الزرادشتية.. إشكاليات النبوة والتوحيد في دراسة مقارنة للأديان القديمة.. كتاب

تكمن أهمية هذه الدراسة المقارنة في الأديان، وخاصة الأديان الوضعية أن الديانة الزرادشتية حامت حولها الشبهات في التاريخ الإسلامي، والكثير يجهل تفاصيل هذه الديانة بتفاصيلها العامة والخاصة..
تكمن أهمية هذه الدراسة المقارنة في الأديان، وخاصة الأديان الوضعية أن الديانة الزرادشتية حامت حولها الشبهات في التاريخ الإسلامي، والكثير يجهل تفاصيل هذه الديانة بتفاصيلها العامة والخاصة..
شارك الخبر
الكتاب: الزرادشتية تاريخاً وعقيدة وشريعة (دراسة مقارنة).
الكاتب: خالد السيد محمد غانم.
الناشر: خطوات للنشر والتوزيع، 2009م.
عدد الصفحات: 399 صفحة .


لا يمكن للإنسان أن يحيا دون دين، ولا يمكن أن تعيش أمة دون عقيدة وتعاليم تحكم تصرفاته فلم يذكر التاريخ، أناساً عاشوا على هذه البسيطة دون أن يتدينوا بدين أو يتحاكموا إلى تعاليم، فالعقائد المتعددة والعبادات المتشعبة والتعاليم الكثير تدل أن الجميع كان بحاجة إلى أديان، والدين الواحد تفرعت منه عقائد عدة.

تكمن أهمية هذه الدراسة المقارنة في الأديان، وخاصة الأديان الوضعية أن الديانة الزرادشتية حامت حولها الشبهات في التاريخ الإسلامي، والكثير يجهل تفاصيل هذه الديانة بتفاصيلها العامة والخاصة، وأصحاب الديانات الثلاثة لم يعترفوا بها كديانة سماوية كونها ديانة وضعية، فالديانة المسيحية تقر باليهودية ديانة سماوية سابقة لها، والدين الإسلامي يقر باليهودية والمسيحية ديانتين سماويتين سابقتين له" وربما كان من الطبيعي الزرادشتية، التي كانت بعيد بأرضها وبقومها عن أرض وأقوام هذه الديانات التي توصف بأنها سماوية".

تتمحور عقائد الزرادشتية حول الإله الواحد الكبير المطلق" أهورامزدا"، الذي تحف به الملائكة، وقد اصطفى هذا الإله وداعيته ونبيه زرادشت، وأرسله إلى الناس كافة، ولما واجه الاضطهاد هاجر عنهم، حتى تمكن من نشر دعوته بعد أن أظهر العديد من المعجزات وخاصة إبراء المرضى المؤمنين، سواء كان زرادشت شخصية أسطورية أم حقيقية فهو موجود بقوة في التراث الديني الذي أقام الديانة الزرادشتية، وجعلها تقاوم الاضطهاد وتتحدى الزمن فاستمرت بدعوتها بحيث لا يستطيع أحد انكار وجودها.

الزرادشتية: ديانة فارسية نسبة إلى موطن مؤسسها زرادشت، تنسب إلى سييناما زرادشت الذي عاش في القرن السابع، وقام بالإصلاح للديانة الوثنية الفارسية، وترمي إلى تنمية الحصاد، والرفق بالحيوانات المستأنسة، تقول الزرادشتية:" النور والظلمة أصلان متضادان، وكذلك يزدان وأن أهريمان هو مصدر الخير والشر في الزرادشتية، وهما مبدأ موجودات العالم وحصلت التراكيب من امتزاجهما وحدثت الصور من التراكيب المختلفة.

الزرادشتية: ديانة فارسية نسبة إلى موطن مؤسسها زرادشت، تنسب إلى سييناما زرادشت الذي عاش في القرن السابع، وقام بالإصلاح للديانة الوثنية الفارسية، وترمي إلى تنمية الحصاد، والرفق بالحيوانات المستأنسة، تقول الزرادشتية:" النور والظلمة أصلان متضادان، وكذلك يزدان وأن أهريمان هو مصدر الخير والشر في الزرادشتية، وهما مبدأ موجودات العالم وحصلت التراكيب من امتزاجهما وحدثت الصور من التراكيب المختلفة.
وأن الله خالق النور والظلمة ومبدعهما وهو واحد لا شريك له، ولا ضد ولا ند والخير والشر، الصلاح والفساد، إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة ولد لم يمتزجا لما كان وجود العالم، يقول الزرادشتيون:" إن عقيدتهم هي أفضل عقيدة في العالم، بل أنهم يحرمون على من لم يولد زرادشتيا أن يعتنق هذا الدين" وقرروا أنه من الخير لهم ألا يكون هناك سوى قلة من الاتباع الجديرين بالعقيدة الزرادشتية، فذلك أفضل من كثير ليسوا أصلا لها"، وتعرف الزرادشتية بأسماء متعددة ومنها المزدية الحديثة أو المزدوية، اليزيدية، الأفستية، أو دين أفستا، عبادة النار، الديانة المعادية للديوان، البارسية.

هل الزرادشتية هي المجوسية؟

يقول غانم: "يرتجف الفكر والعلم في ابداء الرأي فذ قاطع فيه، ولكن إذا وجد مرجح ملزما له دليل قاطع فيه، ومن ثم فإن قليلا من الباحثين من رجح أن الزرادشتية هي المجوسية من هؤلاء صاحب كتاب الأديان في القرآن الكريم فيقول:" المجوسية هي الديانة الزرادشتية بعد أن أصابها التحريف، وبعد أن تعالى أصحابها فقدسوا النار ثم عبدوها، فالمجوسية هي الزرادشتية المحرفة "، المجوس هم المصدقون بنبوة زرادشت، ويرى أخرون أن المجوسية هي الأصل، ولها السبق الزمن قبل الزرادشتية التي هي فرع فيها، ويذكر صاحب كتاب تاريخ الفكر الديني الجاهلي ان المجوسية أقدم من زرادشت، ويؤكد صاحب رسالة الجذور الدينية فيقول أنها كذلك أقدم من زرادشت، ولم تكن الزرادشتية من فصل سوى تطويرها " المجوسية في نشأتها الأولى وجدت في فارس قبل زرادشت".

زرادشت أسطورة أم حقيقة؟

هناك اختلاف واضح حول شخصية زرادشت، تجاه ينكر وجوده ويرى أن شخصيته أسطورة خيالية، نسجت حولها طائفة من العقائد والشرائع، وكل ما ورد عنه من قبيل الخرافات والأساطير التي لا سند لها إلا في الخيال.

شخصية حقيقية وأنه هو إبراهيم عليه السلام، وأن أسفار الابستاق هي صحف إبراهيم عليه السلام التي تحدث عنها القرآن الكريم، وذكرى في المعاجم الفارسية أن كتاب زرادشت من صحف إبراهيم، لكن هذا الاتجاه أراد أن يضفوا شخصية سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى شخصية زرادشت، مع أن الفرق شاسع بينهم من نواحي عدة:

ـ البعد الزمني بين حياة إبراهيم عليه السلام، وحياة زرادشت الأول عاش في القرنين العشرين والسابع عشر قبل الميلاد، والثاني في السابع ق. م.

ـ البعد المكاني، إبراهيم عليه السلام نشأ في بلدة أور ببلاد الكلدان بالعراق، أما زرادشت فنشأن في أذربيجان.

ـ سيدنا إبراهيم عليه السلام سامي الجنس، أما زرادشت فهو أري الجنس(ص51).

الرأي الثالث يرى أن زرادشت شخصية تاريخية، وحقيقية ولا سبيل إلى انكار وجودها، وأنها غير سيدنا إبراهيم عليه السلام، بيد أنهم اختلفوا في تحديد الزمن الذي ظهر فيه إلى ثلاثة أقوال:

 ـ من جعل زمن ظهوره يصل إلى القرن السنتين قبل الميلاد.
ـ من جعل ذلك نحو 1000 ق. م
ـ منهم جعله في بداية القرن السادس ق.م (ص53)

اسم زرادشترا مركب من كلمتين زرد ومعناه أصفر، واشترا ومعناه جمل ومعنى الاسم المركب صاحب الجمل الأصفر.

عندما بلغ زرادشت 7 سنوات أرسله والده إلى الحكيم بورزين ليتعلم منه، ويدرس العلم ويتعلم الزراعة، وتربية الماشية، وعلاج المرضى، عندما نشبت الحرب بين الفرس والطورانيين كان عمره 15 سنة تطوع لمعالجة المرضى، والجرحى من الجنود، خدمة الفقراء من أبناء وطنه، وحينما بلغ عمره 20 سنة، شعر برغبة شديدة في الوقوف على حقيقة الكون، ومحتوياته الطبيعية وما وراءها فهجر وطنه، وجد في الطلب، وآثر العزلة ، والرياضة الروحية والتأمل العميق في ملكوت السموات والأرض لتصفو روحه وتتطهر نفسه من جميع عقائد الشرك والسحر، فيصل إلى حقيقة الوجود، وظل عشر سنين في عزلة تامة، وصمت رهيب، يأوى إلى الكهوف، ويسير في الأودية والفلوات.

تقول أسطورة نزول الوحي على زرادشت "حلم زرادشت فلما بلغ الثلاثين من عمره، وهو منغمس في تأملات فكرية رياضية وروحانية تشعره بنشوة عامرة، وبينما هو كذلك إذا تبدى له كائن نوراني يهبط من السماء وكأنه عمود من نور، جاء ليقوده إلى الملأ الأعلى ليحظى بشرف المثول لدى أهورامزدا، ولم يلبث أن وجد نفسه هناك يلتقي من الإله أسرار الوحي، واستمع إلى أمر النبوة.

هجرة زرادشت:

هاجر زرادشت هجرتين الأولى عزلة عن الوطن والناس، حتى تصفو روحه وتشرق نفسه، وكانت قرابة عشر سينيين إلى أن نزل عليه الوحي، وكان من المصطفين الأحياء لدى أهورمزدا، والثانية هجرته لتبليغ دعوته، بدأت هذه الهجرة عندما بلغ الثلاثين، نزل عليه الوحي، واحس بشيء من اليأس حينما لم يظفر في بلاده، أتباع يدخلون في دينه فهاجر إلى طوران والهند وأخذ يجوب إيران كلها، وظل يجوب البلاد حتى وصل الصين.

لما لم يستطع زرادشت أن يؤثر في قومه ذهب إلى الفرس بحثاً عن أمير أو حاكم يؤمن بما يدعو إله، ووجد ما أراده في جهات إيران الشرقية، وتوالت جموع الناس يلتفون حوله ويؤمنون به، توفي زرادشت عام 583 ق.م، وكان أول مؤيد قام بعده كشتاسب الملك، وقام أتباعه بالدعوة أوفى قيام، وانتشرت لأنه غرس فيهم حب عقيدته، والدفاع عنها، والعمل على نشرها" كان لشخصية زرادشت وتعاليمه آثار بارزة في حياة الإيرانيين بعد وفاته، ففي المائتي سنة التي تلت عصر زرادشت استطاع الإيرانيون أن يوسعوا نطاق امبراطوريتهم إلى حد لا نظير له من قبل(ص75).

تقول أسطورة نزول الوحي على زرادشت "حلم زرادشت فلما بلغ الثلاثين من عمره، وهو منغمس في تأملات فكرية رياضية وروحانية تشعره بنشوة عامرة، وبينما هو كذلك إذا تبدى له كائن نوراني يهبط من السماء وكأنه عمود من نور، جاء ليقوده إلى الملأ الأعلى ليحظى بشرف المثول لدى أهورامزدا، ولم يلبث أن وجد نفسه هناك يلتقي من الإله أسرار الوحي، واستمع إلى أمر النبوة.
كان لزرادشت باع طويل في الشؤون السياسية الأمر الذي جعل بعض ملوك ايران آنذاك يستفيدون نصائحه ويعملون بها، فقد كان زرادشت موجهاً سياسياً لكشتاسب يرجع إليه في شؤون السياسة ويستمع إلى نصائحه، مما جعلهم من البارعين في شؤون السياسة السلمية المعتمدة على العقل والتفكير، والحرية التي ترتكز على القوة، والعدد، والعدة.

رأي الباحثين في زرادشت:

أولاً ـ زرادشت إله أوشية يقول صاحب كتاب الأديان، من العناصر الجديدة التي اكتسبتها الزرادشتية إضفاء صفات إلهية على زرادشت حتى أصبح شبه إله، وموضوع عبادة في مخيلة العامة، وفي الروايات الشعبية أن السماء والأرض اتحدتا به.

الرأي الثاني ـ هو مجرد مصلح اجتماعي وكان يقول صاحب كتاب الشرق الأدنى القديم، أي زرادشت كاهناً وعالماً ومصلحاً.

الثالث ـ أن زرادشت نبي، وذلك لتحقيق شرطي النبوة والرسالة فيه، وهما:

1 ـ أنه أوحى إليه بشريعة الخير والنور.

2 ـ أنه أمر بأن يبلغ الناس هذه الشريعة.

ظهر على يديه معجزات تؤيد قوله وتؤكد صدقه بالإضافة إلى أنه يدعو دائماً إلى الخير والاستقامة، وإلى الجهاد في سبيل الخير، وإلى التفكير لحسن القول الطيب، لكن وفقا للمعتقد الإسلامي ثمة اعتراض على هذا الرأي من وجوه عدة:

ـ أن زرادشت كان ينظر إلى النار نظرة تقديس.
ـ أنه لم يرد اسمه في القرآن الكريم
ـ أن العقيدة الزرادشتية نادت بالاثنين إله النور وإله الظلام.

للزرادشتية مصادر مقدسة يعتمد عليها الزرادشتيون دونت فيها عقائدهم وتعاليمها، إلا أن الزرادشتين يقولون إن كتاب مقدسا نزل على زرادشت، وأوحى به إليه هو المصدر الأول للزرادشتية هو كتاب الابستاق، والابستاق الكتاب المقدس لدى الزراشتيين، أتى به زرادشت ليكون مرجعاً لاتباعه يرجعون إليه لمعرفة عقائدهم وأحكام شريعتهم، وهو الكتاب الذي يشمل تعاليم زرادشت، وكلمة أبستاق مشتقة من كلمة أبستا وهي كلمة فارسية قديمة معناها سند، أو أساس، أو معين، أو النص، وأساس لكن أنسب ترجمة لكلمة أوستا أنها تعني المتن (ًص82).

الأبستاق في مجمله "مجموعة أقوال دينية لزرادشت تزيل عنه تقديم الذبائح، وشرائع كهنوتية، وصلوات وطقوس عبادة "، يضم مجموعة من الأسفار منها سفر الجاثات ويعني الترانيم أو التراتيل جمع جاثا، وهي التراتيل التي يتفق العلماء على نسبتها إلى زرادشت نفسه دون غيرها من الأناشيد التي يحتويها كتاب الأفستا، والفكرة الرئيسية للجاثات تقوم على أدعية وتضرعات زرادشت لاهورامزدا حتى يعينه على دخول الناس في دينه.

"يا خالق عالم الأجسام، يا قدوس كيف أطهر الدار؟ كيف تعود طاهرة؟ أجاب هرمز، اغسلوا جسدكم ثلاث مرات، اغسلوا ثيابكم ثلاث مرات، رتلوا الكاثا ثلاث مرات ".

يحتوي سفر الفنديراد، الذي ألف في عهد الساسانيين ينقسم إلى واحد وعشرين نسكاً أي كتابا ويسمى فيدائه، فاداتا، والفنديراد تعني مخالفة الشيطان أو شريعة مقاومة الشيطان، وفيه أبحاث عن خلق العالم، يتألف من 22 فصلاً، حرر معظمه بصورة حوار بين أهورامزدا وزرادشت، يبحث السفر في حرث الأرض، والعقود والعقوبات، النجاسة التناسلية وأصول الطب وقدرة المياه، والكلمات المقدسة، أحكام الزواج والجنائز، الطهارة،  الميراث، والخائض، وأهم عقوبات الزرادشتية على بعض المخالفات، كيفية طرد الشيطان( ص88).

تأثرت اليهودية بالزرادشتية:

هذا التأثر يبدو واضحا من خلال التلاقي والاختلاط بين أرباب الديانتين أو يكون بمقدار التشابه بينهما والملاحظ في تاريخ اليهود أنهم قد اختلطوا بالزرادشتية، وذلك بعد السبي البابلي، وبدا التشابه في بعض المتعقدات والأفكار بين الديانتين، وخاصة أن العهد القديم قد دون أكثر من مرة بعد السبي البابلي نقاط التشابه:

ـ اقتباس الفكرة المركزية عن الشيطان " لم يكن اليهود يتكلمون عن الشيطان قبل السبي، فتكلموا عنه بعد أن تشبوا بأهرمان" ففكرة الشيطان ظهرت لأول مرة في تعاليم زرادشت.

ـ  المصارعة التي حدثت بين الإله في اعتقادهم، وبين سيدنا يعقوب عليه السلام حدثت بين الإله في اعتقادهم أشبه بمصارعة الإله مع أهرمان في الزراشتية (ص127).

كما تأثر النصرانية بالزرادشتية في عدة نقاط:

1 ـ النصارى قالوا بالتثليث، الزرادشتيون قالوا بالتعدد لكن الزرادشتية تؤمن بالألوهية المطلقة في النهاية.

2 ـ مبدأ الشر عند الزرادشتية هو الشيطان، وهذا تحدث عنه النصارى أيضاً(ص128).

تأثرت بعض الفرق الإسلامية بالزرادشتية حينما دخل الإسلام بلاد فارس، واختلط المسلمون بالفرس الزرادشتيين، وتأثر بعض المسلمين بمجموعة من العقائد والأفكار الزرادشتية، ورغم جمود الأفكار الزرادشتية أمام المد الإسلامي، إلا أنها قامت من جديد، بعد ظهور الشيعة، فتطورت فكرة التشيع نتيجة للتأثر ببعض الثقافات الفارسية وحمل غلاة الشيعة بعض الأفكار الزرادشتية.

فمثلا فرقية اليزيدية قالوا مثلما قالت الزرادشتية، أمنوا بوجود إله أكبر خالق لهذا الكون، إلا أنه لا يعني بشؤونه بعد أن فوضى أمر تدبيره، وإدارته إلى مساعده، ومنفذ مشتتيه وهو طاووس الشيطان، ويقولون بالحلول، وكثير من فرق الشيعة الغلا، قالوا بالحلول في أمامهم (ص131).

نزول الوحي على زرادشت:

يعتقد الزرادشتيون أن زرادشت نزل عليه الوحي حينما بلغ من العمر 30 عاما، وهو منغمس في التفكر والتأمل في الكون، فتبدى له الوحي في صورة كبير الملائكة فوهومانا، الذي تعلم منه الحكمة، ويعتقد الزرادشتيون كذلك في هذا الملك أخذه وصعد به إلى السماء، ليحظى بشرف المثول بين يدي أهورامزدا، ومن هنا كانت عقيدة المعراج إلى السماء بزرادشت، وهذا ما تحدث به زرادشت نفسه قائلاً:" أيها الناس إنني رسول الله إليكم فإنه يكلمني، يكلمني وحياً بواسطة رسول من الملائكة، بل إليه رفقتي، وبه أسرى كبير الملائكة، وإلى حضرته قادني" (ص157).

اليوم الآخر:

يؤمن الزرادشتيون باليوم الآخر وما يحدث فيه من بعث وحشر وحساب وميزان للأعمال، وصراط، وجنة للطائعين ونار للعاصين ثوباً وعقاباً، الذي يقرأ في المصادر التي تحدثت عنه الزرادشتية وعقيدتها في اليوم الأخر، يتضح له أن القيامة عندهم نوعان" قيامة فردية، وقيامة عامة".

ثم الزكاة ليست مقدرة ولا مفروضة لكن الأمر متروك للإنسان، المهم أن يتفق ويجود بماله على الفقراء والمحتاجين، وقد علم سابقاً أن زرادشت لقب براعي الفقراء، ومن هنا فإن الزرادشتية تحث الانسان على أن يؤدي الصدقة؛ لأن من يعاون الفقير البائس يسهم في إقامة دولة أهورامزدا، والذي لا يجود بماله مع أوتي من سعة الرزق ، سوف يساق إلى هاوية الفقير سوقاً، وتنصب المصائب على الأشحاء الذين لا يتصدقون .

الصوم:

الزرادشتية تهدف إلى المجاهدة الروحية، ومجابهة قوى الشر على تنوعها واختلافها لتخليص الروح من آثامها؛ لأن على الانسان أن يكافح الشرير بروحه وجسده معاً ونظرا لأنهم يعتقدون بأن الصوم ارهاق للجسد، وتعطيل لعمل العقل، وعمل العقل يعتمد على صحة البدن لهذا السبب حرم الصوم في الزرادشتية(ص208).

نظر الإسلام إلى زرادشت:

نظر الزرادشتيون إلى الآله من خلال أسماءه وصفاته، ولكن الإسلام لا يقر لهم بديانتهم العالمية لأنه الله تعالى قال:( قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)، والمقصود النبي محمد صل الله وعليه وسلم:(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً).

فالإسلام يؤكد عموم دعوته وشمول رسالته زماناً ومكاناً، ودعوات الأنبياء السابقين للإسلام كانت إقليمية زماناً ومكاناً، والدعوات العالمية تمتاز بثلاثة أبعاد، البعد الأول الطول، فهي تمتد حتى تشمل الزمان كله، والثاني العرضي في امتدادها على المكان كله، والثالث العمق تشتمل التعاليم الخاصة بالإنسان من المهد إلى اللحد على عقيدة وشريعة وأخلاق.

الزرادشتية لم تشمل الزمان كله ولا المكان، ذلك أنها محصورة في أماكن معينة، ولا تشتمل على ما يتعلق بالديانات، فهذه المزايا غير متوفرة في الدعوة الزرادشتية حتى نصفها بأنها عالمية كما أنها تتوافق والعقل في أمور عديدة.

تأثرت بعض الفرق الإسلامية بالزرادشتية حينما دخل الإسلام بلاد فارس، واختلط المسلمون بالفرس الزرادشتيين، وتأثر بعض المسلمين بمجموعة من العقائد والأفكار الزرادشتية، ورغم جمود الأفكار الزرادشتية أمام المد الإسلامي، إلا أنها قامت من جديد، بعد ظهور الشيعة، فتطورت فكرة التشيع نتيجة للتأثر ببعض الثقافات الفارسية وحمل غلاة الشيعة بعض الأفكار الزرادشتية.
تنحرف الزرادشتية عن الإسلام بنظرتها إلى صفحات الله سبحانه، فقد جعلته عاجزاً أحيانا عن تدبير أمور الكون فيحتاج إلى من يعاونه، وأشركت الملائكة معه في العبادة وادعت عدم علمه بمكنونات البشر.

يرفض الإسلام الاعتقاد بأن زرادشت هو نبي أخر الزمان، كما يرفض عقيدة المخلص الذي يأتي من نسله، وادعاء حلول الإله فيه، وأنه لم يمت.

تبتعد العقيدة الزرادشتية عن الإسلام حيث أرجعت خلق كل ما هو ضار إلى الشيطان، وهذا ما لا يقره الإسلام الذي يؤكد ضعف كيد الشيطان، وأنه ليس لهم الوسوسة، وأن فعل الشر من الإنسان.

يمنع الزرادشتيون الطلاق ويرفضون التعدد، حتى أصبح عندهم ما يمكن أن يسمى بشريعة الزوجة الواحدة على الرغم من أن زرادشت نفسه قد عدد وتزوج بثلاث من النساء.

في ختام الدراسة يؤكد غانم:

أن الزرادشتية جاءت بعد المجوسية بل هي فرع منها، نادت بالتوحيد ثم لم تلبث حتى خالطتها الوثنية، وأن شخصية زرادشت شخصية حقيقية، وله كتاب مقدس هو الابستاق، الذي ظهر له عدة شروح.

تأثرت الزرادشتية بالعقائد والأفكار السابقة عليها والمجاورة لها، وأثرت فيما بعد على اليهودية والنصرانية وبعض الفرق الإسلامية.

من نقاط الاتفاق:

  ـ أن الزرادشتيون يؤددن الصلوات مفروضة خمس صلوات في اليوم والليلة، وهذا العدد يتفق مع الصلوات المفروضة يومياً في الإسلام.

ـ أمنت الزرادشتية بوجود الملائكة والشياطين وباليوم الآخر، وما يحدث فيه من بعث وحساب وميزان وصراط وجنة ونار ودعت إلى التعاليم الحياتية من التعليم والعمل الخيري والتحلي بالأخلاق الفاضلة، ولكن الإسلام رفض قول الزرادشتيين بأن ديانتهم عالمية، التحول فيها يغفر الذنوب.

ـ يدعي الزرادشتيون أن الاله يحتاج إلى من يعاونه في بعض أمور الكون، وبذلك أشركوا في التوحيد، وأيضا يقولون بعدم علم الإله بحال من يريد أن يصطفيهم، وأن له ولد وهذا لا يتفق مع العقيدة الإسلامية.

إن الله سبحانه وتعالى منزه عن هذه النقائص ويتصف بكل كمال، وهو الواحد الأحد الذي لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه وهو الغني الحميد.
التعليقات (0)