزراء ورؤساء حكومات ودول عربية وأوروبية ودولية؟

 ـ تشكل الحرب في الشرق الأوسط صدمة جيو ـ اقتصادية كبرى تتجاوز آثارها بكثير الإطار الإقليمي. ورغم أن أبعادها السياسية والجيوسياسية والإنسانية مهمة، فإن التحليل الاقتصادي يُظهر أن هذا النزاع يمثل اليوم "عامل هشاشة" على المستوى العالمي، لا سيما بالنسبة للدول المستوردة للطاقة، المعتمدة على الطرق التجارية البحرية، والتي تمتلك هوامش ميزانية محدودة.

على المستوى العالمي، يتمثل الأثر الأول في صدمة على مستوى العرض.

إن اضطراب تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة والبضائع يؤدي إلى ارتفاع الأسعار الدولية، وزيادة تكاليف الإنتاج، وتباطؤ النشاط الاقتصادي. وقد بلغ سعر برنت، الذي كان في حدود 72 دولارًا قبل اندلاع الأعمال العدائية، ذروة قاربت 120 دولارًا.

كما أن الارتفاع المستدام في أسعار الطاقة يغذي مباشرة التضخم العالمي ويقلص النمو، خاصة في الدول المستوردة الصافية للهيدروكربونات.

أما الأثر الثاني فيتعلق بالنقل البحري. فالتوترات حول المضائق الاستراتيجية، ولا سيما هرمز وباب المندب، إضافة إلى الاضطرابات في البحر الأحمر وحول قناة السويس، تعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

وترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتطول آجال التسليم، كما تتعرض الشركات الصناعية لتأخيرات في التزود بالمواد الأولية والمدخلات. وتؤثر هذه الوضعية بشكل خاص على اقتصادات حوض المتوسط وأفريقيا والشرق الأوسط، التي تعتمد قدرتها التنافسية بدرجة كبيرة على سلاسة المبادلات البحرية.

الأمن الغذائي.. والأسمدة



أما الصدمة الثالثة فتمس الأمن الغذائي. إذ أن ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والنقل يثقل كاهل التكاليف الزراعية. وتصبح الدول المعتمدة على واردات الحبوب أو المدخلات الزراعية عرضة لارتفاع أسعار الغذاء، مع مخاطر اجتماعية كبيرة، خاصة في المناطق الحضرية حيث تكون القدرة الشرائية ضعيفة أصلًا.

س ـ في هذا السياق ما هي دول المنطقة الأكثر تضررا؟ وماذا عن تونس ودول شمال أفريقيا خاصة؟

 ـ في المنطقة، اتضح أن الدول الأكثر هشاشة هي تلك التي تجمع بين ثلاث نقاط ضعف: اعتماد كبير على واردات الطاقة والغذاء والأسمدة؛ روابط اقتصادية مع دول الخليج؛ وهوامش ميزانية محدودة. وتُعد تونس ومصر والأردن ولبنان وتركيا والعراق والسنغال وكينيا وغيرها من اقتصادات المنطقة ضمن الدول المعرضة.

وبالنسبة لهذه الدول،  يلعب معطى النزاعات المسلحة دور " العامل الذي يضاعف  للهشاشة والأزمات الهيكلية والظرفية"، فيزيد من العجز، ويسرّع التضخم، ويعطل المبادلات، ويعقد مناخ الأعمال وفرص التشغيل والتمويل الخارجي.

بالنسبة لتونس، فإن التأثيرات قد تكون أكثر خطورة بسبب هشاشات هيكلية وأزمات ظرفية قائمة مسبقًا. إذ يعاني الاقتصاد التونسي من عجز مرتفع في الميزانية، وارتفاع الدين العمومي، وعجز في الحساب الجاري، وجمود في النفقات العمومية، وضعف في هامش المناورة المالية.

كما أن النفقات غير القابلة للتخفيض، ولا سيما الأجور والدعم والتدخلات العمومية وخدمة الدين، تستنزف جزءًا كبيرًا من موارد الدولة .

تُعد القناة الطاقية الأكثر حرجًا. فقد عرفت تونس منذ عدة سنوات عجزًا طاقيًا مزمنًا. وانخفضت نسبة الاستقلال الطاقي إلى مستوى تاريخي منخفض، في حدود 37% سنة 2025، بل وحتى 29% دون احتساب الإتاوة على الغاز الجزائري.

ويؤدي ارتفاع سعر البرميل مباشرة إلى تفاقم الفاتورة الطاقية، وزيادة الدعم، وتدهور العجز التجاري، وخلق ضغط إضافي على المالية العمومية. ووفقًا للمعطيات المقدمة، فإن كل زيادة بدولار واحد في سعر البرميل تؤدي إلى ارتفاع نفقات الدعم بنحو 164 مليون دينار.

كما تُعد القناة التجارية واللوجستية ذات أهمية كبرى. وبما أن جزءًا كبيرًا جدًا من الصادرات التونسية يمر عبر النقل البحري، فإن أي اضطراب في الطرق التجارية ينعكس في شكل ارتفاع في التكاليف، وتأخيرات في التزويد، وخسارة محتملة في القدرة التنافسية. وقد تتأثر الصناعات التصديرية، خاصة تلك الموجهة نحو أوروبا، بارتفاع تكاليف النقل، وندرة المدخلات، وتأخر سلاسل الإنتاج.

أما القناة التضخمية والاجتماعية فتثير قلقًا كبيرًا. إذ تنتقل زيادة أسعار الطاقة إلى تكاليف الإنتاج، وأسعار المواد الغذائية، وأعباء المؤسسات. ويؤدي ذلك إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر، وزيادة مخاطر التوترات الاجتماعية. وفي بلد تلعب فيه منظومة الدعم دور صمام الأمان الاجتماعي، تجد الدولة نفسها أمام مفاضلة صعبة بين الاستقرار المالي والاستقرار الاجتماعي.

موارد السياحة في خطر

س ـ وما هي الانعكاسات المرتقبة على قطاع السياحة في تونس والدول المغاربية؟

 ـ قطاع السياحة قناة أخرى لتوسيع المضاعفات المالية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة للحرب الحالية في المشرق العربي الإسلامي .

صحيح أن تونس بعيدة جغرافيًا عن بؤر الحرب المباشرة في الخليج وفلسطين ولبنان واليمن لكنها قد تتأثر بما يُعرف بالخلط الجغرافي في تصور السياح الدوليين الذين يعتبرون تونس والبلدان المغاربية جزءا من العالم العربي الإسلامي و"الشرق الأوسط الكبير ".

كما أن ارتفاع تكاليف النقل الجوي والطاقة وتكاليف تشغيل الفنادق قد يقلص من مردودية القطاع السياحي بالنسبة للدولة والقطاع الخاص والعاملين مباشرة وغير مباشرة في مؤسسات السياحة والصناعات التقليدية والخدمات …

كما قد تتأثر تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج، خاصة إذا تباطأ النشاط الاقتصادي في دول الخليج.

ومن المتوقع أن تؤدي اضطرابات مالية أو مصرفية أو لوجستية إلى إبطاء هذه التحويلات، وزيادة تكلفتها، أو تشجيع اللجوء إلى القنوات غير الرسمية.

خطة إنقاذ

س ـ ما هو المطلوب من السلطات وصناع القرار لاحتواء الأزمة وامتصاص الصدمات الاقتصادية العالمية والحد من انعكاساتها السلبية اجتماعياً وسياسيا وأمنيا؟

 ـ أمام هذه المخاطر، يتعين على صناع القرار في تونس والمنطقة العربية عموما وشمال أفريقيا خاصك التحرك على مستويين: الاستعجال والتحول الهيكلي.

على المدى القصير، من الضروري وضع خطة حقيقية لاستمرارية النشاط الاقتصادي الاجتماعي والمحافظة على حد أدنى من "التوازنات ".

ويجب أن تمكن هذه الخطة من الحفاظ على الأنشطة الحيوية، وتأمين سلاسل الإمداد، والحفاظ على سيولة المؤسسات، والحد من الأثر المالي للصدمات الخارجية.

كما يتعين على المؤسسات والإدارات إعداد سيناريوهات للأزمات، مثل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، أو انقطاع التزود، أو تراجع قيمة الدينار، أو انخفاض الطلب، أو تشدد شروط التمويل.

وينبغي أن تشمل الاستجابات تنويع الموردين، وتكوين مخزونات استراتيجية، وإدارة نشطة للسيولة، وتوفير خطوط تمويل طارئة، وترشيد استهلاك الطاقة، واعتماد العمل عن بعد، وتشجيع تقاسم وسائل النقل، وإنشاء خلايا أزمة.

على المدى المتوسط، يجب أن تكون الأولوية لتقليص الاعتماد على الطاقة.

ويتعين على تونس تسريع تطوير الطاقات المتجددة، أو " الطاقات البديلة "، وتعزيز النجاعة الطاقية لدى المؤسسات والأسر، وتكوين احتياطات استراتيجية من المحروقات، والتسريع في إنجاز مشاريع  الربط الكهربائي مع أوروبا.

وأدعو إلى أن يصبح الأمن الطاقي أولوية وطنية، نظرًا لدوره في ضمان الاستقرار المالي، وتعزيز القدرة التنافسية الصناعية، وتحقيق السيادة الاقتصادية.

وتتمثل التوصية الثانية في تعزيز الأمن الغذائي والمائي، من خلال تحديث القطاع الفلاحي، وتطوير التقنيات الموفرة للمياه، وتكوين مخزونات استراتيجية من الحبوب، وتنويع الموردين الدوليين، وتشجيع فلاحة ملائمة للتغيرات المناخية.

أما الأولوية الثالثة فتتعلق بتنويع الاقتصاد. إذ ينبغي على تونس تقليص اعتمادها على القطاعات الهشة، مثل السياحة التقليدية وواردات الطاقة وبعض الأسواق الخارجية، والعمل على تطوير قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل الاقتصاد الرقمي، والصناعات الصيدلانية، والخدمات القابلة للتصدير، والفلاحة المستدامة، والاقتصاد الأخضر والدائري.

وتتمثل التوصية الرابعة في تحسين مناخ الأعمال، والمناخ العام في البلاد. ويجب تبسيط الإجراءات الإدارية في أقرب الاجال ورقمنة الخدمات العمومية، وتعزيز الأمن القانوني، وتحديث النظام القضائي، ومكافحة الاقتصاد غير المنظم، وإحداث مناطق صناعية متخصصة مع إرساء شبابيك موحدة للمستثمرين.

أما التوصية الخامسة فتتعلق بتعزيز الصمود المالي، من خلال التحكم بشكل أفضل في عجز الميزانية، وترشيد الدعم تدريجيًا، وتنويع مصادر التمويل الخارجي، وتطوير السوق المالية المحلية، وإمكانية إحداث آليات للاستقرار.

وتحتاج محاولات الإنقاذ والإصلاح إلى مراجعات للسياسات التربوية والثقافية والأمنية وتعزيز هامش الحريات وضمان الشفافية .

عندما تصنع الأزمات فرصا للإنقاذ

س ـ قدمت مقاربة وأفكارا عملية "براغماتية" تدعو إلى أن توظف الدول الأزمات التي تسببت فيها الحرب الحالية وتحولها إلى "فرصة" أو "فرص لإنقاذ والإصلاح وإعادة البناء".

 ـ فعلا، يمكن لتونس ودول المنطقة أن تحول جزءًا من هذه الأزمة إلى فرصة… فرصة للتنمية البشرية والاقتصادية والسياسية الشاملة ..

إن الأزمات والحروب في المشرق العربي الإسلامي  يمكن أن توظف لإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، بما قد يشجع كبرى المؤسسات والشركات الإقليمية والدولية نحو التموضع بالقرب من أوروبا وتحديدا في تونس وشمال أفريقيا .

وتملك تونس مؤهلات جغرافية وبشرية وصناعية تؤهلها لتكون منصة إقليمية للإنتاج والخدمات.

كما يمكنها استقطاب ملايين السياح الذين كانوا يتوجهون عادة إلى بلدان مشرقية تشهد اضطرابات وحروبا  إذا وفرت انتاجا سياحيا اكثر تطورا وضنت تحسين مناخ الأعمال والاستثمار والمناخ السياسي و الامني مع تبسيط الاجراءات والحد من البيروقراطية.

التعقيدات والتحديات كثيرة لكن النجاح ممكن عبر قرارات جريئة وإصلاحات سياسية وإدارية شجاعة ومواكبة المتغيرات اقليميا و دوليا وخاصة في الدول المنافسة التي حققت نجاحات رغم قلة ثرواتها الطبيعية و مخزونها الاستراتيجي من المحروقات والمعادن.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم