مركزية الإنسان في مشروع العدل والإحسان.. أولوية التربية والتكوين (1من2)

إن وجود المرأة في صلب المشروع ينبع من وعي عميق بأن بناء الإنسان، الذي يقوم عليه المشروع كله، لا يمكن أن يكتمل إذا أقصيت المرأة، أو همشت، أو حصرت في أدوار ضيقة..
إن وجود المرأة في صلب المشروع ينبع من وعي عميق بأن بناء الإنسان، الذي يقوم عليه المشروع كله، لا يمكن أن يكتمل إذا أقصيت المرأة، أو همشت، أو حصرت في أدوار ضيقة..
شارك الخبر
يعد سؤال التغيير من القضايا المركزية في الفكر الإصلاحي المعاصر، لارتباطه الوثيق بشروط النهوض الحضاري وإمكانات تجاوز أوضاع الاختلال والتبعية نحو أفق من التحرر والعدالة والكرامة. غير أن وجاهة هذا السؤال لا تكتمل إلا بصياغته في مستوى أكثر جذرية، يتعلق بتحديد منطلقات التغيير وحدوده؛ على نحو من أين يبدأ التغيير؟ هل يبدأ من الدولة ومؤسساتها؟ أم من الاقتصاد وآلياته؟ أم من إعادة ترتيب البنيات السياسية والاجتماعية؟ أم أنه يبدأ قبل ذلك كله، من الإنسان نفسه، باعتباره أصل الفعل الحضاري، ومصدر العمران، وحامل القيم، ومركز الاستخلاف في التاريخ؟

وفي امتداد هذا الإشكال، يؤسس مشروع العدل والإحسان تصورا تغييريا يقوم على مركزية الإنسان باعتباره مرتكزا بنيويا للعملية التغييرية، ليس بوصفه عنصرا ضمن منظومة اجتماعية فحسب، بل باعتباره منطلقا لها ومجالا لتجليها وشرطا في تحققها واستمرارها. غير أن هذا التمركز للإنسان لا يظل مفهوما مجردا، بل يقتضي مساءلة الكيفية التي يتم بها بناء هذا الإنسان وإعادة تشكيل وعيه وقيمه وإرادته، باعتبار أن سلامة أي تحول وعمقه مرهونان بمدى قدرته على إعادة إنتاج الإنسان في أبعاده الروحية والأخلاقية والفكرية.

من هذا المنطلق، تقدم التربية والتكوين في هذا المشروع باعتبارها مدخلا منهجيا مؤسسا، ينبني على رؤية شمولية للعلاقة بين التزكية الفردية والتحول المجتمعي، وبين بناء الذات وتحقيق العدل في التاريخ. ذلك أن هذا التصور ينطلق من اعتبار أن الأزمة لا تختزل في اختلالات مؤسساتية أو سياسية، بقدر ما تتجذر في بنية الإنسان ذاته، في وعيه وقيمه وإرادته وقدرته على الاضطلاع بمسؤولية الاستخلاف.

وبناء على ذلك، تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تكشف عن أحد المرتكزات النظرية المركزية في المشروع التغييري للعدل والإحسان، والمتمثل في مركزية الإنسان، بما يجعل من التربية والتكوين مدخلا أساسيا لإعداد الفاعل القادر على حمل مشروع الإصلاح في أبعاده الفردية والمجتمعية والتاريخية.

إذا كان لكل مشروع تغييري سؤال مؤسس يحدد وجهته العميقة، فإن السؤال المركزي في مشروع العدل والإحسان يتمحور حول الإنسان: أي إنسان نريد؟ وكيف يمكن لهذا الإنسان أن يتحول إلى فاعل في التغيير، لا مجرد متلق لآثاره أو تابع لمساراته؟
وانطلاقا من هذا التصور، تتمحور إشكالية البحث حول الكيفية التي يؤسس بها مشروع العدل والإحسان لمركزية الإنسان ضمن تصوره التغييري، وعن الأسباب التي تجعل من التربية والتكوين المدخل الأصيل لكل تغيير. ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات المرتبطة بطبيعة التصور الإنساني في هذا المشروع، ودلالة التربية والتكوين في بنيته المفهومية، ومبررات تقديمهما على غيرهما من مداخل الإصلاح، ومدى إسهام هذا الاختيار في ضمان عمق التغيير واستمراره.

وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة المنهج التحليلي التركيبي، من خلال تحليل الأسس الفكرية المؤطرة لمركزية الإنسان، ثم تركيب دلالات اعتبار التربية والتكوين مدخلا للتغيير، بما يسمح باستجلاء أبعاد هذا الخيار في بناء مشروع مجتمعي متكامل.

وقد اقتضت طبيعة البحث تقسيمه إلى مبحثين رئيسين: يتناول الأول مركزية الإنسان في التصور التغييري لمشروع العدل والإحسان، بينما يعالج الثاني أولوية التربية والتكوين باعتبارهما المدخل الأصيل لكل تغيير.

المبحث الأول ـ مركزية الإنسان في التصور التغييري لمشروع العدل والإحسان

أولا ـ الإنسان منطلق المشروع وموضوعه وغايته

إذا كان لكل مشروع تغييري سؤال مؤسس يحدد وجهته العميقة، فإن السؤال المركزي في مشروع العدل والإحسان يتمحور حول الإنسان: أي إنسان نريد؟ وكيف يمكن لهذا الإنسان أن يتحول إلى فاعل في التغيير، لا مجرد متلق لآثاره أو تابع لمساراته؟

ومن هنا تتحدد خصوصية هذا المشروع، إذ لا ينظر إلى الإنسان باعتباره عنصرا ثانويا داخل البنية الاجتماعية، ولا مجرد أداة في الفعل السياسي أو التنظيمي، بل يجعله منطلق التغيير وموضوعه وغايته في آن واحد. فالإنسان هو محل البناء ومجاله ووسيلته، وهو في الوقت نفسه حامل المنهاج ومبلغه، بما يجعله محور الفعل التغييري ومرجعه النهائي؛ إذ إليه ينتهي طلب العدل، وبه تُقاس جدوى التحولات. ولا يستند هذا التمركز للإنسان إلى اعتبار وظيفي ضيق، بل إلى رؤية عقدية وإنسانية تستمد أفقها من التصور الإسلامي للإنسان باعتباره كائنا مكرما ومستخلفا، محملا بالأمانة ومؤهلا في أصل خلقته للقيام بوظيفة العمران في الأرض.

وإذا كان المشروع يستمد مرجعيته من الوحي الكريم كتابا وسنة، فإن هذا التأسيس يجد تعبيره العملي في الغاية التي حملتها الرسالة النبوية، كما يتجلى في الخطاب الذي وجهه ربعي بن عامر إلى رستم قائد الفرس: "لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" ، وهو خطاب يكشف عن أفق تحرري يجعل من الإنسان غاية الفعل ومجالا لتجلي معناه، بما يعيد بناء موقعه ودوره.

فالإنسان في هذا التصور هو منطلق التغيير ووسيلته وغايته، إذ يراد له أن يتحرر "من ظلام الكفر، وقتامة النفاق، وقذارة المعصية، وغبش الغفلة عنه المؤدية إلى بؤس الدنيا وعذاب الآخرة"  نحو رحابة العبودية الواعية التي تفضي إلى التحرر الداخلي، بما يؤهله للقيام بوظيفة الاستخلاف وعمارة الأرض.

وتجدر الإشارة إلى أن مركزية الإنسان في مشروع العدل والإحسان، لا تفهم باعتبارها معطى جاهزا أو حالة تلقائية، وإنما بوصفها مشروعا للبناء والتزكية والتوجيه، وهي مركزية لا تقف عند حدود الدفاع عن كرامته أو تأكيد حقوقه، بل تمتد إلى الاشتغال على إعادة تشكيله من الداخل؛ بما يؤهله لوصل القيم بالفعل، والمعنى بالواقع، والإيمان بالعمران.

وعلى هذا الأساس، فإن أي تصور لإصلاح المجتمع أو الدولة أو المجال العام، إذا لم ينطلق من إعادة بناء الإنسان ذاته، يظل تصورا جزئيا ومحدود الأثر، لأن الإنسان هو الذي ينتج المؤسسات ويمنح السياسة مضمونها الأخلاقي أو يفرغها منه، وهو الذي يحول الشعارات إلى واقع أو يعجز عن تجسيدها بحسب مستوى بنائه الداخلي، لذلك يغدو الإنسان في هذا المشروع أصل الفعل الحضاري، ومصدر الفاعلية التاريخية، وشرط كل تحول يراد له أن يكون حقيقيا ومؤسسا، لا مجرد استجابة ظرفية لإكراهات الواقع.

ثانيا ـ شمولية التصور الإنساني بين تزكية الباطن والتحرر المجتمعي

يتميز مشروع العدل والإحسان بأنه لا يختزل الإنسان في بعد واحد، كما تفعل بعض التصورات الاختزالية التي تقارب الإنسان من زاوية الحاجة الاقتصادية وحدها، أو من خلال بعده السياسي فقط، أو باعتباره فاعلا قانونيا وحقوقيا فحسب، بل ينظر إليه في شموليته المركبة.

فالإنسان في هذا التصور كيان متعدد الأبعاد؛ فهو روح وعقل وقلب وضمير وإرادة، وهو في الآن نفسه كائن اجتماعي وتاريخي وأخلاقي، لا يمكن فهم أزمته ولا بناء نهضته إلا من خلال استحضار هذا التكامل بين أبعاده. لذلك فإن أي اختلال يصيبه لا يختزل في جانب واحد، بل يمتد إلى مستوى التصور والسلوك والقيم والنية، كما يشمل علاقته بالله وبالنفس وبالآخر.

مركزية الإنسان في مشروع العدل والإحسان، لا تفهم باعتبارها معطى جاهزا أو حالة تلقائية، وإنما بوصفها مشروعا للبناء والتزكية والتوجيه، وهي مركزية لا تقف عند حدود الدفاع عن كرامته أو تأكيد حقوقه، بل تمتد إلى الاشتغال على إعادة تشكيله من الداخل؛ بما يؤهله لوصل القيم بالفعل، والمعنى بالواقع، والإيمان بالعمران.
وفي هذا الإطار، لا تقف مركزية الإنسان عند حدود الاعتراف النظري بكرامته، بل تتجاوز ذلك إلى ربط التغيير بمسار مزدوج يقوم على بناء الداخل الإنساني من جهة، وتمكينه من شروط التحرر في الواقع من جهة أخرى. فالإشكال لا يرتبط بالبنى السياسية وحدها، بل يمتد إلى ما هو أعمق، إذ إن الاستبداد لا يختزل في كونه بنية مفروضة خارجيا، بل قد يتجلى أيضا في أشكال نفسية وأخلاقية ومعرفية تتسرب إلى الذات، فتنتج الخوف والتبعية والعجز والانكسار الداخلي.

وعلى هذا الأساس، يصبح تحرير الإنسان مشروعا يبدأ من تفكيك هذه البنى الداخلية، من خلال تجاوز قابلية الاستبداد، ومقاومة الخضوع للفساد، وتقوية الإرادة، وإحياء الحس الأخلاقي، وردم الفجوة بين المعرفة والعمل، فيغدو البناء الداخلي مقدمة ضرورية للتحرر المجتمعي، لا مسارا منفصلا عنه.

وفي ضوء ذلك، لا ينظر مشروع العدل والإحسان إلى التغيير بوصفه انتقالا سياسيا محضا أو إعادة توزيع للسلطة أو تعديلا في البنيات المؤسسية، بل بوصفه فعلا حضاريا عميقا يبدأ من تشكيل الإنسان القادر على مقاومة الفساد والاستبداد في مستوياتهما الظاهرة والباطنة، إذ لا يمكن للعدل أن يستقر في المجال العام ما لم يجد سنده في ضمير عادل، ولا يمكن للحرية أن تتجذر ما لم تسندها نفس متحررة من الخوف والخضوع لغير الحق، كما أن الكرامة لا يمكن أن تصان عبر القوانين وحدها إذا ظل الإنسان من الداخل فاقدا لبوصلة المعنى والقيم.
وعليه، فإن شمولية التصور الإنساني في مشروع العدل والإحسان تتجاوز مجرد التنظير، لتتحول إلى قاعدة منهجية تؤسس للفعل التغييري، وتحول دون اختزاله، وتمنحه القدرة على ملامسة الجذور العميقة للأزمة الحضارية.

ثالثا ـ من بناء الإنسان إلى بناء الجماعة وتغيير المجتمع

جدير بالذكر أن مركزية الإنسان في مشروع العدل والإحسان، لا تؤدي إلى نزعة فردية منغلقة، ولا تنتهي إلى تربية الإنسان في عزلة عن هموم المجتمع والأمة والتاريخ، بل تنفتح على أفق جماعي وحضاري أوسع، إذ الإنسان المنخرط ضمن هذا المشروع، لا يربى على أنه غاية مكتفية بذاتها، وإنما باعتباره لبنة في بناء جماعة حاملة للمشروع، وفاعلا في أفق مجتمعي يروم إقامة العدل والكرامة والحرية واستعادة الحقوق المغصوبة، والعدالة المنهوبة. ومن هنا، فإن إصلاح الإنسان لا يقصد لذاته من حيث هو تهذيب فردي مجرد وتزكية محصورة في تسوية النفس وارتقائها، بل يقصد به إعداد الفاعل الذي يستطيع أن يسهم في إصلاح الأمة، وأن يجسد القيم في الواقع، وأن ينقلها من مستوى الوعي الفردي إلى مستوى الفعل الجماعي، "وكل تغيير في السياسية والاقتصاد فإنما هو تبَع لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته وعقيدته وأخلاقه وإرادته، وحركته كلها على الأرض لتكون حركة لها غاية ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ" .

وتأسيسا على ذلك، فإن العلاقة بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع في هذا المشروع علاقة عضوية لا انفصام فيها؛ لأن المجتمع ليس كيانا مجردا منفصلا عن أفراده، بل هو حصيلة ما يحمله الناس من قيم ومعان ومواقف وطرائق في الفهم والتصرف؛ فإذا فسد الإنسان فسد العمران، وإذا استقام في وعيه وقيمه وإرادته، أمكن أن يكون مدخلا لاستقامة المجال العام. ولهذا يربط المشروع بين تربية الإنسان، وبناء الجماعة، وتغيير المجتمع، وإقامة العمران، وتحرير الأمة، وأداء واجب عمارة الأرض، في سيرورة متصلة لا ترى تناقضا بين التزكية والفعل التاريخي، ولا تفصل بين الصلاح الذاتي والمسؤولية المجتمعية.

إن مركزية الإنسان في مشروع العدل والإحسان مركزية حضارية تجعل الإنسان فاعلا في التاريخ، لا مستهلكا للشعارات، وتجعل إصلاحه مدخلا إلى إصلاح الجماعة والأمة، لا محطة نهائية تنغلق عند حدود الذات وتقف عند مجرد صلاح النيات.

ومن هنا تتبدى قوة هذا التصور؛ إذ ينجح في تجاوز طرفين متقابلين: طرف الانشغال بالفرد بمعزل عن قضايا الأمة، وطرف الاشتغال بالشأن العام مع إهمال البناء الإنساني والتربوي، وفي هذا التوازن تتجلى إحدى أهم خصائص المشروع، وهي أنه يجعل من الإنسان محور البناء، لكنه لا يعزله عن المجتمع، بل يهيئه ليكون واسطة بين الإصلاح الذاتي والإصلاح العام. يقول الإمام رحمه الله تعالى: "إن كان مع جند الله الطليعةِ سر تربية الإيمان، وكانوا هم أنفسهم هاجروا تلك الهجرة المعنوية في النيات والجهاد، وأشرفت أرواحهم على مقامات الإحسان، فبوُسعهم أن يدفعوا الأمة، ويتقدموا بها، ويقودوها في هجرتها، من الخرافة، والنفاق في العقيدة، والنفاق الاجتماعي، و"دين الانقياد" للحاكم، والاستقالة من الاهتمام بأمر الأمة، والسكوت والإمساك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكسل عن العمل، واستهلاك ما لا نُنْتِجُ، إلى غير هذا من الأمراض الموروثة عن فتنتنا الداخلية، أو المعدية بواسطة الاستعمار والغزو الثقافي الاقتصادي الحضاري" .

رابعا ـ المرأة الإنسان في التصور التغييري لمشروع العدل والإحسان

لا تستقيم دلالة مركزية الإنسان في مشروع العدل والإحسان إلا إذا استحضرت المرأة بوصفها إنسانا كامل الأهلية في الكرامة والتكليف والمسؤولية، ومكونا بنيويا في صلبه، وأحد التجليات العميقة لمركزية الإنسان نفسه.

إن الحديث عن المرأة وفقا للتصور المنهاجي وضمن مشروع جماعة العدل والإحسان، ليس حديثا عن قضية خاصة منفصلة عن بنية المشروع ولا عنصرا ثانويا أو مجرد موضوع من موضوعات الخطاب، أو هامشا ملحقا بمشروع التربية والتغيير والعمران، بل وجها من وجوهه المؤسسة، وركنا من أركان امتداده التربوي والاجتماعي والحضاري. ولا يفهم حضورها بمنطق التمثيل الشكلي أو الإدماج العرضي أو المطلب السياسوي، أو الاستجابة الشكلية لتحولات الخطاب المعاصر، أو المجاملة الفكرية، إنما بمنطق المسؤولية والمشاركة في حمل أمانة الأمة؛ فهي شريكة في بناء الأسرة، ومساهمة في تربية المجتمع، ومعنية بالفعل الدعوي والتغييري، وهي حاضرة في الجسم التنظيمي للجماعة، في أعلى مستويات تدبير القرار والتشاور في أمور الدعوة والأمة، ومسهمة في مجالات الحياة اجتماعيا ووظيفيا، وحافظة لأسرتها برجها الاستراتيجي؛ تنافح من أجل استقراره، وتنبعث مع شريكها بحب وتكامل لتوطين أوتاده ورعاية أفراده، حتى لا تؤتى أسرتها وأمتها من جهتها.

إن مركزية الإنسان في مشروع العدل والإحسان مركزية حضارية تجعل الإنسان فاعلا في التاريخ، لا مستهلكا للشعارات، وتجعل إصلاحه مدخلا إلى إصلاح الجماعة والأمة، لا محطة نهائية تنغلق عند حدود الذات وتقف عند مجرد صلاح النيات.
ويزداد هذا المعنى عمقا إذا استحضرنا البعد التاريخي في النظر إلى المرأة داخل التجربة الإسلامية؛ إذ إن حضورها وإن لم يكن ثابتا على وتيرة واحدة، فكما عرف لحظات قوة وإشعاع تجلت فيها المرأة فاعلة في العلم والتربية والدعوة والمجتمع، عرف أيضا لحظات انكماش وتراجع بفعل تداخل الديني بالتاريخي، والشرعي بالعرفي، والمبدئي بما راكمته بعض البنيات الاجتماعية والثقافية من صور الاختزال والتهميش.

إن التصور المنهاجي وهو يستشرف المستقبل، ينظر إلى أعالي التاريخ، ويحفز على التشوف للنموذج الصحابي الأمثل الذي كانت المرأة فيه مسهمة في جهود بناء الدولة وتبليغ الدعوة وحفظ حمى الأسرة والدين، لا تمنعها وظيفة الحافظية عن الإسهام الفعلي في واقع الأمة والانخراط في أمورها. ومن هنا يتقدم تصور العدل والإحسان بوصفه محاولة واعية لاستعادة الأصل النبوي في تكريم المرأة وإشراكها في حمل هم الأمة، وردها إلى موقعها الطبيعي داخل مشروع التغيير في إطار تكاملي مع أخيها الرجل، وضمن الولاية الإيمانية العامة بينهما، وبعيدا عن انحرافين متقابلين؛ انحراف الانغلاق الذي يحبسها في الهامش ويعطل طاقتها الرسالية، وانحراف التغريب الذي يفصلها عن مرجعيتها الإيمانية والحضارية، ويعيد تشكيل حضورها خارج منطقها القيمي. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: "كيف تنظر المؤمنة المستيقظة بإيمانها منذ قريب إلى نفسها ومهمتها في العالم الموَّار؟ شخص متواضع ضعيف منشغل بمشاكل الحضيض اليومية، منصرف إلى شأنه الخاص يعاني في صمت؟ أم مؤمنة مرشحة للعضوية في الحركة الإسلامية، وإرادة ماسكة متماسكة مع إرادات المؤمنين والمؤمنات يعنيها مصيرها إلى الله في الآخرة كما يعنيها مصير أمتها؟ تتجاوز همتها الأفق الضيق المحدود الذي رسمه لها تاريخ الإسلام التقليدي، أم تتطلع لاقتحام مجالات جهاد البناء والتغيير حاملة مع الحاملين والحاملات رسالة الإسلام وكلمته إلى العالم؟".

مجمل القول وجماعه؛ تعتبر المرأة في هذا المشروع التجديدي من صانعات التغيير، وذاتا تربَّي وتربِّي، وتبني، وتؤثر، وتسهم في صناعة الوعي الجماعي وحفظ التوازن القيمي داخل المجتمع في استقلالية وخصوصية: "قيادتهن منهن، مبادرتهن منهن، والشورى جامعة" ، ولا يخفى عن عين اللبيب، واقع الممارسة النسائية داخل بناء الجماعة، وانخراط المرأة في مجالات العناية بكتاب الله تعالى حفظا ومدارسة ونشرا لأنوار الوحي في الأمة، والتربية والنصيحة والدعوة والتواصل والأسرة والطفل والعناية بالمرأة تأهيلا وتعليما وتكوينا ورفعا لأنواع الأميات عنها، وتهمما بقضايا الشباب وقضايا الأمة والانخراط في الشأن العام محليا ووطنيا..

إن وجود المرأة في صلب المشروع ينبع من وعي عميق بأن بناء الإنسان، الذي يقوم عليه المشروع كله، لا يمكن أن يكتمل إذا أقصيت المرأة، أو همشت، أو حصرت في أدوار ضيقة، كما ينبع عن قناعة راسخة أن أزمة الأمة، في أحد أعمق وجوهها، هي أزمة إنسان، وأن استعادة المرأة لموقعها الإنساني والرسالي تمثل جزءا من استعادة الأمة لشروط نهوضها، وتوازنها، وفاعليتها التاريخية.
التعليقات (0)

خبر عاجل