ما بعد الكولونيالية ونقد استعمار المعرفة.. من التفكيك إلى إعادة إنتاج الهيمنة

قامَ العديدُ من  الجامعيينَ والكتابِ و الباحثينَ بالتأصيل الفكريِّ و الثقافيِّ لنظرية ما بعد الكولونيالية، التي رأتْ  النور أولاً في شُعَبِ  الدراساتِ الأدبيةِ، وفي المقام  الأول منها في  الأدب الأنجلوسكسوني..
قامَ العديدُ من الجامعيينَ والكتابِ و الباحثينَ بالتأصيل الفكريِّ و الثقافيِّ لنظرية ما بعد الكولونيالية، التي رأتْ النور أولاً في شُعَبِ الدراساتِ الأدبيةِ، وفي المقام الأول منها في الأدب الأنجلوسكسوني..
شارك الخبر
الكتاب: من كتاب "الاستشراق" إلى ما بعد-الكولونيالية-لعبة القراءة ما بين "المعرفة المبهمة "و"العلمية المنحولة"
الكاتب: نجيب جورج عوض
الناشر: مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، لبنان بيروت، والإمارات  العربية المتحدة-الشارقة، الطبعة الأولى 2025، (عدد الصفحات 384 من القطع الكبير).


يأتي هذا النص بوصفه الجزء الثالث والأخير من قراءة خاصة تنشرها صحيفة "عربي21" لكتاب الباحث والكاتب التونسي توفيق المديني حول كتاب “من كتاب الاستشراق إلى ما بعد-الكولونيالية: لعبة القراءة ما بين المعرفة المبهمة والعلمية المنحولة” للكاتب نجيب جورج عوض، الصادر عن “مؤمنون بلا حدود” سنة 2025.

ويختتم هذا الجزء مساراً تحليلياً ممتداً سعى إلى تفكيك البنى الفكرية لنظرية ما بعد الكولونيالية كما تبلورت لدى أبرز منظريها، وفي مقدمتهم غياتري سبيفاك، عبر قراءة نقدية لمفاهيم المركز والهامش، والهوية، ونزع الاستعمار، وإعادة إنتاج السلطة في الخطاب المعرفي. ويكشف هذا الجزء النهائي عن التحول العميق الذي أحدثته المقاربات ما بعد الكولونيالية في فهم العلاقة بين المعرفة والهيمنة، حيث لم يعد الاستعمار يُنظر إليه كحدث تاريخي منتهٍ، بل كبنية فكرية قابلة للتجدد داخل أنماط التفكير والتمثيل واللغة ذاتها.


المكونات المركزية لخطاب غياتري سبيفاك ما بعد الكولونيالي

يعد الباحثون إدوارد سعيد وهومي بابا وغياتري سبيفاك الثالوث الأقدس للنقد ما بعد الكولونيالي، والذي حقق أعظم درجات الرفعة في حقله العلمي. وهناك باحثون آخرون يقرُّونَ بتأثير إدوارد سعيد الصريح على النقد ما بعد الكولونيالي عند كل من بابا وسبيفاك، بل ويدعون إدوارد سعيد المعلم لقرينيه الآخرين.

في الفصل الرابع  من كتابه  يقوم الكاتب نجيب عوض بزيارة خطاب غياتري سبيفاك ما بعد الكولونيالي وفتح مغاليق مكوناته وتوجهاته، ومن ثم سَبرِ روابطه، أو غياب تلك الروابط والصلات، بمشروع بابا وبكتاب إدوارد سعيد، الاستشراق. فقد أجرى في هذا الفصل أيضاً تقييماً عاماً لخطاب غياتري سبيفاك ما بعد ـ الكولونيالي وترابطه المنطقي الداخلي وقيمته ومعقوليته العلمية بصفته أحد الخطابات المؤسسة ذات الصفة التمثيلية لحقل علمي قائم بذاته.

بدأت مساهمة غياتري سبيفاك الجدية فكرياً في قضية ما بعد الكولونيالية ما بين سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي. وقد كان مؤشر هذه البداية هو اهتمام شديد بالتفسير الفلسفي للتفكيكية في فكر الفيلسوف الفرنسي، جاك دريدا.
يقول الكاتب نجيب عوض :"إنَّ هذا الفصل لا يزعم عرض دراسة شاملة لفكر سبيفاك في مداه الكلي والمتعدّد الأوجه. هو فقط فصل يطمح لمجرد التمحيص تحليلياً في تأثير فكرها على مَسارِ تَطوُّرِ الدّراسات ما بعد الكولونيالية، وعلى أبعاد نزع الكولونيالية الكامنة في وجهات نظرها ما بعد الكولونيالية وفي الآثار المحتملة إما للتقارب أو للتفاوت، أو حتى للتضاد ما بين مقاربتها ضد - الكولونيالية ومقاربة إدوار إدوارد سعيد في الاستشراق أو في نصوص أخرى للكولونيالية. ويسود في أوساط الباحثين اعتقاد مفاده أن العامل المركزي في خطاب سبيفاك الهادف لإسباغ ما بعد - الكولونيالية على النشاط المعرفي عموماً هو انتباهها لدور عامل النرجسية narcissism في تشكيل الهويات الغربية الإمبريالية والذكورية، وكذلك تركيزها على التعامل مع مسألة حقوق الأشخاص الثانويين subaltem وكذلك مقاربتها لمناهضة الكولونيالية من نفاذ التساؤل التالي: من يُحرِّرُ مَن من الكولونيالية، وكيف يفعل ذلك؟

سيحاول هذا الفصل، من خِلالِ قِراءَةِ نُصوصها والتحقيق في مفرداتها الخاصة، أن يرى كيفية قيام سبيفاك في معرض تنظيرها ما بعد الكولونيالي بتطوير مشروع نزع-كولونيالية decolonization يعكس كيف ننظر باستمرار ومثابرة في ميكانيزمات إنتاج الحقائق، وكيف ينبغي علينا القيام بالتفكيك باعتباره نقداً مثابراً لما لا يمكن للمرء أن لا يريده. ليست سياسات التفكير بالإدراك المفاهيمي المذكورة مجرد مواضيع أو عناصر تفكيرية ضمن إطار تنظير سبيفاك حول الكولونيالية المتجددة، أو تفكيرها العام بالوسائل المطلوبة لإنهاء الكولونيالية. إنها تمثل أيضاً أنماط سلوك واستراتيجيات ممارسة modus operand تُمارسها هي شخصياً في نشاطاتها البحثية، وبشكل مباشر ومُعلن، ولا تتورع عن استثمارها في تطوير أدائها الشخصي لسياسة نزع  ـ الكولونيالية وكذلك في تجسيدها أمام العموم لحالة وعي ـ ذات تخصها شخصياً ولا تتعلق فقط بالآخرين. ضمن هذا الإطار، تقول سبيفاك عن نفسها، في نص مقابلة حوارية عنوانها ارتباط Bonding، (ص 142).

بدأت مساهمة غياتري سبيفاك الجدية فكرياً في قضية ما بعد الكولونيالية ما بين سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي. وقد كان مؤشر هذه البداية هو اهتمام شديد بالتفسير الفلسفي للتفكيكية في فكر الفيلسوف الفرنسي، جاك دريدا. وفي أعقاب شروعها بترجمة كتاب دريدا، في علم قواعد الكتابة، إلى الإنجليزية، وربما بإلهام وتشجيع غير مباشر من عملها الترجمي، ظهرت أيضاً مقالتان من تأليف دريدا بترجمات إلى اللغة الإنجليزية في عام 1977. وقد ألهمت تلك المقالتان سبيفاك شخصياً، لاحقاً في عام 1979، في كتابة دراسة عن التفكيكية وعلاقتها بالمخيال النسوي الثقافي، وهي دراسة يمكن النظر إليها كواحدة من التأملات الموثقة المُبكرةِ الَّتِي كَشَفَت لنا اهتمام سبيفاك بالتفكيكية كمفهوم ومنهجية تفسير ولعبة قراءة بشكل عام.

لقد طورت سبيفاك مقاربتها الخاصة للتفكيكية الدريدائية من خلال تسفيرها لتلك التفكيكية إلى مجال الحراك النسوي الثقافي ومن ثم العمل التنظيري لتقويض دعائم التعارض ما بين الخصوصي والعُمومي ما يتحدث هومي بابا عنه بمفردات الهامش والمركز باستخدام استراتيجية التفكيك بحد ذاتها.

يتمفصل مشروع سبيفاك التفكيكي حول وعيها الخاص لذاتها كبنغالية ما بعد كولونيالية من أهل الشتات تُعلي صوتها بغية نزع الكولونيالية من العقول. في عام 1987، وحين كانت أستاذة زائرة في الهند، أجرت سبيفاك مقابلة حوارية قدمت فيها موقفها مما بعد - الكولونيالية. تكشف سبيفاك، في معرض حديثها مع محاوريها، بأنها تقارب ما بعد الكولونيالية من زاوية القُرب أو النَّأي المحليتين والأصغريتين microcosmic وعلاقتهما بالتنظير الفكري حول سياقٍ مُعيّن. ولذلك، تؤطر سبيفاك تلك القراءة لما بعد الكولونيالية في سياق الهند، وفي علاقتها بهويتها المحلية، ضمن تفكيرها أمام محاوريها بالسُّؤال التالي: ما الذي يدفع سبيفاك لتنأى بنفسها عن، أو لتدني نفسها من السياق الهندي البنغالي، أكان ما بعد كولونيالي أم لا، أكثر من محاوريها الهنود في تلك المقابلة؟

تعتقد سبيفاك أن طبيعة الموقف ما بعد الكولونيالي ليست مكانية، بل هي زمانية ليس بالمعنى الزماني التاريخي الذي يتحدث عنه إداورد إدوارد سعيد، بل بالمعنى اللحظي الحضوري في الواقع: هي طبيعة لا تكمن في حضور المرء الجغرافي في بلد المنشأ الهند، بل في كيفيّة تَعامُلِ الإنسان مع تاريخ البشر في الموقع المذكور وعلاقته بهذا التاريخ، إنَّ ما بعد الكولونيالية تدور حول فضح scandalizing أو تفكيك التحقيقات التاريخية المجراة دون وجود أدلّةٍ كافية، وحول إرهاصات وتداعيات تلك التحقيقات على التفسيرات الثقافية. تتابع سبيفاك قائلةً إنَّ المشروع ما بعد الكولونيالي يهدف لفتح النقاش حول نظرية العالم الأول النخبوي، والتي استخدمت تاريخياً لإجراء بحث وتفتيش ضمن المستعمرات.

في خاتمة هذا الكتاب

إنَّ المنطق ما بعد ـ الكولونيالي، إذاً، لا يدعو إلى، ولا يدعم، تحرر الأشخاص الثانويين ونزع الكولونيالية عنهم فقط، بل إنه، وبشكل استئصالي أعمق، يُسائل ويُشرح العناصر الكولونيالية الكامنة في التفكير المحض بمسألة التحرر في ذاته، وكذلك في استراتيجيات التفسير المعيارية، وفي المقاييس الموضوعة لخدمة عملية التفكير المسبق بفكرة الحرية في حد ذاتها. يُحاول المنطق ما بعد الكولونيالي أن يُبَيِّنَ أنَّ ما نعتقد بأنه أنهى استعمارنا قد يكون في الواقع محاولة مستترة أو غير مباشرة الإعادة استعمارنا، ولاستحضار حالة كولونيالية جديدة في قلب حالة انعتاقنا بالذات: حالة كولونيالية جديدة افتراضاتها هي عَينُ الافتراضات الإمبريالية التي سبق لها وأخضعتنا للكولونيالية. ما لم نكشف الغطاء عن ممكنات الكولونيالية الجديدة تلك، سيكون مستحيلاً أن نكتنِه وجود مُمارسات في عالم اليوم ما بعد الكولونيالي تبقى قواعد ممارستها تعبيراً عن نخبوية محلية لأهل المكان الأصليين، ولكن تم تشكيلها وفق أنبل التطلعات والطموحات العائدة للإمبرياليين.

لقد طورت سبيفاك مقاربتها الخاصة للتفكيكية الدريدائية من خلال تسفيرها لتلك التفكيكية إلى مجال الحراك النسوي الثقافي ومن ثم العمل التنظيري لتقويض دعائم التعارض ما بين الخصوصي والعُمومي ما يتحدث هومي بابا عنه بمفردات الهامش والمركز باستخدام استراتيجية التفكيك بحد ذاتها.
يملكُ مفهوم براديغم مَا بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ دلالتين اثنتين؛ إِنَّهُ ظاَهِرَةٌ برزتْ بعد الاستعمار،وهو ظاهرةٌ تعارضُ الاستعمار وتبعاتهِ في العالم المعاصر في الجنوبِ كما في الشمالِ. ثمَّ إنَّ براديغم مَا بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ يلزم تصريفه بصيغةِ الجمعِ؛ لأنَّ ثمَّةَ كُتَابٌ و مفكرون و سياسيون عديدون ، ومتخصصون  آخرون في العلوم الإنسانية والاجتماعية ،لعبُوا دورًا مُبَشِّرًا فيه، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، التي شهدتْ ظهورَ وصعود حركاتِ التحرُّرِ الوطنيِّ في بلدان أفريقيا وآسيا، بوصفها تمرداتٍ وانتفاضاتٍ عسكريةٍ في عالم الجنوب  الخاضع للنظام الاستعماري الأوروبي، الذي أصبح مَحْكُومًا عليه بالأفول كما أبرز ذلك استقلال الهند والباكستان عام 1947.

عقب نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945، برزت على المسرح العالمي القوتان الكبريان المنتصرتان في الحرب أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وعرفتْ التعارض التام في مسألة الهيمنة، بحيث أنَّهما،على الرغم من اختلاف أيديولوجيتيهما السياسية (الرأسمالية الليبرالية للأولى، والاشتراكية للثانية)، كانتا تشتركان في معارضة الاستعمار الأوروبي بأشكاله القديمة كما كانت أوروبا قَدْ أَرْسَتْهُ منذ بداية القرن السادس عشر. إِنَّهَا الفترةَ التي أخذتْ فيها الولايات المتحدة، بالأخصِّ، مكانَ أوروبَا في الهيمنةِ على بقيةِ المعمورةِ.

يُمْكِنُنَا أنْ نعتبرَ أنَّ التاريخَ الحقَّ لما بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ يبدأُ مع مؤتمر باندونغ، أو"المؤتمر الآسيوي الأفريقي"، وجمع تسعة وعشرين بلدًا أفريقيًا وآسيويًا، وهو أول اجتماع لدول العالم الثالث، التي كانت قد استقلتْ حديثًا في منتصف القرن العشرين، عُقد في الفترة من 18 إلى 24 أبريل/نيسان عام 1955 في باندونغ بإندونيسيا.

فقد جمع مؤتمر باندوينغ ، والذي يُعتبرُ تاريخَ دخولِ البلدانِ المستقلةِ في كل من أفريقيا وآسيا التي تسمى بلدان العالم الثالث للساحة الدولية،وتضمنَ القرار الأخير لهذا المؤتمر الدولي إدانةً للاستعمارِ والإمبرياليةِ و الصهيونيةِ  عُمُومًا، ولا سيما نظام الأبارتهايد بجنوب أفريقيا، وفرنسا التي كانت حينها إحدى القوتين الاستعماريتين العظميين بأفريقيا تنضافُ إلى ذلك إرادةِ البلدانِ المشاركةِ في أنْ تعتبر نفسها بلدانًا تلتزمُ بِعدمِ الإِنْحِيَازِ لِإحْدَى الكتلتين العظميين، أي الكتلة السوفييتية والكتلة الغربية، وهي الإرادة التي كانت تعلنُ ربَّمَا أيضًا عن إرادة التخلص من الإيديولوجيات التي تهيمن في تينك المجموعتين، إضافة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدان الأفريقية والآسيوية، وإنهاء الاستعمار.

خلال فِتْرَةِ الْحَرْبِ الْبَارِدَةِ كان العالم مقسمًا إلى معسكرين: شرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي، وغربي بزعامة أمريكا، وكانتْ أغْلَبُ دولِ العالمِ مُنْحَازَةً إلى أحد المعسكرين، في هذا الوقت بدأت مجموعة من الدول على مستوى آسيا وأفريقيا، خاصة التي خرجتْ للتو من شَرْنَقةِ الاستعمارِ، التفكير في إنشاءِ تًكَّتُلٍ يجعلها خارج تصنيف "شرق غرب" ويُبْقِيهَا على مسافةِ الحيادِ من المعسكرينِ.

لذلك، تضمنتْ نتائج مؤتمر باندونغ إدانة جميع أشكال الإمبريالية والدعوة إلى التعاون الاقتصادي بين المشاركين لإنهاءِ الاعتمادِ المتزايدِ على الولايات المتحدة الأمريكية أو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، مع الأملِ في مزيدٍ من التعاونِ والتآزرِ بين هذه الدول لتعزيزِ أنظمةٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ واجتماعيةٍ بديلةٍ لحالة الانقسام بين الرأسمالية الليبرالية الأمريكية والشيوعية السوفياتية خلال فترةِ الحربِ الباردةِ.

وكان من أبرز مخرجات مؤتمر باندونغ، أنَّه جَمَعَ عددًا من القادةِ الذين انْضَمُّوا في النهاية إلى حركةِ عدمِ الانحيازِ، بما في ذلك نهرو وعبد الناصر، اللَّذَانِ كانَا إلى جانب تيتو رئيس يوغوسلافيا، من الْمُؤَيِّدِينَ المهمين لحركة "عدم الانحياز"، التي وصل عددُ الدولِ المنضمين إليها 120 دولة حتى نهاية عام 2022، وهي بذلك تُعَدُّ أكبرَ تجمعٍ للدول في جميعِ أنحاءِ العالم بعد الأممِ المتحدةِ.

يُمْكِنُنَا أنْ نعتبرَ أنَّ التاريخَ الحقَّ لما بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ يبدأُ مع مؤتمر باندونغ، أو"المؤتمر الآسيوي الأفريقي"، وجمع تسعة وعشرين بلدًا أفريقيًا وآسيويًا، وهو أول اجتماع لدول العالم الثالث، التي كانت قد استقلتْ حديثًا في منتصف القرن العشرين، عُقد في الفترة من 18 إلى 24 أبريل/نيسان عام 1955 في باندونغ بإندونيسيا.
يقول الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين،"وفي هذا العالم ثنائي القطب كانت ثمَّةَ قوةٌ ثالثةٌ أيضًاـ حركة عدم الانحياز. وقد ضمَّتْ عدداً من دولِ العالمِ الثالثِ، التي رفضتْ الخيار الوحيد إما لصالح الرأسمالية، أو الاشتراكية، مفضّلة المناورة بين المصالح المتناقضة للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. نجح البعض إلى حدٍّ ما، ولكنَّ إمكانيةَ عدم الانحياز نفسها تفترضُ وجود قطبينِ تحديدًا، ينبغي الموازنة بينهما بطريقةٍ أو بأخرى.

عقب نهاية الحرب الباردة، انهارَ النظامُ ثُنَائِيُ القطبِ، بعد (انهيار أحد القطبين انهار الاتحاد السوفييتي في عام 1991). ما يطلق عليه اسم "النظام الدولي الجديد"، هو النظام الأمريكي القائم بالْفِعْلِ، حيث أعلنتْ الولايات المتحدة في عام 1990 أنَّها حققتْ الانتصار بقولها: "بأنَّ الحربَ الباردةَ قد انتهتْ.. لقد فُزْنَا فِيهَا". وهذا النظام الدولي ذو القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة، والذي يعكسُ جوهريًا أزمةَ العولمةِ الرأسماليةِ الجديدةِ، يقومُ على الثورةِ التكنولوجيةِ الهائلةِ التي تَعْتَمِدُ على المعرفةِ الْمُكَثِّفَةِ، وتُشَكِّلُ المراكزُ الرأسماليةُ الغربيةُ قاعدتَها الأساسيةِ، والتي سوف يكون لها إسقاطاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية في تغيير الوجه المادي للعالم.

التأصيل الفكري والثقافي لنظرية ما بعد الكولونيالية

يُمْكِنُنَا العثورعلى بعضِ الأفكارِ التي تبلورتْ في مؤتمرباندوينغ  لدى كتاب قد لا نحدِّدَهُمْ بالضرورة بوصفهم كتابًا ما بعد كولونياليين، غير أنَّنا يمكننَا اعتبارهم مُبَشِّرِينَ بذلك. ونحن نعني هنا، بالأخصِّ الكاتب الأنتي إيمي سيزير ورسالته الشهيرة لموريس توريز (الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي في عام 1956)، التي يعلنُ فيها استقالته من الحزب الشيوعي الفرنسي، ويُندِّدُ بالمناسبةِ نفسها بالتفوقِ الْأُحَادِيِّ الْجَانِبِ لِلْغربِ وبالكونيةِ العجفاء التي يدعُو لهَا هذا الحزب. ففي هذه الرسالة يمكننا أنْ نَسْتَشِّفَ إرادة الدعوة إلى النسبية الثقافية وإعادة بعث بلاد الأنتي بالعلاقة مع أفريقيا السوداء، التي يعتبرها الشاعر أم الثقافة والحضارة الأنْتِيِيَةِ.

لقد قامَ العديدُ من  الجامعيينَ والكتابِ و الباحثينَ بالتأصيل الفكريِّ و الثقافيِّ لنظرية ما بعد الكولونيالية، التي رأتْ  النور أولاً في شُعَبِ  الدراساتِ الأدبيةِ، وفي المقام  الأول منها في  الأدب الأنجلوسكسوني،إِذْ  ظهرتْ شخصيةٌ أساسيةٌ مؤسسةٌ للفكر ما بعد الكولونيالية ، وهو الكاتب الفلسطيني الأمريكي إدوار سعيد في كتابه الشهير الاستشراق الشرق الذي ابتدعه الغرب، الذي صدر بالولايات المتحدة عام 1978، وترجم للفرنسية عام 1980.

وهكذا صار مفهومُ مَا بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ ، المرادفَ الحقيقيَّ للعداءِ لِلْاِسْتِعْمَارِ الغربيِّ. ومن خلال محافظة هذا المفهوم على ضرورة التحرُّرِ من الاستعمار الغربي  وما يلزم استكماله فيما وراء الاستقلالاتِ التاريخيةِ للمستعمراتِ القديمةِ من فرنسا وإنجلترا، أصبح قابلاً للتملك من قبل مختلفِ الأوساطِ النضاليةِ، لا سيما في أوساطِ المجتمعِ المدنيِّ ،أو تلك التي تهتم بتاريخِ الهجرةِ. وهكذا أيضا يُمْكِنُنَا الوقوف على لحظةٍ ثانيةٍ في أواسط سنوات الألفين، تمثلتْ في انبثاقِ براديغم ما بعد كولونيالي بفرنسا. وهذه اللحظة الثانية تعودُ في الوقتِ عينه للصُدْفَةِ ولروحِ العصرِ؛ ففي يناير 2005 تم إطلاق نداء أهالي الجمهورية الذي كان، بضعة أشهر على الذكرى الستين للانتفاضة الجزائرية التي سحقتها فرنسا في مدينة سطيف يوم 8 مايو 1945، يستهدفُ إنشاءَ المجالس مَا بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ المناهضةِ لِلْاِسْتِعْمَارِ والتنديدِ من خلال ذلك بالتجذُرِ الذي تعرفه الأمة الفرنسية لأشكالِ الهيمنةِ والتمييزِ التراتبيِّ الموروثةِ عن المرحلةِ الْكُولُونْيَالِيَةِ.

تالياً يُصِرُّ على تبييت الأشخاص الثانويين، وأولئك الذين كانوا مُستعمرين يوماً، بشكل دائم في مرفأ حالة رهاب من الكولونيالية colonio-phobia، وعلى إبقائهم دواماً منجرفين خَلفَ بحث مهووس عن مؤامرة كولونيالية جديدة مفترضة تربض تحت أي إنجاز نزع -كولونيالية قاموا به حتى حين يقوم الوطنيون المحليون بتحرير أنفسهم من السيطرة الكولونيالية للأجنبي عليهم، فإنهم ما زالوا عُرضَةً لخطر استعمار مُتجدِّدٍ يكمن في كُل نظرة للعالم، أو حالة تفكير، أو عادة، أو وسيلة عمل، أو سياسة معرفة ذات أصول أوروبية غربية يمكن لنا أن نكون ما زلنا نستعملها ونتمسك بها. فعلى سبيل المثال، إن كانت البلدان المُتحَرِّرَة ما زالت تعتقد بفكرة الحرية الأكاديمية، فإنهم، بهذا المنطق، برأي سبيفاك، ما زالوا خاضعين لاحتمالات استعمار - ذاتوي متجددة، طالما أن الأفكار المتعلقة بمفهوم حرية وبمفهوم أكاديميا على حد سواء ما هي إلا منتجات عصر التنوير أي العصر الكولونيالي.

إن حرَّرَ مُجتمع ثانوي، في بلد أنهى استعماره، رجاله ونساءه من أيديولوجيا مركز ـ هامش التراتبية بين الجنسين، فإنَّ هذا لا يعني، وفق منطق سبيفاك، بأنَّ هذا المجتمع قد أنهى استعماره في ما يتعلق بمسألة الجندر. كل ما يمكن أن يكون الأمر عليه، خلافاً لذلك، هو مجرد أعراض الحالة بطريركية توزع المهمات والأدوار والمسؤوليات والمواقع بين الذكور والإناث فوقياً ومن أعلى؛ وذلك في قلب حالةِ ثَنوَيَّةٍ subalterniety وجندرةٍ ناجحة في إقناعها للمرأة بأن تكون خاضعةً ودونية المرتبة في الحيثية المجتمعية بالمقارنة مع زوجها. يكشف هذا الغطاء عن حالة كولونيالية جديدة ذات طبيعة جندرية تُقيم بنيوياً ضمن جذور السياق المعني.

إقرأ أيضا: الاستشراق وإشكال ما بعد الكولونيالية.. مسارات المعرفة النقدية.. قراءة في كتاب

إقرأ أيضا: من تفكيك الاستشراق إلى مساءلة ما بعد الكولونيالية.. قراءة في كتاب

التعليقات (0)

خبر عاجل