تُعد حركة النهضة
التونسية من أكثر الحركات
الإسلامية العربية حضورا في المجال السياسي والفكري منذ سبعينيات القرن الماضي،
غير أن هذا الحضور لم يواكبه إنتاج توثيقي مكافئ لحجم التجربة وتعقيدها. فبرغم أن
الحركة عاشت تحولات كبرى، من العمل الدعوي والطلابي إلى الصدام مع الدولة، ثم
السجون والمنفى، وصولا إلى المشاركة في الحكم بعد الثورة، فإن الذاكرة المكتوبة
لهذه التجربة بقيت محدودة مقارنة بتجارب إسلامية أخرى في المنطقة.
ويبدو أن الإسلاميين التونسيين، على خلاف
كثير من التيارات الفكرية والسياسية، انشغلوا أكثر بالفعل السياسي والتنظيمي من
انشغالهم بإنتاج سرديات توثيقية ذاتية. فالكتابة داخل المجال الإسلامي التونسي
غالبا ما كانت دفاعية أو ظرفية، مرتبطة بردود الأفعال السياسية، أكثر من كونها
محاولة لبناء أرشيف فكري يشرح مسارات التجربة وتحولاتها.
هذا النقص في التدوين جعل جزءا مهما من
تاريخ الحركة الإسلامية التونسية موزعا بين الذاكرة الشفوية، والشهادات المتفرقة،
والوثائق التنظيمية غير المنشورة، وهو ما أدى إلى فراغ معرفي استغلته في أحيان
كثيرة سرديات الخصوم أو القراءات الخارجية.
ورغم وجود مساهمات بارزة لعدد من رموز
النهضة، وعلى رأسهم راشد الغنوشي، فإن هذه
الكتابات غالبا ما اتجهت نحو التنظير
الفكري أو السجال السياسي، أكثر من اهتمامها بتوثيق التجربة الداخلية للحركة،
وصراعاتها، ونقاشاتها، وآليات تشكل قراراتها.
من هنا تبرز أهمية الكتب التي تجمع المقالات
والشهادات والحوارات، لأنها لا تقدم فقط مادة فكرية، بل تسهم في ترميم ذاكرة مهددة
بالتشظي. فالتوثيق ليس مجرد حفظ للماضي، بل هو أيضا شرط لفهم التحولات، ومراجعة
الأخطاء، وإنتاج معرفة نقدية بالتجربة.
وفي حالة الإسلاميين التونسيين تحديدا، يبدو
غياب التدوين مشكلة مضاعفة، لأن الحركة عاشت تجربة سياسية وفكرية استثنائية في
العالم العربي: تجربة جمعت بين العمل السري، والسجون، والمنفى، ثم الديمقراطية
والسلطة والانقلاب السياسي. وكل مرحلة من هذه المراحل كانت تستحق أرشيفا مستقلا
ومذكرات وشهادات تفصيلية.
لهذا السبب يكتسب إصدار مثل "الاعتدال
العنيد" قيمة تتجاوز شخص العجمي الوريمي، لأنه يساهم في ملء جزء من هذا
الفراغ التوثيقي، ويتيح للباحثين والقراء الاقتراب من عقل سياسي وفكري ظل فاعلا
داخل واحدة من أهم الحركات الإسلامية العربية.
ومن هنا لا يمكن النظر إلى كتاب "الاعتدال
العنيد" الصادر حديثا بوصفه مجرد تجميع لمقالات ودراسات كتبها القيادي في
حركة النهضة التونسية العجمي الوريمي على امتداد عقود، بل يبدو أقرب إلى أرشيف
فكري وسياسي يعيد تركيب صورة جيل كامل من الإسلاميين التونسيين الذين تشكلوا بين
الجامعة والسجن والعمل التنظيمي، وبين رهانات الإصلاح الفكري وإكراهات الممارسة
السياسية.
الميزة الأساسية في الكتاب أنه لا يقدم العجمي الوريمي باعتباره مجرد قيادي حزبي، بل باعتباره "مثقفا عضويا" بالمعنى الغرامشي للكلمة؛ أي ذلك المثقف الذي لا يعيش في برج أكاديمي منعزل، وإنما يتفاعل مع الواقع ويحاول التأثير فيه، ويجعل من الفكر أداة للممارسة، ومن السياسة مجالا لاختبار الأفكار.
فالكتاب، كما يقدمه أحمد عبد النبي، وهو
واحد من جيل ثمانينيات الحركة الإسلامية التونسية، لا يكتفي بتقديم نصوص متفرقة
لكاتب سياسي، بل يطمح إلى بناء "سيرة ذهنية" لرجل ظلّ يتحرك بين الفكر
والتنظيم، وبين التأمل النظري والانخراط المباشر في إدارة الصراع السياسي، وهو ما
يمنح الإصدار أهمية تتجاوز شخص العجمي الوريمي إلى محاولة فهم طبيعة العقل النهضوي
نفسه، ومسارات تطوره وتحولاته منذ الثمانينيات وحتى اللحظة الراهنة.
ليس كتاب مذكرات بل وثيقة لفهم نخبة إسلامية
في العادة، تنتمي الكتب التي تجمع مقالات
السياسيين إلى نوع من التوثيق الشخصي أو الاستعادة الوجدانية لمسار صاحبها، لكن "الاعتدال
العنيد" يتجاوز هذا الإطار التقليدي. فالقارئ لا يجد نفسه أمام سردية ذاتية
مكتوبة بضمير الأنا، بل أمام نصوص متوزعة زمنيا تعكس تحولات التفكير السياسي
والفكري داخل أحد أبرز أجنحة حركة "النهضة".
الميزة الأساسية في الكتاب أنه لا يقدم
العجمي الوريمي باعتباره مجرد قيادي حزبي، بل باعتباره "مثقفا عضويا"
بالمعنى الغرامشي للكلمة؛ أي ذلك المثقف الذي لا يعيش في برج أكاديمي منعزل، وإنما
يتفاعل مع الواقع ويحاول التأثير فيه، ويجعل من الفكر أداة للممارسة، ومن السياسة
مجالا لاختبار الأفكار.
من هنا، تبدو أهمية الكتاب في كونه يتيح
قراءة تطور عقل سياسي إسلامي تونسي من الداخل، لا عبر البيانات الرسمية أو
الأدبيات التنظيمية الجامدة، بل عبر نصوص كتبت في لحظات مختلفة من التاريخ،
وتقاطعت مع محطات مفصلية عاشتها تونس والمنطقة العربية.
العجمي الوريمي.. مفكر حركي أكثر منه منظر
أكاديمي
تقدم مقدمة الكتاب صورة لافتة عن شخصية
العجمي الوريمي، لا باعتباره مجرد فاعل سياسي، بل باعتباره شخصية تتداخل فيها
النزعة الفكرية مع الحس التنظيمي.
فالرجل، بحسب التقديم، ينتمي إلى جيل تشكل
في فضاء الجامعة خلال الثمانينيات، حيث كانت المعارك الفكرية والإيديولوجية جزءا
من الحياة اليومية، وحيث لعبت حلقات النقاش والقراءة والمناظرات دورا مركزيا في
بناء وعي الإسلاميين واليساريين على حد سواء.
ويبدو أن التكوين الفلسفي للعجمي الوريمي
ترك أثرا واضحا في طريقته في التفكير والكتابة. فاختياره للفلسفة، واهتمامه المبكر
بفكر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، يشي بأن الرجل لم يتشكل داخل بيئة دعوية
مغلقة، بل داخل فضاء معرفي أوسع حاول أن يزاوج بين المرجعية الإسلامية وأسئلة
الحداثة والسياسة والمجتمع.
وهذا ما يجعل الكتاب مهما لفهم نوع من
الإسلاميين الذين لم يكونوا مجرد ناشطين سياسيين، بل أبناء تقاليد فكرية حاولت أن
توازن بين الالتزام الأيديولوجي والانفتاح على المدارس الفكرية الحديثة.
"الاعتدال العنيد".. مفهوم سياسي
قبل أن يكون وصفا شخصيا
العنوان الذي اختاره العجمي الوريمي يحمل
دلالة تتجاوز الجانب الشخصي. فـ "الاعتدال العنيد" ليس فقط توصيفا لسلوك
أو مزاج، بل يمكن اعتباره مفتاحا لفهم رؤية سياسية كاملة. فالاعتدال هنا لا يظهر بوصفه حيادا أو ترددا
أو نزعة توفيقية ساذجة، وإنما باعتباره موقفا واعيا يحاول الجمع بين الثبات على
المبادئ والقدرة على إدارة التعقيد.
هذا المعنى يتكرر في النصوص التي يتحدث عنها
مقدمو الكتاب، حيث يبدو الوريمي منحازا إلى فكرة الحوار، والبحث عن المشترك، ورفض
الحسم الإقصائي، سواء داخل الحركة أو في المجال السياسي العام.
لكن "العناد" في المقابل يضيف
بعدا آخر، إذ يشير إلى التمسك بالخيارات الفكرية الكبرى رغم التحولات والضغوط.
وهنا يظهر مفهوم الاعتدال بوصفه خيارا صعبا، يحتاج إلى صبر طويل وقدرة على مقاومة
الاستقطاب.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الكتاب
باعتباره دفاعا ضمنيا عن مدرسة داخل الإسلام السياسي التونسي، ترى أن السياسة ليست
معركة صفرية، وأن التغيير لا يتم عبر القطائع الجذرية، بل عبر التراكم والحوار
والتكيف مع الواقع.
الكتاب بوصفه مرآة لتحولات حركة النهضة
بعيدا عن الشخصي، يقدم الكتاب فرصة نادرة
لفهم تطور حركة "النهضة" نفسها. فالنصوص، بحسب ترتيبها
الزمني، تكشف كيف انتقلت الحركة من مرحلة العمل الطلابي والصدام الأيديولوجي داخل
الجامعة، إلى مرحلة الصدام مع الدولة، ثم إلى تجربة السجن الطويلة، وصولا إلى
مرحلة المشاركة السياسية بعد الثورة.
وهذا المسار يمنح القارئ فرصة لرؤية
التحولات الفكرية داخل "النهضة" من الداخل، لا من خلال خصومها أو
أنصارها. كما يكشف الكتاب عن وجود نقاشات داخلية
عميقة داخل الحركة، تتعلق بإدارة الخلاف، والعلاقة بالمؤسسات، وأسلوب اتخاذ
القرار، وحدود التوافق، وطبيعة القيادة.
وفي هذا السياق، يكتسب الكتاب قيمة إضافية،
لأنه يساهم في تفكيك الصورة النمطية التي تقدم الحركات الإسلامية بوصفها كيانات
مغلقة أو أحادية التفكير.
فما يظهر من خلال النصوص هو وجود تعددية
داخلية، ونقاشات حقيقية، وصراعات رؤى، ومحاولات مستمرة لإيجاد توازن بين وحدة
التنظيم وحرية الاجتهاد.
العجمي والغنوشي.. علاقة فكرية وسياسية
يحتل راشد الغنوشي موقعا مهما داخل الكتاب،
ليس فقط بسبب مكانته داخل "النهضة"، بل لأن العلاقة بين الرجلين تبدو
علاقة تتجاوز التنظيم إلى نوع من التقاطع الفكري. فالوريمي، بحسب التقديم، يرى في مشروع
الغنوشي محاولة لتأسيس إسلام سياسي يجعل الحرية مركزا للفكرة الإسلامية الحديثة.
وهذا التقدير لا يبدو نابعا من علاقة ولاء
تنظيمي فحسب، بل من اقتناع فكري بمسار الرجل، وبفكرة الجمع بين المرجعية الإسلامية
والديمقراطية.
بعيدا عن الشخصي، يقدم الكتاب فرصة نادرة لفهم تطور حركة "النهضة" نفسها. فالنصوص، بحسب ترتيبها الزمني، تكشف كيف انتقلت الحركة من مرحلة العمل الطلابي والصدام الأيديولوجي داخل الجامعة، إلى مرحلة الصدام مع الدولة، ثم إلى تجربة السجن الطويلة، وصولا إلى مرحلة المشاركة السياسية بعد الثورة.
لكن أهمية هذا الجانب لا تكمن في الإشادة
بالغنوشي، بل في كشفه عن تيار داخل النهضة ظل ينظر إلى المشروع الإصلاحي باعتباره
مسارا ممتدا، لا مجرد تكتيك سياسي ظرفي.
وهنا تتبدى أهمية الكتاب في أنه يتيح قراءة
«النهضة الفكرية» داخل النهضة التنظيمية؛ أي تلك الطبقة من النقاشات الفكرية التي
لا تظهر غالبا في الخطاب السياسي اليومي.
السجن كفضاء لإنتاج المعنى
من أكثر العناصر حضورا في التقديم فكرة
السجن، ليس باعتباره تجربة قمع فقط، بل باعتباره فضاء لإعادة التفكير. فالعجمي الوريمي، الذي قضى
سنوات طويلة في السجن، يبدو في الكتاب نموذجا لمثقف تشكل وعيه داخل العزلة، لا فقط
داخل الفعل السياسي المباشر.
وتحضر هنا فكرة مهمة: أن السجن في التجربة
الإسلامية التونسية لم يكن مجرد عقوبة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى فضاء
لصناعة الوعي وإعادة تركيب الأفكار.
وهذا يفسر ربما النزعة التأملية التي تبدو
حاضرة في النصوص، حيث لا يطغى الانفعال على التحليل، ولا يتحول الخصم السياسي إلى
عدو مطلق.
بل إن الكتاب، كما توحي مقدماته، يعكس شخصية
تميل إلى فهم التعقيد أكثر من الميل إلى إطلاق الأحكام القطعية.
بين الفكر والسياسة.. ماذا يمثل هذا
الإصدار؟
تكمن أهمية "الاعتدال العنيد" في
أنه يصدر في لحظة تونسية وعربية مأزومة، حيث يعيش الإسلام السياسي واحدة من أكثر
مراحله ارتباكا، بعد سنوات من الصعود ثم الانكسار.
ومن هنا، لا يبدو الكتاب مجرد استعادة
لأرشيف شخصي، بل محاولة لإعادة التفكير في مسار كامل. فهو يقدم مادة غنية
للباحثين في الحركات الإسلامية، وللمهتمين بتاريخ النهضة التونسية، ولمن يريد فهم
العلاقة المعقدة بين الفكر والتنظيم، وبين المثقف والسياسي.
كما أنه يطرح سؤالا أكبر: هل يمكن
للإسلاميين أن ينتجوا مراجعاتهم الفكرية من داخل التجربة، لا عبر القطيعة معها؟
هذا السؤال لا يجيب عنه الكتاب مباشرة، لكنه
يترك للقارئ فرصة تتبع مسار رجل ظل يتحرك بين القناعة والمراجعة، بين الالتزام
والانفتاح، وبين الصلابة والمرونة.
ليس "الاعتدال العنيد" مجرد كتاب
عن العجمي الوريمي، بل هو محاولة لفهم طبقة كاملة من الإسلاميين الذين جمعوا بين
الفكر والعمل التنظيمي، وبين التجربة الذاتية والتحولات الكبرى التي عرفتها تونس.
ومن خلال هذا الإصدار، يجد القارئ نفسه أمام
نصوص يمكن قراءتها باعتبارها وثيقة سياسية، وشهادة فكرية، وسيرة غير مكتوبة لجيل
عاش الجامعة والسجن والثورة والسلطة والانقلاب.
وبهذا المعنى، فإن الكتاب لا يقدم أجوبة
جاهزة، بل يفتح أسئلة كبرى حول الإسلام السياسي، وإمكانات الإصلاح، وحدود
الاعتدال، ومعنى أن يكون المثقف جزءا من التنظيم دون أن يفقد استقلاله الفكري.
وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا
الإصدار: أنه لا يكتفي بسرد الماضي، بل يحاول أن يجعل منه مادة للتفكير في
المستقبل.