تفكيك الهوية العربية الإسلامية بين النقد العلمي والرهانات السياسية الخفية

يبقى السؤال الأهم في استعراض الأطروحة التفكيكية، التي بالمناسبة، تحاول أن تخترق العالم العربي والإسلامي كله، بعناوين ثابتة وأجندات فكرية واحدة، هو سؤال المقارنة بين تفكيكيي اليوم والأمس.
يبقى السؤال الأهم في استعراض الأطروحة التفكيكية، التي بالمناسبة، تحاول أن تخترق العالم العربي والإسلامي كله، بعناوين ثابتة وأجندات فكرية واحدة، هو سؤال المقارنة بين تفكيكيي اليوم والأمس.
شارك الخبر
 في الثلاثة عقود التي ختمت القرن العشرين ثار نقاش كبير بين تيارات عريضة داخل الوطن العربي والإسلامي حول علاقة الدين والدولة، وقد أنتجت أعمال مهمة في سياق إعادة قراءة حدث الفتنة، وحرب صفين، وقضية التحكيم بين علي ومعاوية، ونشأة الفرق الكلامية، ودور السلطة في تشجيع بعض الفرق الكلامية ضد بعض، واتجهت بعض الأقلام العلمانية على الخصوص إلى تعميم قراءة على التاريخ الإسلامي بوصفه تاريخ توظيف الدين لقمع المعارضين السياسيين، ونشطت في المقابل، على هامش هذه النقاشات، نزعات بحثية  كانت تبدو هامشية في بحر هذا الصراع، تسلط الضوء على ما تسميه "العنف" الذي تعرضت له الحركات السرية مثل القرامطة والباكيين وغيرهم،  أو تحاول أن تجعل من دراسة التصوف الفلسفي رهانا للتأصيل لعالم مفتوح، يستوعب الجميع، ما دام لا يخضع لسلطة النص، وما دام يعتبر الأنا والآخر شيئا واحدا.

لكن، مهما كان شأو هذا النقاش وتعدده، فقد كان يرمز في المحصلة إلى رهانات داخلية، يسعى كل تيار فكري وسياسي أن يجعل من البحث العلمي أداة لتحسين التموقع وإدارة الصراع مع المنافس، ولم تكن الأجندة الخارجية حاضرة إلا في حدود نسبية، وغالبا غير مفهومة في لحظتها كما هو الشأن بخصوص تسليط الضوء على التصوف الفلسفي والحركات السرية، والأكثر من ذلك كله، أن نقاش الدين، باستثناء بعض الحركات الماركسية الراديكالية، لم يكن يتم في حقل النصوص إلا نادرا، فقد كان النقاش يدور حول تاريخية النص (اركون، نصر جامد أو زيد)، أو في الأدنى، توسيع مفهوم المصلحة المرسلة، وتقديمها على دليل القرآن والسنة (حسن حنفي)، والتدليل على محدودية العقل القياسي البياني في حل مشكلات العصر، وضرورة إحداث نقلة نوعية في اتجاه العقل الرشدي (الجابري). وحتى الذين كانوا يقولون بشرطية الفطام عن النص والتراث لإحداث النهضة، لم يجعلوا من النصوص الدينية ورواياتها ومضامينها معركة لهم، فكل ما كان يحاجج فيه عبد الله العروي هو أن الفطام عن النص والتراث هو شرط ضروري، وأنه لا نهضة بدون مرحلة انتقالية، يتم فيها ضرورة المرور بالمرحلة الليبرالية، تماما كما كانت عليه النهضة الأوروبية.

يبدو أن ظاهرة استهداف النصوص قرآنا وسنة، وروايتها، وطريقة جمعها، ومضامينها، فضلا عن فتح أجندة واسعة للتشكيك في نشأة العلوم الإسلامية، وتحويل التراكم العلمي الذي حصلته إلى مجرد وظائف للسلطة المستبدة في مواجهتها للمعارضين، أكثر من مجرد أجندة علمية، خاصة، وأن القضية لم تعد ترتبط فقط بالمكون الأساسي للهوية العربية الإسلامية، أي الدين، بل ترتبط باللغة، والتاريخ، والمصير المشترك، وسائر العناصر المشكلة للهوية الجماعية،
الحساسية الوحيدة، التي انصرفت إلى نقد النصوص، والتشكيك في رواياتها، مثل ما فعل فرج فودة، وتابعه في ذلك محمد سعيد العشماوي، وحولها سيد القمني إلى عنوان بارز لمعاركة الإسلاميين، من الواضح أنها كانت كتابات صحفية، تفتقد إلى الصنعة البحثية، وهي أشبه ما تكون بضرورات معركة تخيل هؤلاء أن سلاحها الأقوى هو معاركة النصوص، وأنه في الحال التي تهزم فيه هذه النصوص تتعرى التيارات الإسلامية وتنكشف سوأتها.

اليوم، يبدو أن ظاهرة استهداف النصوص قرآنا وسنة، وروايتها، وطريقة جمعها، ومضامينها، فضلا عن فتح أجندة واسعة للتشكيك في نشأة العلوم الإسلامية، وتحويل التراكم العلمي الذي حصلته إلى مجرد وظائف للسلطة المستبدة في مواجهتها للمعارضين، أكثر من مجرد أجندة علمية، خاصة، وأن القضية لم تعد ترتبط فقط بالمكون الأساسي للهوية العربية الإسلامية، أي الدين، بل ترتبط باللغة، والتاريخ، والمصير المشترك، وسائر العناصر المشكلة للهوية الجماعية، فقد أثيرت في العديد من الأقطار نقاشات تستعيد مفهوم  الأصيل والطارئ الدخيل في التاريخ المحلي،  وذلك حتى يتأتى وضع اللغة العربية، والمكون العربي الإسلامي، في دائرة التشكيك، فيصير الإسلام والفتح الإسلامي، مجرد استعمار وهيمنة يطلب التحرر منها، وتصير المظلومية الأمازيغية في بلدان شمال إفريقية على سبيل المثال مرتبطة بأفق التحرر من اللغة العربية، ومن الإسلام، ومن العروبة، ومن كل ما له علاقة بالهوية الإسلامية.

هذا التزامن في طرح هذه النقاشات، بل والتنسيق الوظيفي، بين الذين يهتمون بأجندة تفكيك النص الشرعي، والذين يهتمون بسؤال الأصلي والطارئ في التاريخ المحلي، فضلا عن المستوى الهزيل والمكرور لهذه المطارحات يبرر التساؤل عن هذه الرهانات، وهل تحكمها أجندة علمية بحثية، أم أجندة سياسية وظيفية موجهة بقصد تفكيك مكونات الهوية وخدمة أهداف السيطرة والهيمنة عبر خطاب التقسيم؟

التفكيكيون الأوائل

كان رهان المستشرقين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين  كولونياليا بدرجة أولى، وكانوا يسعون بكل الطرق إلى إحداث نوع من الانقسام في المجتمعات الأهلية يمكن الاستعمار من إيجاد مدخل للسيطرة على دول العالم العربي والإسلامي والهيمنة على مقدراتها، يشهد على ذلك أن أغلبهم اشتغل موظفا ساميا في الإدارات الاستعمارية، فقد خدم المستشرق الإسكتلندي وليم موير –صاحب كتاب حياة محمد الذي كان أول الكتاب الغربيين المشككين في صحة السنة النبوية-في مستعمرة الهند البريطانية بصفته إداريا ومعلما، كما اشتغل المستشرق الهلولندي سنوك هورجرونيه مستشارا للحكومة الهولندية للسكان الأصليين، وكانت مهمته البحثية هو ب ثقافة الشعب الأندونيسي، وبالأخص تأثير الحج على ثقافتهم، وكيف يصيرون أكثر تمردا على الاستعمار الهولندي بعيد أدائهم  لمناسك الحج. كما اشتغل المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون مستشارا مقربا لإدارة الجنرال ليوطي، وقد كان اهتمامه المحوري في الدراسات الإسلامية هو تصوف ابن عربي، والفرق السرية في الإسلام.

ومع أن بعض المستشرقين لم يكونوا وظيفيا ملحقين بالإدارة الاستعمارية، إلا أنهم خدموا الاستعمار من خلال أجندتهم العلمية، ومن الظاهر أن هناك اتجاها عاما تم نسجه في البحث في الدراسات الإسلامية باسم منهج النقد التاريخي، انصرف بدرجة أولى إلى التشكيك في موثوقية النص القرآني والحديثي، ومساءلة رواية وجمع القرآن والسنة، والتشكيك في القصص التاريخية التي وردت في القرآن الكريم، والطعن في قدسية النص القرآني.

لقد انطلق هؤلاء من المبدأ الديكارتي القائم على الشك، أي الشك في النص الشرعي، واعتباره متهما حتى تثبت براءته، وتبنوا منهج النقد التاريخي، وذلك لخدمة هدف واحد، هو إثبات تاريخية النص الشرعي وعدم قدسيته.

قام المستشرق المجري إغناس جولدتسيهر في كتابه :"دراسات محمدية" بدراسة رواية الحديث النبوي، من الطور الشفوي إلى التدوين الرسمي، وخلص في دراسته التشكيك في موثوقية انتقال آلاف الأحاديث المحفوظة في الصدور إلى مدونات حديثية لم تستقر إلا في القرن الثالث والرابع الهجري، مدعيا بأن تدوين السنة كان ضرورة سياسية، أملتها حاجة الدولة الأموية إلى بسط شرعيتها ومواجهة خصومها، وقدم في ذلك أدلة ضعيفة، استبعد ما يعارضها ويبطلها  من الأدلة المتوافرة،  فما أورده  من أحاديث زعم أن الدولة الأموية شجعت على وضعها، تعارضه أحاديث كثيرة،  لم  تكن تخدم الدولة الأموية، بل تعارضها جهود علماء حديث كانوا يصرحون بالوضع والنكارة لعدد من الأحاديث التي يرون أنها موضوعة، ولو كانت تخدم أهواء الدولة،  من ذلك أن اتهامه ابن شهاب الزهري بأنه مهندس السياسة الأموية في مجال الحديث النبوي، يعارضه مواقفه من عدد من الأحاديث التي لم تكن توافق أهواء الأمويين،  وقد ذهب غير واحد من الباحثين، بما في ذلك الأجانب ومنهم جوناثان براون في كتابه الذي صدر حديث:" مدخل إلى علم الحديث"، بأن الدفع بحجة خدمة الدولة  الأأموية لظاهرة الوضع في الحديث واهية لا تدعمها الأدلة التاريخية.

وخلافا لجولدتسيهر، وسيرا على نفس منهجيه التشكيكي القائم على النقد التاريخي، خرج المستشرق شاخت بتفسير آخر بعيدا عن تدخل الدولة والسلطة، إذ شكك فيه في موثوقية السنة النبوية، وزعم أن الذين ساهموا في ظاهرة وضع الحديث هم علماء المذاهب الفقهية والكلامية، وأن قصدهم في ذلك خدمة مواقعهم العلمية والاجتماعية والسياسية.

وعلى غراره قام المستشرق الفرنسي مرجليوث بالطعن في موثوقية القرآن، زاعما أن عددا من القصص التاريخية الواردة في القرآن لا يمكن الاستدلال على وجودها علميا.  وقد كانت أطروحته الرئيسة هي نفي وجود الشعر الجاهلي، مدعيا أن هذا الشعر تم وضعه في عصر التدوين، وتم نسبته لشعراء العهد الجاهلي، بقصد إيجاد مرجعية لغوية تعضد الإعجاز القرآني، وتقدم السند المعجمي لتفسيره، وقد سايره في ذلك عميد الأدب العربي طه حسين في كتابه:" في الشعر الجاهلي"، وذلك قبل أن يضطر لمراجعته في كتابه:"في الأدب الجاهلي".

ولم يتوقف الأمر على ذلك، فقد عمد بعض المستشرقين إلى الطعن في موثوقية النص القرآني، والادعاء بوجود أكثر من مصحف، وأكثر من رواية له، وبوجود آيات تم حذفها بقرار من السلطة، وغير ذلك من التهم التي كانت تدور كلها في التشكيك في الوحي، ومن هؤلاء ريجيس بلاشير في كتابه: "القرآن جمعه تدوينه وترجمته" وكارل بروكلمان في كتابه :"تاريخ الأدب العربي" والمستشرق ألألماني بيتر هينه في كتابه: "الإسلام" والمستشرق  غيرهارد بويرينغ في كتابه:" القرآن في محيطه التاريخي" والمستشرق فرانسوا ديرشو في كتابه " استعمالات القرآن بوصفه كتابا مخطوطا" الذي اعتنت به مؤسسة مؤمنون بلا حدود، والمستشرق هنري لامنس في كتابه :"دارة المعارف الإسلامية" ثم المستشرق ألألماني نولدكه في كتابه: "تاريخ القرآن".

لا نريد أن نطيل الحديث كثيرا في الجهود التفكيكية التي قالم بها الاستشراق والتي استهدفت القرآن والسنة والشعر الجاهلي، وكل ما يمكن أن يكون سندا لدعم الإعجاز القرآني، لكن ما يهمنا إثباته في هذا السياق أن هذا التراكم البحثي الذي قاده المستشرقون، وتأثر به غير واحد من العلماء المسلمين، منهم  علي عبد الرازق صاحب كتاب: "الإسلام وأصول الحكم"، ومحمود أبو رية مؤلف كتاب :"أضواء على السنة المحمدية"،  وطه حسين وغيرهم،  على الرغم من تمسحه بمنهج الشك، ومنهج النقد التاريخي، فقد كان يقصد بأي وسيلة تفكيك مكونات الهوية عبر الطعن في مصدرية الدين الإسلامي، بوصفه أحد أهم مقاومات مقاومة الاستعمار، فالوظيفية الكولونيالية كانت تتخلص في إضعاف عناصر المقاومة، وتيسير سبل نجاح السياسة الاستعمارية في  التحكم في  مقدرات  الشعوب العربية الإسلامية.

وقد أثبت الأجندة العلمية، بعد التحرر من رهان الاستعمار، في العالم العربي والغربي على السواء، أن الأطروحات الاستشراقية، لم تكن بالمطلق علمية، وكانت أشبه ما تكون بوظائف تابعة للإدارة الاستعمارية، وذلك في كل التخصصات، سواء منها المعنية بالدراسات الإسلامية، أو اللغوية أو التاريخية، أو الأنثروبولوجية المعنية بدراسة ثقافة الشعوب الأهلية.

التفكيكيون الجدد.. تقسيم الهوية في خدمة التطبيع

نكاد نرى الصورة نفسها في مشهدنا الفكري، فالتفكيكيون الجدد صاروا يحملون العناوين نفسها، لكن هذه المرة بدون أي عمق منهجي، ولا مطارحة علمية، فالذي يجمع عددا من "إسهاماتهم" هو توجيه الطلقات إلى صحيح البخاري، وإلى الصحابي الجليل أبي هريرة، بوصفه الأكثر رواية للحديث، وذلك ليتسنى لهم الطعن في موثوقية الحديث، ثم إعادة نفس الأسطوانة الاستشراقية حول تدوين السنة وظاهرة الوضع، ونسبة الحديث إلى الرهانات الإيديولوجية والسياسية للسلطة القائمة.

المفارقة التي يمكن تسجيلها في ظاهرة التفكيكيين الجدد أنهم يلعبون على أكثر من حبل، ففي الوقت الذي يدعون  فيه إلى هيمنة القرآن وتحكيمه واستبعاد السنة،  مدعين أن المصدر الوحيد الذي يحظى بالمصداقية والحاكمية، هو القرآن، يسلكون أكثر من مسلك للطعن في جمعه وتدوينه مستعينين بالأدوات الاستشراقية التي تركز على الأحرف السبع، وعلى هيمنة الراوية الشفوية على التدوين والاستدلال بتأخر التدوين إلى وقت جد متأخر، وغيرها من الحجج التي أثبتت بعض الدراسات المتأخرة، بما يفيد القطع بأنها متهافتة،  وذلك استنادا إلى بعض  نسخ  للقرآن المبكرة التي تم العثور عليها ،  فالظاهر من لعبة الرقص على أكثر من حبل أن المسألة عند التفكيكيين الجدد ليست أكثر من ترتيب أولويات، فالذي يوجد في المرتبة الأولى، هو التشكيك في السنة والطعن في صحيح البخاري، وفي كل الصحابة الذين دارت عليهم أغلب روايات الحديث وبالأخص أبي هريرة، وهم لا يبذلون في ذلك أي جهد إضافي سوى استعادة ما كتب لاحقا، بنقل مكرور وتدليس ظاهر وسرقات علمية موصوفة،  وحيث يكون الدفاع عن حاكيمية  القرآن مجرد تكتيك لتحقيق هذا الغرض،  ثم يأتي الطعن في القرآن الكريم وموثوقيته في المرتبة الثانية بعد الفراغ من اطارح السنة النبوية.

التفكيكيون الجدد صاروا يحملون العناوين نفسها، لكن هذه المرة بدون أي عمق منهجي، ولا مطارحة علمية، فالذي يجمع عددا من "إسهاماتهم" هو توجيه الطلقات إلى صحيح البخاري، وإلى الصحابي الجليل أبي هريرة، بوصفه الأكثر رواية للحديث، وذلك ليتسنى لهم الطعن في موثوقية الحديث، ثم إعادة نفس الأسطوانة الاستشراقية حول تدوين السنة وظاهرة الوضع، ونسبة الحديث إلى الرهانات الإيديولوجية والسياسية للسلطة القائمة.
الجديد الذي تم تسجيله في أجندة التفكيكيين الجدد هو المعارك التي تخاض اليوم على المستوى اللغوي والثقافي وأيضا على المستوى التاريخي،  فإذا كان جهد المستشرقين لاسيما منهم الفرنسيين هو أنهم حاولوا أن يخلقوا الصراع بين اللغة العربية  والأمازيغية (سياسة الظهيلا البربري) وذلك للتمكين للغة الفرنسية ومن ثمة تبرير حالة الانقسام التي تعين الاستعمار على تحقيق أهدافه، فاليوم، اختلقت حجج جديدة أخطر من سابقاتها، تتعلق بمفهوم الأصيل والدخيل، وافتعال  المعركة بين العرب والأمازيغ في الحقل التاريخي، وذلك لتكريس صورة مظلومية أمازيغية بسبب مما يسمونه بالاستعمار العربي الذي جاء في لبوس الفتح، وبالهيمنة العروبية التي قضت على  مقومات الهوية ألأمازيغية.

والنقاش الذي يفتعله البعض اليوم في المغرب، من محاولة تـأصيل ما يسمى بالهوية المورية للمغرب، والإشادة بولاية بورغواطة، وانتحالها لدين جديد غير الإسلام، وتبنيها لقرآن أخر غير القرآن الكريم، وخوض معارك نسب المغاربة، ومحاولة تجدير الدولة المغربية بعيدا عن أدوار الفاتحين، كلها أطاريح تسعى إلى إثارة نعرات عرقية قبلية بهدف التقسيم، وقد بلغ الأمر ببعضهم حد الدفاع عن السياسة البربرية التي اتخذها الاستعمار، معتبرين أن سردية التقسيم بين العرب والبرابر هي مجرد رواية للحركة الوطنية،  بينما كان هذا هو الواقع الذي لا تريد الحركة الوطنية مواجهاته، إذ كان الأمازيغ يحتفظون بمؤسساتهم وأعرافهم وقوانينهم، وأن الحركة الوطنية استغلت الظهير البربري للإجهاز على هذا الوضع وممارسة الهمنية العروبية على الأمازيغ !

والمثير في  الأمر،  ليس النقاش حول هذه القضايا، ولكن ما يترتب عنها،  فالخلاصات المهمة التي يسعى التفكيكيون إلى تثبيتها وهي أن الأمازيغ هم  الأصل، وأن هويتهم كانت علمانية، وأنه تبعا لذلك،  ينبغي تثبيت الطابع العلماني للدولة، وأن علاقاتهم بإسرائيل لا ينبغي أن تكون محكومة بخلفية الصراع العربي الإسرائيلي، وأن صراعات العرب مع إسرائيل لا تعني الأمازيغ، ولا يمكن أن نفرض على الأمازيغ أن يقطعوا علاقاتهم مع إسرائيل بسبب من الصراع العربي معها، وأن التاريخ يدعم وجود حالة تطبيع كامل بين الأمازيغ واليهود، وأن هذا هو ما يؤسس لحالة التطبيع الذي ينبغي أن يحكم علاقة المغرب بتل أبيب.

يعد مودي بريس وايزمان أحد أهم الباحثين الصهاينة الذين كرسوا أعمالهم الأكاديمية وجهودهم للحركة الأمازيغية في شمال إفريقيا، وقد انشغل لأكثر من عقدين من الزمن بسؤال لماذا لا تتوسع مستويات التطبيع بين إسرائيل وشعوب المغرب العربي؟ وكان الجواب الذي قدمه لتجاوز هذا الواقع، هو استثمار الورقة الأمازيغية،  ومحاولة  إثبات عمق العلاقات الأمازيغية الإسرائيلية، وأن ما شوش عليها ومنعها من الاستمرار على ما كانت عليه، هم العرب، وأن الحاجة تدعو إلى تعميق الهوية الأمازيغية لدول المغرب العربي، وخلق حالة اللاعداوة بين الأمازيغ وإسرائيل، وأن ذلك لا يمكن أن يتم من غير خلق معارك هوياتية تفكيكية بين الأمازيغ وبين العرب، وبين اللغة العربية وبين اللغة الأمازيغية، وفتح ملف التاريخ لمحاكمة مسلمي الفتح، ونسبة المظلومية التاريخية كلها لهم، ومحاولة التهكم من أطروحة بناء المولى إدريس للدولة المغربية، والعودة بها إلى الجذور التاريخية البعيدة، وذلك لتأكيد "الأصل الموري" للمغارب، والطابع العلماني لهوية دولتهم، وأمازيغية لغتهم، وجنوحهم التاريخي إلى التطبيع مع دولة الاحتلال.

في الفروق بين تفكيكيي اليوم والأمس

ويبقى السؤال الأهم في استعراض الأطروحة التفكيكية، التي بالمناسبة، تحاول أن تخترق العالم العربي والإسلامي كله، بعناوين ثابتة وأجندات فكرية واحدة، هو سؤال المقارنة بين تفكيكيي اليوم والأمس.

في السابق، كان الاستعمار يمول جهود المستشرقين، سواء الذين عملوا في إدارته، أو الذين تقاطعوا مع مصالحه وخدموه من خارج السلك الإداري،  ولم يكن هناك أي شك  في إثبات العلاقة بين الجهود البحثية وبين مخرجاتها الوظيفية، فقد توجه المستشرقون بشكل مباشر إلى محاولة إضعاف عناصر  المقاومة في نفوس الأمة من خلال استهداف أسس هويتها ومرجعيتها، وذلك بخلق الانقسام والتشكيك في مصدرية وموثوقية كل من القرآن والسنة، والذي حصل اليوم لم يمس الوظائف، بقدر ما مس البنيات والمؤسسات، فمن الواضح أن بعض الدول القريبة من الأجندة الصهيونية، والتي تخدمها وظيفيا، تقدم دعما كبيرا لبعض المؤسسات التي تتقاطع مع أجندة الاستشراق السابقة في تفكيك الهوية،  والظاهر من حركة النشر والطباعة، أن هذه الدول، هي الأكثر دعما لهذه الموضوعات، وقلما تجد أجندة لتفكيك الهوية، في أي مستوى من المستويات وفي أي حقل من الحقول المعرفية، غير مدعومة ماليا، مما يرجح أن تكون مجرد مشاريع وظيفية لخدمة الاستعمار الجديد أو خدمة الأهداف الصهيونية التفكيكية.

ما يدعم ذلك خمس حجج أساسية، الأولى أن منتوج التفكيكيين الجدد رديء فكريا ومنهجيا،  ويغلب عليه  السرقات العلمية وتكرار ما كتب سابقا، والثانية، أن حاملي هذه الأجندة، لا يمتلكون أي رمزية علمية أو بحثية،  فغالبهم منسوبون إلى ثقافة التفاهة بتعبير آلان أدونو منهم إلى البحث العلمي، والثالثة، أن مشاريع سياسات صهيونية، مكتوبة في أوراق بحثية موجهة لصناع القرار السياسي الصهيوني تتقاطع مع العناوين التفكيكية وتشجع موضوعاتها وأجندتها، والرابعة، أن أغلب المؤسسات التي تضطلع بالمهمة التفكيكية تحظى بتمويل سخي، وبنشر  وطباعة في مستوى أنيق يشم منه رائحة البترودولار،  والخامسة، أن أغلبهم لا يملك قدرة على المناظرة العلمية، فتراهم مقتصرين على بث الرسائل المطلوبة دون تعكيرها بما قد يكون مبطلا لها.

خلاصة

لقد اهتم العلماء في السابق بالرد على المستشرقين، وبذلوا جهودا علمية كبيرة في مواجهة إسهاماتهم، وكان من الضروري أن يقدموا هذا الجهد بعد أن ظهر من مثقفي العرب والمسلمين من يتأثر بهم ويحمل لواء أفكارهم خاصة من طلبة البعثات العلمية المصرية وغيرها مما درسوا في جامعات غربية مرموقة مثل السوربون الفرنسية وأكسفورد البريطانية، يقوم عليها بعض المستشرقين في التخصصات التي لها علاقة اللغة العربية والدراسات الإسلامية.

وقد آتت جهود الرد دورها في التنبيه على أعطاب كتابات المستشرقين وتهافت منهجها العلمي، وإثبات تحيزها الإيديولوجي والسياسي وافتقادها للأدلة العلمية الضرورية، لكن يبدو أن جهد الرد اليوم على التفكيكيين الجدد هو أقرب إلى ضياع الجهد منه إلى خدمة البحث العلمي، لأن هؤلاء لا يقدمون أي جديد سوى استعادة ما كتب قديما، ولا يتجاسرون على فعل التناظر العلمي، وكثير منهم يستدر ويستحث من يعارضه طلبا لتكثير معجبيه والمتابعين له، فقد ثبت بدليل المتابعة والاستقراء، أن كثيرا من هؤلاء لم تعد له بضاعة  يعرضها بعد أن ووجه بالإهمال، واستغنى عنه الممول، الذي يحكم معايير كثرة المتابعين والمعجبين لصفحات التفكيكيين، ففي اليوم الذي تواجه دعوتهم بالإهمال، تصاب بضاعتهم ولا شك بالبوار، ما دامت مفتقدة لما يبرر وجودها ضمن التراكم العلمي والبحثي، وما دام القائمون عليها، من ذوي الثقافة المحدودة، والبعد عن مزاحمة الكبار في مجالات المعرفة.
التعليقات (0)