في
ذكرى وفاة العلامة الشيخ البشير
الإبراهيمي (20 ماي 1965 ـ 2025)، تعود إلى الواجهة سيرة أحد أبرز أعلام النهضة
الفكرية والإصلاحية في
الجزائر والعالم العربي، وأحد الذين حمّلوا الكلمة ثقل
المسؤولية
التاريخية والأخلاقية. يقول في عبارته الشهيرة: "إنّ بيع القلم
واللسان أقبحُ من بيع الجندي لسلاحه"، وهي عبارة تختصر تصورا كاملا لدور
المثقف والإعلامي في مواجهة التضليل والانحراف.
ولد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي يوم 19 تموز / يوليو 1889 في رأس الواد بولاية برج بوعريريج، وتلقى تعليمه الأول على يد والده
وعمه. ثم شدّ الرحال سنة 1911 إلى الحجاز، حيث استقر بالمدينة المنورة وتلقى
تكوينا عاليا في اللغة والفقه والعلوم الإسلامية. ومن هناك انتقل إلى دمشق ليستفيد
من مجالس علمائها، قبل أن يعود إلى الجزائر ليستقر بسطيف، حيث انخرط في التعليم
ونشر الوعي الديني واللغوي.
تشكلت رؤية الإبراهيمي في سياق استعماري لم يستهدف الأرض فقط، بل استهدف الوعي واللغة والذاكرة. لذلك لم يكن القلم عنده أداة تعبير، بل أداة مقاومة. ومن هنا جاءت مقولته بوصفها حكما أخلاقيا صارما: فكما يحرس الجندي الحدود بسلاحه، يحرس الصحفي والمثقف وعي المجتمع بالكلمة. وإذا كانت خيانة الجندي تُسقط جبهة، فإن خيانة القلم تُربك أمة بأكملها.
ارتبط الإبراهيمي بالشيخ عبد الحميد بن
باديس، وشارك في مشروع النهضة الفكرية الذي هدف إلى حماية الهوية الجزائرية في
مواجهة الاستعمار الفرنسي. وتُوّج هذا المسار بتأسيس جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين سنة 1931، حيث تولى منصب نائب الرئيس، ثم أصبح لاحقا من أبرز قياداتها
الفاعلة.
كُلّف بتمثيل الجمعية في الغرب الجزائري،
وأدار مدرسة دار الحديث بتلمسان، غير أن نشاطه الإصلاحي جعله عرضة للاعتقال من طرف
السلطات الاستعمارية، فسُجن في مدينة أفلو بالأغواط جنوبي الجزائر. وبعد وفاة ابن
باديس، تولى رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مواصلاً قيادة المشروع
الإصلاحي رغم ظروف القمع والملاحقة.
كما أعيد اعتقاله بعد تنديده بمجازر 8 ماي
1945، قبل أن يُفرج عنه لاحقا ليواصل نشاطه الدعوي والفكري. وفي سنة 1952 انتقل
إلى القاهرة، حيث استقر إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية، فأصدر بيان جمعية
العلماء المسلمين الجزائريين الداعي إلى دعم الثورة. ومن مصر واصل نشاطه السياسي
والإعلامي لصالح القضية الجزائرية إلى غاية الاستقلال، قبل أن يتوفى يوم 20 ماي
1965.
تشكلت رؤية الإبراهيمي في سياق استعماري لم
يستهدف الأرض فقط، بل استهدف الوعي واللغة والذاكرة. لذلك لم يكن القلم عنده أداة
تعبير، بل أداة مقاومة. ومن هنا جاءت مقولته بوصفها حكما أخلاقيا صارما: فكما يحرس
الجندي الحدود بسلاحه، يحرس الصحفي والمثقف وعي المجتمع بالكلمة. وإذا كانت خيانة
الجندي تُسقط جبهة، فإن خيانة القلم تُربك أمة بأكملها.
هذا التصور يبدو اليوم أكثر حدّة في واقع
الإعلام العربي، حيث تتعرض الكلمة لضغوط متعددة: السلطة السياسية، التمويل،
الاستقطاب الأيديولوجي، ومنطق "الترند" الذي يختزل الحقيقة في حجم
التفاعل. في هذا السياق، لم يعد بعض الإعلام يسعى إلى كشف الوقائع بقدر ما يشتغل
على صناعة روايات جاهزة، أو تكييف الوعي العام مع مصالح محددة.
والأخطر أن "بيع القلم" لم يعد
دائما فعلا مباشرا. فالمسألة اليوم أكثر تعقيدا: صحفي لا يكذب لكنه ينتقي الحقيقة،
وآخر يمارس الصمت تجاه ما لا يخدم خطه التحريري، وثالث يحول المأساة الإنسانية إلى
مادة استثمار إعلامي أو سياسي.
في هذا السياق، تبرز غزة بوصفها اختبارا
حادا لضمير الصحافة العالمية والعربية. هناك، لم يعد الصحفي ناقلا للخبر فقط، بل
شاهدا على الموت. عشرات الصحفيين الفلسطينيين قُتلوا أثناء أداء عملهم، فيما
استُهدفت مؤسسات إعلامية ومنازل عائلاتهم خلال الحرب.
إن استحضار الشيخ الإبراهيمي اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بذكرى عالم ومصلح جزائري، بل استعادة لفكرة مركزية: أن القلم موقف أخلاقي قبل أن يكون مهنة. وأن الصحافة ليست مجرد صناعة محتوى، بل مسؤولية تجاه الناس والتاريخ والضحايا والحقيقة نفسها.
في غزة تتجسد كلمات الإبراهيمي في أقصى
صورها: صحفيون يواصلون العمل تحت القصف، يوثقون المجازر ويصنعون الصورة من قلب
الدمار، رغم الجوع والحصار وفقدان الأقارب. في المقابل، تقف روايات إعلامية أخرى
أكثر أمانا، لكنها أقل التصاقا بالحقيقة، تعيد إنتاج سرديات سياسية أو تبريرية
منفصلة عن الواقع الإنساني.
إن معركة الصحفي اليوم لم تعد فقط مع
الرقابة، بل مع احتمالات التواطؤ أيضا. فالكلمة يمكن أن تتحول إلى سلطة، والظهور
الإعلامي إلى نفوذ، والمهنة إلى موقع داخل منظومة مصالح. وهنا تحديدا يصبح تحذير
الإبراهيمي من بيع "القلم" أكثر راهنية من أي وقت مضى.
ولذلك، فإن استحضار الشيخ الإبراهيمي اليوم
لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بذكرى عالم ومصلح جزائري، بل استعادة لفكرة مركزية:
أن القلم موقف أخلاقي قبل أن يكون مهنة. وأن الصحافة ليست مجرد صناعة محتوى، بل
مسؤولية تجاه الناس والتاريخ والضحايا والحقيقة نفسها.
في عالم عربي مثقل بالحروب والانقسامات
والاستقطابات، تصبح كلمة الإبراهيمي سؤالا مفتوحا أمام كل صاحب قلم ولسان: هل ما
يزال يكتب ليقول الحقيقة، أم ليحجز مكانه داخل منظومة القوة والنفوذ؟ وبين هذين
الخيارين تتحدد قيمة الكلمة، ويتحدد أيضا معنى أن يكون الإنسان صحفيا أو كاتبا في
زمن الأزمات الكبرى.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.