تمثل
العلاقات المغربية السورية نموذجا دالا
على علاقة انتقلت من صراع المحاور المطبوعة بالتوتر السياسي إلى أفق واعد قائم على
الواقعية السياسية وتلاقي المصالح بعد تحولات كبرى في دمشق.
في مسار هذه العلاقات هناك محطات مد وجزر
تشكلت حسب التحولات السياسية داخل كلا البلدين، وفي هذا السياق، يمكن القول بأن
هذه العلاقات ارتهنت بثلاثة ملفات أساسية: قضية الصحراء المغربية، وموقع
سوريا
داخل ما كان يسمى بـ "محور الممانعة"، ثم لاحقا بطبيعة الموقف المغربي
من الثورة السورية ومطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة. غير أن سقوط نظام بشار
الأسد ووصول مجموعة سياسية جديدة إلى الحكم في سوريا سيفتح الباب أمام إعادة بناء
العلاقات على أسس جديدة، وهو ما عكسته بوضوح الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية
السوري أسعد الشيباني إلى الرباط التي تزامنت مع الإعلان عن إعادة فتح السفارات
وإطلاق مسار تعاون شامل.
ضياع الفرصة التاريخية للإصلاح في سوريا عند
بداية الألفية..
عند وفاة حافظ الأسد سنة 2000، كانت سوريا
أمام فرصة تاريخية شبيهة بتلك التي عاشها المغرب مع بداية عهد الملك محمد السادس
سنة 1999، فرغم الاختلاف في السياق التاريخي بين البلدين يمكن أن نلاحظ أن العهد
الجديد بالمغرب تعامل بشجاعة مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو ما كان
يعرف في المغرب بـ"سنوات الجمر والرصاص" واختار الملك محمد السادس منذ
السنوات الأولى لحكمه مسارا متميزا بالحديث عن المفهوم الجديد للسلطة، وإطلاق
مسلسل العدالة الانتقالية عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، وعدم إنكار الماضي، والعمل
على إعادة بناء شرعية الدولة على أساس القرب الاجتماعي ومساعدة الفقراء حتى لقب
بملك الفقراء.
في المقابل، لم يستثمر بشار الأسد اللحظة
التاريخية التي كان يمكن أن تؤسس لتحول سياسي تدريجي وسلمي، فرغم ما عرف
بـ"ربيع دمشق" القصير، سرعان ما أُعيد إغلاق المجال السياسي، واستمر نمط
الحكم الأمني هو السائد رغم المقبولية الشعبية والإقليمية والدولية التي كان يتمتع
بها النظام الجديد آنذاك في بداية حكمه..
لم يستثمر بشار الأسد اللحظة التاريخية التي كان يمكن أن تؤسس لتحول سياسي تدريجي وسلمي، فرغم ما عرف بـ"ربيع دمشق" القصير، سرعان ما أُعيد إغلاق المجال السياسي، واستمر نمط الحكم الأمني هو السائد رغم المقبولية الشعبية والإقليمية والدولية التي كان يتمتع بها النظام الجديد آنذاك في بداية حكمه..
أتذكر في سنة 2005 أني كنت مدعوا للمساهمة
في ندوة بـ "دار البعث" بدمشق في موضوع: "الإصلاح في العالم
العربي"، اعتقدت أن اختيار المنظمين لهذا العنوان ينطوي على رغبة جدية في
إطلاق مسار جديد من الانفتاح السياسي والحقوقي، كان المغرب لحظتها يعيش زمن
"الإنصاف والمصالحة" فاخترت أن أسلط الضوء على التجربة المغربية عساها
أن تشجع المسؤولين هناك على النسج على منوالها..
كم كنت حالما وأنا أحاول أن أستعرض أمامهم
نموذجا عربيا ناجحا نسبيا في إدارة الانتقال الهادئ من السلطوية الصلبة إلى
الانفتاح المتدرج، وأسهبت في شرح الخصوصية التي تميز تجربة العدالة الانتقالية في
المغرب، والتي تتأسس أولا على: معرفة حقيقة الانتهاكات التي شهدها المغرب منذ
استقلاله سنة 1956 إلى سنة 1999 وهي السنة التي تولى فيها الملك محمد السادس الحكم
ولاسيما ما يتعلق بالاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، ثانيا، جبر ضرر الضحايا عبر
توزيع تعويضات مادية على الضحايا أو ذويهم، ثالثا، ضمانات عدم التكرار عبر وضع
توصيات لإصلاح القوانين والمؤسسات ذات الصلة بالقضاء والأمن وغيرها، رابعا،
الإدماج الاجتماعي والمهني للضحايا وضمان التغطية الصحية لهم.. وهي العناصر التي
تضمن الانتقال إلى مرحلة إصلاحية جديدة في ظل استمرارية نفس النظام السياسي.. لكن الإشارة ـ مع الأسف ـ لم تلتقط وبقيت دار
الأسد على حالها.
كان علينا أن ننتظر عشرين سنة قبل أن أستقبل
وفدا من النشطاء والمحامين السوريين وهم يزورون المغرب بعد الثورة للاستفادة من
تجربته في العدالة الاتتقالية، رتبت لهم لقاءات مع عدد من الأعضاء السابقين لهيئة
الإنصاف والمصالحة ومع رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومع عدد من الشخصيات
السياسية المغربية المنشغلة بموضوع الحريات والحقوق.
"يا لمكر
التاريخ": يعلق صديقي السوري، وهو يتحسر على هدر زمن الإصلاح بهذه البشاعة،
ويعبر عن امتنانه للموقف المغربي الداعم لمطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة..
الموقف المغربي من الثورة السورية.. انسجام
أخلاقي وسياسي
منذ اندلاع الثورة السورية سنة 2011، اتخذ
المغرب موقفا واضحا لم يكن موجها ضد الدولة السورية، بل منحازا إلى حق شعبها في
الحرية والكرامة، فضلا عن دعمه لوحدة سوريا الترابية وسيادتها الوطنية.
توج هذا الموقف بطرد السفير السوري سنة 2012
وإغلاق السفارة المغربية في دمشق، في خطوة سياسية نادرة في السياق العربي، عكست
انسجاما بين الخطاب الرسمي المغربي حول الإصلاح السياسي الداخلي وموقفه الخارجي من
القضايا العربية.
منذ اندلاع الثورة السورية سنة 2011، اتخذ المغرب موقفا واضحا لم يكن موجها ضد الدولة السورية، بل منحازا إلى حق شعبها في الحرية والكرامة، فضلا عن دعمه لوحدة سوريا الترابية وسيادتها الوطنية.
هذا الموقف أشار إليه وزير الخارجية السوري
الجديد بوضوح، عندما وصف الموقف المغربي خلال السنوات الماضية بأنه "إنساني
وأخلاقي وسياسي مشرف"، وهو توصيف يحمل دلالة اعتراف ضمني بأن الرباط وقفت في
الاتجاه الصحيح من التاريخ وانحازت للمستقبل، بعدما كانت العلاقات بين البلدين
مطبوعة بالتوتر والتقلب.
من القطيعة إلى التقارب.. تحول في محددات
العلاقة
العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وسوريا
علاقات تاريخية تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، بحيث ظلت الذاكرة العربية تفتخر
دائما بمشاركة المغرب بتجريدة عسكرية خلال حرب أكتوبر 1973 على الجبهة السورية
دعما للمعركة ضد الاحتلال الإسرائيلي..
لكن هذا التقارب لم يمنع من ظهور بعض عناصر
التوتر، بحيث ظل ملف الصحراء المغربية لعقود هو العامل الأكثر تأثيرا في هذه
العلاقات، خصوصا بعد اعتراف دمشق سنة 1980 بما يسمى ب"الجمهورية
الصحراوية" ودعمها لجبهة البوليساريو الانفصالية، وهو ما اعتبره المغرب مسا
مباشرا بوحدة أراضيه، لتتراجع العلاقات بين البلدين وتدخل في مرحلة طويلة من
البرود..
ورغم حدة الخلافات، فقد عرفت العلاقات نوعا
من الانفراج خلال تسعينيات القرن الماضي، مع تبادل الزيارات الرسمية، أبرزها زيارة
الملك الحسن الثاني إلى دمشق سنة 1992، ثم زيارة الملك محمد السادس إلى سورية سنة
2001، في محاولة لفتح صفحة جديدة بين البلدين، وهو ما لم يحسن النظام السوري
استثماره إلى أن اندلعت الاحتجاجات في سوريا..
غير أن التحول النوعي تمثل في قرار السلطات
السورية الجديدة إغلاق مكتب البوليساريو في دمشق، ثم إعلان دعمها الصريح للوحدة
الترابية للمملكة. هذا التطور النوعي يمثل تحولا مهما في العقيدة السياسية السورية
الجديدة تجاه القضايا العربية وخروجا واضحا عن منطق المحاور الإيديولوجية لفائدة
اعتماد مقاربة واقعية براغماتية للعلاقات الدولية، وقد أكد البيان المشترك بين
وزيري الخارجية هذا التطابق الجديد في وجهات النظر، بما في ذلك دعم وحدة أراضي
البلدين.
آفاق واعدة لشراكة سياسية واستراتيجية..
المرحلة الجديدة لا تقتصر على إعادة
العلاقات الدبلوماسية، بل تؤسس لإمكانات شراكة عميقة في مجالات سياسية واقتصادية
واجتماعية، بحيث يمكن لسوريا أن تستفيد من التجربة المغربية في العدالة
الانتقالية، فقد خرجت سوريا الجديدة من حرب طويلة وانقسامات حادة، وهي بحاجة ملحة
إلى مصالحة وطنية شاملة وآليات مؤسساتية لإنصاف الضحايا في أفق إعادة بناء الثقة
بين الدولة والمجتمع.
المرحلة الجديدة لا تقتصر على إعادة العلاقات الدبلوماسية، بل تؤسس لإمكانات شراكة عميقة في مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية، بحيث يمكن لسوريا أن تستفيد من التجربة المغربية في العدالة الانتقالية، فقد خرجت سوريا الجديدة من حرب طويلة وانقسامات حادة، وهي بحاجة ملحة إلى مصالحة وطنية شاملة وآليات مؤسساتية لإنصاف الضحايا في أفق إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وهنا تبرز التجربة المغربية كنموذج عربي
فريد يمكن الاستفادة منه في هندسة مسار سوري للعدالة الانتقالية يراعي خصوصيات
البلد ويتفادى منطق الانتقام ويؤسس لمنطق المصالحة.
كما يمتلك المغرب خبرة معتبرة في بعض
المجالات من قبيل تدبير الموارد المائية في بيئة مناخية تعاني من الجفاف مع تطوير
الفلاحة ذات القيمة المضافة، واحتضان بعض الصناعات التحويلية في مجال الطاقات
البديلة وغيرها..وهي مجالات حيوية بالنسبة لسوريا التي ستدخل مرحلة إعادة الإعمار
وإعادة توزيع السكان والموارد.
كما أن المغرب الذي يعتبر فاعلا عربيا يحظى
بقبول واسع إقليميا ودوليا، ويحظى بعلاقاته المتوازنة يمكن أن يشكل جسرا لسوريا
الجديدة نحو محيطها العربي والدولي، وسيستفيد بدوره من نظام عربي جديد داعم لوحدته
الترابية على الصعيد السياسي والاستراتيجي.
والخلاصة:
أن العلاقات المغربية السورية اليوم تتجاوز
استئناف التمثيل الدبلوماسي، لتدشن مرحلة جديدة تتقاطع فيها رؤية البلدين حول وحدة
الدول وسيادتها مع وجود إرادة سياسية قوية لفتح صفحة جديدة من التعاون والتفاهم
قائمة على الواقعية والمصلحة المشتركة، بعدما أضاع بشار الأسد فرصة تاريخية كان
يمكن أن تجعل من سوريا قصة إصلاح عربي شبيهة بالتجربة المغربية في المصالحة
والعدالة الانتقالية، لكن سوريا الجديدة تملك اليوم فرصة ثانية، ليس فقط لإعادة
بناء دولتها، بل لبناء شراكات استراتيجية مع دول نجحت في إدارة انتقالاتها
السياسية بحكمة وهدوء، وفي مقدمتها المغرب.