في هذا الجزء الثاني من القراءة الفكرية
لمحاضرة "
الاعتقاد بين سلطان البيّنة وحدود
الإرادة.. في إتيقا المعرفة
ومسؤولية التصديق"، ننتقل من عرض الإشكال وتفكيك أطروحاته الكبرى إلى مستوى
أعمق من التحليل، يشتغل على البنية الحجاجية للمحاضرة، ورهاناتها النظرية
والعملية، ثم قيمتها الفلسفية وحدودها وآفاق تطويرها.
وإذا كان الجزء الأول قد انشغل بتحديد معالم
السؤال المركزي المتعلق بعلاقة الإرادة بالاعتقاد، فإن هذا الجزء يسعى إلى تتبّع
كيف بُني هذا السؤال من الداخل، وكيف تم تدبيره حجاجياً ومفاهيمياً، ثم ما الذي
يترتب عليه من نتائج تتجاوز الإطار الإبستمولوجي إلى المجال الأخلاقي والاجتماعي.
إن أهمية هذا الانتقال لا تكمن فقط في
استكمال القراءة، بل في الكشف عن أن المحاضرة لا تُختزل في أطروحة جاهزة بقدر ما
تمثل مشروعاً مفتوحاً، تتداخل فيه طبقات متعددة: تاريخية، ومفهومية، وحجاجية،
وتأويلية. ومن هنا، فإن تحليل بنية المحاضرة ورهاناتها لا يعني مجرد إعادة ترتيب
عناصرها، بل يعني مساءلة منطقها الداخلي، واختبار مدى قدرتها على الصمود أمام
الاعتراضات، ومدى قابليتها للتوسّع في أفق بحثي أرحب.
وعليه، سنعمل في هذا الجزء على تفكيك مفاصل
البناء الحجاجي، ثم الوقوف عند رهانات المحاضرة في علاقتها بإتيقا الاعتقاد وإدارة
الاختلاف، قبل أن ننتقل إلى تقويم قيمتها الفلسفية وحدودها، وصولاً إلى استشراف
ممكنات تطوير هذا الحقل البحثي الذي يتجاوز سؤال "هل نعتقد بإرادتنا؟"
إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نكون مسؤولين عمّا نعتقد؟
خامساً ـ البنية الحجاجية للمحاضرة
تقوم المحاضرة على بناء حجاجي واضح. غير أن
أجوبة المناقشة تكشف أنها ليست بنْية مغلقة، بل بنْية قابلة للاستكمال والتدقيق
الذاتي، مؤسسة على استراتيجية حوارية ماهرة في تشبيك أنساق معرفية متعددة. ويمكن
تحليل مفاصل هذا البناء على النحو الآتي:
1 ـ افتتاح الإشكال بسؤال كلي
تبدأ المحاضرة بسؤال عام: هل للإرادة سلطان
على الاعتقاد؟ هذه البداية تمنح الموضوع شحنة فلسفية مباشرة، لكنها لا تتركه في
مستوى التجريد الخالص، بل تربطه سريعاً بنتائجه الأخلاقية والاجتماعية في العلاقة
بالمختلف. هكذا يكتسب السؤال من البداية توتراً بين النظري والعملي.
2 ـ تأمين أرضية مفهومية
قبل الدخول في النزاع، يميز المحاضر بين
معنيي الاعتقاد، ويعرّف الإرادة ويحدد أن موضوع البحث هو الاعتقاد بصفته حالاً
ذهنية أو فعلاً قصدياً. ثم تأتي المناقشة لتضيف توضيحاً يمنع سوء الفهم؛ فليس
المقصود تمييزَ نوع مخصوص من الاعتقاد، دينياً كان أو غير
ديني، بل
دراسة الاعتقاد
بما هو كذلك. هذا التدقيق زاد البناء الحجاجي صلابة، لأنه رفع التباساً كان يمكن
أن يضعف المجال التطبيقي للمحاضرة.
3 ـ بناء الشرعية التاريخية ـ الفلسفية للسؤال
يستدعَى ابن رشد بوصفه فيلسوفاً اضطر إلى
معالجة المسألة وهو يدافع عن الفلاسفة في مسائل التأويل. ثم تأتي أجوبة المحاضر
لتمنع احتكار ابن رشد لهذا المقام؛ إذ يصرح بأن المسألة أثيرت أيضاً عند
المتكلمين، خصوصاً في سياق وجوب النظر، ويورد مثال الآمدي وأبي هاشم الجبائي.
وهكذا تتسع الحجة التاريخية للمحاضرة؛ فليست المسألة حادثةً عرضية عند ابن رشد، بل
هي ممتدة في الفكر الإسلامي عبر جدل التكليف والنظر والشك والتقليد.
4 ـ توسيع الخريطة الإشكالية
بعد التأصيل، يفتح المحاضر المجال على محاور
أربعة: المعيارية، والتكليف، والإرادة، والدليل. غير أن المناقشة أظهرت أن هذه
المحاور الأربعة نفسها تتفرع إلى أسئلة دقيقة: الفرق بين الاعتقاد والفعل، تفاوت
أهلية النظر، حدّ ترخيص ويلم جيمس، مفهوم البيّنة، إمكان التوسيع الفينومينولوجي،
وموضع العوام في اقتصاد الاعتقاد. وهذا يعني أن البنْية الحجاجية الأصلية للمحاضرة
كانت صالحة لأن تتشعب دون أن تنهدم.
5 ـ عرض مواقف متقابلة
تعرض المحاضرة ثنائيات كليفورد / جيمس،
الإرادوية / اللاإرادوية، لكنها لا تلبث أن تهذبها في المناقشة. فجيمس، مثلاً، لا
يُقدَّم على أنه داعية اعتقاد نفعي بسيط، بل باعتباره مُرخِّصاً استثنائياً في
أوضاع مخصوصة؛ وكليفورد لا يُفهم على أنه يفرض معياراً تجريبياً واحداً، بل على
أنه يطالب ببذل الوسع في تحصيل البيّنة وعدم الصمم المتعمَّد عنها. وبهذا يتبين أن
المحاضرة لا تكتفي بعرض تعارضات مدرسية، بل تسعى إلى تحرير المواقف من صورها
الكاريكاتورية التبسطية.
6 ـ الحسم التركيبي في الخاتمة
لا تنتهي المحاضرة بترجيح اللاإرادوية فقط،
بل بتركيب بين اللاإرادوية وركن البيّنة، مع تقديم النزاهة مفهوماً جامعاً بينهما.
وهذه هي الحركة الحجاجية الأكثر أهمية فيها: فالمحاضر لا يقول إن عدم إرادية
الاعتقاد يُعفينا من الضبط المعياري، بل يقول بالعكس: إن اشتراط البيّنة يقود إلى
اللاإرادوية، وإن اللاإرادوية الصحيحة لا تُفضي إلى الفوضى، بل إلى النزاهة.
وهذا التركيب من أهم نقاط القوة في
المحاضرة؛ لأنه يحول دون أحد انحرافيْن: انحراف أخلاقي يجعل الاعتقاد قراراً
هوائياً محضاً، وانحراف إبستيمي يجعل غياب الإرادة ذريعة لإسقاط كل
مسؤولية.
ثم أضافت الأجوبة اللاحقة طبقة تفسيرية
ثانية: هذا التركيب لا يمنع من الإقرار بحدود البيّنة، ولا من قبول تعدد بعض أنماط
المعقولية، ولا من الاعتراف بأن فهم الحتميات قد يكون نفسه طريقاً إلى حرية أرقى
كما عند اسبينوزا. وهذا ما يجعل الحسم في المحاضرة مفتوحاً، لا قفلاً نهائياً
للنقاش.
سادساً ـ رهانات المحاضرة
لا تقف رهانات المحاضرة عند حدود التنظير
الميتافيزيقي أو الإبستمولوجي، بل تنفتح على رهانات مركبة.
1 ـ رهان التسامح والعدل في الحكم على
المخالف
هذا هو الرهان الأوضح في المحاضرة؛ فحين
يقرر المحاضر، اقتداءً بابن رشد، أن التصديق القائم على الدليل اضطراري لا
اختياري، فهو لا يقوم بمناورة نظرية مجردة، بل يضع أساساً للإنصاف في معاملة
المخالف في مسائل النظر. وبذلك تغدو إتيقا الاعتقاد سدّاً في وجه استسهال التكفير
أو التأثيم أو التخوين لمجرد اختلاف النتائج النظرية.
2 ـ رهان تأسيس الاعتقاد المسؤول
المحاضرة لا تريد فقط أن تقول لنا إن
"الاعتقاد المسؤول" تابع للدليل، بل تريد أن تؤسس نموذجاً للفاعل
المعرفي المسؤول الذي يطلب البيّنة، ولا يعرض عنها، ولا يختبئ داخل الاعتقاد
المحبوب، ولا يساوي بين الرغبة والصدق. وتزداد هذه الفكرة وضوحاً في جواب المحاضر
عن كليفورد، حيث جعل جوهر مطلبه هو بذل الوسع في تحصيل الأدلة، والنزاهة، وبذل
الوسع، لا مجرد ترديد قاعدة صلبة في صورة مجردة.
3 ـ رهان مقاومة
التعسف الإرادوي
هذا الرهان لم يكن ظاهراً بحدة في متن
المحاضرة، لكنه صار شديد الوضوح في الأجوبة التفاعلية مع أسئلة المتدخلين؛ فليس كل
ما يقال في الاعتقاد يجوز نقله آلياً إلى الفعل. وقد كان اسبينوزا، بحسب جواب
المحاضر، واعياً بهذا التفريق حين ميّز بين إباحة التفكير والاعتقاد وبين منع
التحول إلى الفعل الضار. هذا التمييز مهم؛ لأنه يحمي النقاش من خلطين متقابلين:
خلط يجعل كل اعتقاد فعلاً مؤاخذاً عليه في الحال، وخلط يجعل الأفعال تُعفى من
المحاسبة بدعوى أنها مجرد امتدادات لمعتقدات لا إرادية.
4 ـ رهان عقلنة التأويل ودرء الفتنة
يظهر هذا الرهان بوضوح خاص في جواب المحاضر
عن العامة والتقليد، وفي إشارته إلى ما فهمه الجابري من المشروع الرشدي بوصفه
سعياً إلى عقلنة التأويل ودرء الفتنة. وهنا لا تظل إتيقا الاعتقاد مجرد نظرية في
الذهن، بل تغدو نظرية في تدبير مراتب الخطاب وفي من يحق له أن يخوض في ماذا، وبأي
أدوات، وبأي كلفة اجتماعية، مما يحمي العوام من الخوض فيما لم يستجمعوا شرائطه،
ويحمي الفضاء المجتمعي من الاستقطاب الدغمائي.
سابعاً ـ راهنية الموضوع
تنبع راهنية موضوع المحاضرة من أن سؤال
الاعتقاد لم يعد سؤالاً مدرسياً يخص تاريخ الفلسفة أو علم الكلام وحدهما، بل صار
سؤالاً يمسّ بنْية المجال العمومي نفسه، ويقدم مفاتيح لإدارة الفضاء العمومي
والتعددية. غير أن ما يجعل المحاضرة راهنة، في ضوء متنها وتفاعلها معاً، ليس مجرد
تناولها العلاقة بين الاعتقاد والإرادة، بل كونها تنقل النقاش إلى مستوى أكثر دقة:
ما الذي يجعل الاعتقاد نزيهاً؟ وما الذي يجعل الإنسان يرفض الدليل أو يتهرب من
سماعه أو يختبئ في اعتقاد محبوب؟ وقد لمح المحاضر إلى هذا حين رحب بتنبيه أحد
المتدخلِين على التعقيب القرآني حول البيّنة، مشيراً إلى معاني الإعراض عن الدليل
وكتمان الشهادة والتهرب من ملاقاتها. وبهذا يصبح موضوع إتيقا الاعتقاد راهناً لأنه
يلامس بنية العناد والمكابرة والانغلاق المعرفي، لا مجرد التباين النظري بين
الناس، ويقدم مدخلاً فلسفياً ألمعياً لتحرير العقل من الوثوقية العمياء.
نجحت المحاضرة في أن تبرهن، عبر استدعاء ابن رشد أولاً، ثم عبر الإشارات الكلامية لاحقاً، على أن سؤال إتيقا الاعتقاد ليس وافداً مستورداً بكليته من الفلسفة الحديثة، بل له جذور قابلة للاستخراج من التراث نفسه. وإن استحضار المعتزلة والأشاعرة والآمدي يرفع من قيمة هذا التأصيل، لأنه يبيّن أن هذا السؤال لم يكن هامشياً، بل كان متصلاً بمباحث وجوب النظر، وحقيقة الإيمان، وحدود التكليف. وهذه النقطة بالذات مهمة؛ لأنها تمنح الموضوع مشروعية مزدوجة: كونه سؤالاً إنسانياً عاماً، وكونه قابلاً للتمثل من داخل المرجعية والأفق الفلسفي العربي الإسلامي.
كما تزداد راهنية المحاضرة، من جهة ثانية،
لأنها لا تقدم تصوراً أحادياً للبيّنة. فحديث المحاضر عن "العقلانيات
الجهوية" يدل على أن النزاع اليوم لا يدور دائماً بين العقل واللاعقل، بل
كثيراً ما يجري بين أنماط مختلفة من المعقولية، لكل واحد منها مبادئه ومسلماته
وطرائق استدلاله. وهذه الفكرة تجعل المحاضرة ملائمة بصورة خاصة لزمن تتكاثر فيه
الحقول المرجعية: العلمي، والديني، والميتافيزيقي، والسياسي، وتحتد فيه معارك
الشرعية بين من يزعم لنفسه احتكار العقل.
ومن جهة ثالثة، تبدو المحاضرة راهنة لأنها
تعيد إدخال سؤال الأهلية المعرفية في قلب النقاش؛ فليست كل العقول في الموقع نفسه
من النظر، ولا كل المباحث صالحة لأن تُعمَّم على الجميع دون نظر في شروطها
وآثارها. وهذا ما يبرز في معالجة ابن رشد لمسألة العوام والتقليد ودرء الفتنة.
ولئن كان هذا المنظور يثير اليوم أسئلة نقدية مشروعة، فإنه مع ذلك يدل على أن
مشكلة إتيقا الاعتقاد ليست فقط: كيف نصدق؟ بل أيضاً: من يصدق ماذا؟ وبأي أهلية؟
وتحت أي نظام من الوساطة والشهادة؟
ثامناً ـ القيمة الفلسفية للمحاضرة
يمكن إبراز قيمة المحاضرة في مستويات متعددة:
1 ـ قيمة تأصيلية
نجحت المحاضرة في أن تبرهن، عبر استدعاء ابن
رشد أولاً، ثم عبر الإشارات الكلامية لاحقاً، على أن سؤال إتيقا الاعتقاد ليس
وافداً مستورداً بكليته من الفلسفة الحديثة، بل له جذور قابلة للاستخراج من التراث
نفسه. وإن استحضار المعتزلة والأشاعرة والآمدي يرفع من قيمة هذا التأصيل، لأنه
يبيّن أن هذا السؤال لم يكن هامشياً، بل كان متصلاً بمباحث وجوب النظر، وحقيقة
الإيمان، وحدود التكليف. وهذه النقطة بالذات مهمة؛ لأنها تمنح الموضوع مشروعية
مزدوجة: كونه سؤالاً إنسانياً عاماً، وكونه قابلاً للتمثل من داخل المرجعية والأفق
الفلسفي العربي الإسلامي.
2 ـ قيمة تركيبية
جمعت المحاضرة بين ابن رشد، وكليفورد،
وجيمس، وباسكال، وألستون، ثم أضافت في الأجوبة اسبينوزا والآمدي وابن طفيل. وليس
هذا الجمع استعراضاً اسمياً، بل رسم لخريطة واسعة تُظهر أن السؤال موزع بين مدارس
وتقاليد متعددة، وأنه قابل لأن يُقرأ في ضوء المنطق والكلام والأخلاق
والفينومينولوجيا والسياسة.
3 ـ قيمة مفهومية
المحاضرة قوية من حيث ضبطها لمفاهيم
الإرادة، والاعتقاد، والبيّنة، والوضعية الإبستيمية، والنزاهة. ثم جاءت الأجوبة
لتضيف مفاهيم بالغة الأهمية، مثل العقلانيات الجهوية، والتمييز بين الاعتقاد
والفعل، والتفريق الدقيق عند الآمدي بين ابتداء الشك ودوامه، وموقع الشهادة
والتقليد. وهو ثراء مفهومي أهّل المادة إلى مستوى نضجها الملموس.
4 ـ قيمة تربوية ـ فلسفية
المحاضرة، من حيث بناؤها، صالحة لتكوين وعي
فلسفي راشد بالاعتقاد، لأنها تنقل الدارس من السذاجة التي تتصور أن الناس يعتقدون
ما يشاؤون كيفما شاؤوا، إلى فهم أكثر دقة لطبيعة التصديق وعلاقته بالدليل والوضعية
الإبستيمية. إنها تعلم كيف نفكر في الاعتقاد لا من زاوية محتواه فقط، بل من زاوية
مساره وأدبه وشروطه. وهي بذلك تربي على فضائل فكرية مركزية: التثبت، وطلب البيّنة،
وعدم الإعراض عن الدليل، والتمييز بين الإقناع والهوى، وبين الاعتقاد والفعل، وبين
النظر والتقليد.
5 ـ قيمة أخلاقية
أهم قيمة أخلاقية في المحاضرة أنها تقيم صلة
عضوية بين نظرية الاعتقاد وبين العدل في الحكم على الآخرين. فالاعتراف بأن
التصديق، القائم على البيّنة، اضطراري لا اختياري، يضع حداً لنزعات التحامل التي
تُسقط على الاعتقاد منطق الأفعال الإرادية المباشرة.
6 ـ قيمة حوارية
وتأويلية
من أخصب ما في أجوبة المحاضر أنه لم يغلق
المشروع على نفسه، بل فتحه على إمكانات جديدة: قراءة قرآنية ممكنة لإتيقا
الاعتقاد، توسعة فينومينولوجية لسيرورة تشكل المعتقدات، واستثمار قصة "حي بن
يقظان" من جهة العقل الطبيعي والبيّنة. وهذه الانفتاحات تجعل المحاضرة لا
تقدم أطروحة فقط، بل تقدم أيضاً برنامجاً بحثياً ممكناً.
تاسعاً ـ حدود المحاضرة
مع ما للمحاضرة من قيمة واضحة، فإن القراءة
النقدية تكشف أيضاً عن حدود منهجية ونظرية تستحق التنبيه.
1 ـ محدودية تطوير التمييز بين الاعتقاد
والفعل
صحيح أن المحاضر أوضح في المناقشة أن
الانتقال من الاعتقاد إلى الفعل يخرجنا إلى مبحث أخلاق الفعل، غير أن هذا التمييز،
على وجاهته، يظل محتاجاً إلى مزيد من التحليل؛ ذلك أن كثيراً من الاعتقادات لا تظل
خاملة في الذهن، بل تُعدُّ منذ تكوّنها الأول مولِّدةً للاستعدادات والانفعالات
والمواقف التي تتقاطع فيها القناعة الداخلية والممارسة الخارجية بشكل معقد. ومن ثم
فالسؤال النقدي هنا هو: هل يكفي التفريق النظري بين الاعتقاد والفعل، أم ينبغي
بناء منطقة وسطى تدرس كيف يتحول الاعتقاد إلى قابلية عملية قبل أن يصير فعلاً تاماً؟
2 ـ التوتر بين
تعدد العقلانيات ومطلب البيّنة
إضافة "العقلانيات الجهوية" ثرية
للغاية، لكنها تولد صعوبة فلسفية دقيقة؛ فإذا كانت البيّنة تتحدد داخل مجالات
متعددة، فما المعيار الذي يسمح بالمفاضلة بين هذه المجالات أو بالحكم على اعتقاد
ما بأنه نزيه أو غير نزيه خارج نسقه الداخلي؟ هنا تلوح الحاجة إلى مزيد من التفصيل
حتى لا ينقلب تحرير مفهوم البيّنة من الإطلاق إلى نسبية تميّع الحدود بين الاعتقاد
المبرر والاعتقاد المؤدلج، وبخاصة أن التنزيل العملي لمفهوم "البيّنة
المطلقة" يظل بالغ الصعوبة.
3 ـ محدودية الوساطة بين التراث الإسلامي
والنقاش الحديث
نجحت المحاضرة في تأصيل المسألة رشدياً
وكلامياً، لكن هذا التأصيل ظل في مستوى الإشارات المركزة. أما الربط التحقيقي بين
بنية السؤال عند المتكلمين، وبخاصة في مسألة وجوب النظر والشك والتقليد، وبين حقل
إتيقا الاعتقاد الحديث، فما يزال في حاجة إلى دراسة أوسع؛ فالتجاور هنا خصب، لكنه
لم يتحول بعد إلى تحقيق تاريخي - مفهومي "كامل".
4 ـ الحاجة إلى تطوير البعد الفينومينولوجي
أقرّ المحاضر نفسه بأن استحضاره
للفينومينولوجيا اقتصر على القصدية دون تحليل سيرورة تشكُّل الاعتقادات من هذا
المنظور. وهذه نقطة حدودية مهمة؛ لأن كثيراً من إشكالات الاعتقاد لا تتعلق فقط
بلحظة التصديق النهائية، بل بالبنية التجريبية التي يترسب داخلها الاعتقاد ويتقوى
ويقاوم المراجعة. ومن ثم فإن اقتصار المحاضرة على القصدية يمنحها دقة أولية، لكنه
يحرمها من بعض العمق التكويني.
5 ـ التوتر الإشكالي في مسألة العامة
والتقليد
معالجة ابن رشد للعامة، كما شرحها المحاضر،
شديدة الثراء، لكنها تضعنا أمام سؤال نقدي صعب: إذا كان الاعتقاد تابعاً للدليل،
وكان العوام في أكثر أحوالهم يعتمدون على الثقة والشهادة لا على النظر البرهاني،
فكيف تُبنى إتيقا اعتقاد لا تنتهي إلى تأثيم جمهور الناس من حيث لا تشعر؟ هنا يبدو
أن المحاضرة تلمّح إلى المشكلة أكثر مما تحلها، وهو ما يجعل هذا الموضع من أكثر
مواضعها احتياجاً إلى الاستكمال.
6 ـ حدود المقاربة اللاإرادوية أمام ظاهرة
"المكابرة المعرفية"
على الرغم من الوجاهة الفلسفية التي ساقتها
المحاضرة للدفاع عن "اللاإرادوية الاعتقادية"، إلا أن هذه الأطروحة
تواجه حداً حرجاً حين تُعرض على ظاهرة "المكابرة المعرفية" التي أبرزتها
المداخلة المتكئة على النص القرآني؛ فالطرح الذي يرى أن الاعتقاد "انفعال
اضطراري" يستجيب للبيّنة، يقلص من مساحة الإرادة، غير أن النسق القرآني يكشف
أن ثمة جانباً "لا أخلاقياً" يتدخل فيه الإنسان بإرادة مسبقة لتعطيل
فاعلية الدليل. ويتجلى هذا التدخل الإرادي المعطِّل عن "سق إصرار وترصد"
في صور متعددة: كالإعراض المادي عن البيّنة سداً لمنافذ الإدراك ﴿جَعَلُوا
أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، أو كتمان الشهادة وإخفاء الدليل ﴿وَلَا تَكْتُمُوا
الشَّهَادَةَ﴾، وصولاً إلى أقصى درجات الانفصام المعرفي المتمثل في الجحود الظاهري
بما استقر وتيقن في الباطن اضطراراً ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾.
إن هذه المعطيات القرآنية تثبت أن الإرادة
لا تقف مكتوفة الأيدي أمام حتمية التصديق، بل تملك سلطة قمع الدليل أو طمسه، مما
يعني أن اللاإرادوية الإبستيمية تظل ناقصة ما لم تُطعَّم بوعي عميق بسطوة الإرادة
المتعسفة. إن إدماج المحاضرة هذ الحقلَ القرآني في صلب تحليلها من شأنه أن يمنحها
مزيداً من الغنى في تفسير التوتر بين لاإرادية التصديق ومسؤولية الذات عن شروطه
ومسالكه من جهة أنها قد تكون مسؤولة عن تعمدها الإعراض عن البيّنة، أو عن تهربها
من ملاقاة الشاهد، أو عن كتمانها لما ظهر لها، أو عن تسرعها في بناء المواقف على
خبر غير متثبَّت منه.
عاشراً ـ آفاق تطوير البحث
من داخل حدود المحاضرة نفسها، وخصوصاً من
خلال أجوبة المحاضر، يمكن اقتراح آفاق بحثية واعدة، من قبيل:
1 ـ توسيع البحث في الجذور الإسلامية
للمسألة
الإشارات إلى المعتزلة والأشاعرة والآمدي
وابن رشد تفتح باباً واسعاً لبحث مستقل في إتيقا الاعتقاد داخل التراث الإسلامي:
وجوب النظر، قيمة إيمان المقلد، الشك، العذر، الشهادة، وحدود أهلية النظر. وهذا
المسار كفيل بتحويل الإشارات الأولية في المحاضرة إلى حقل دراسي غني.
2 ـ بناء تحليل فينومينولوجي لتشكل الاعتقاد
أشار المحاضر بنفسه إلى أن هذا مجال غني
لتوسيع البحث. ومن شأن هذا المسار أن ينقل الدراسة من سؤال "هل الاعتقاد
إرادي أم لا؟"، إلى سؤال أكثر دقة: كيف يتشكل الاعتقاد عبر التجربة،
والانتباه، والتأويل، والعادة، والانفعال، والعلاقة بالعالم والغير بوصفه فعلاً
قصدياً في سيرورته التكوينية العميقة؟
3 ـ دراسة قرآنية في إيتيقا الاعتقاد
قبول المحاضر للتعقيب المتعلق بآيات البيّنة
والإعراض عنها وكتمان الشهادة يشير إلى أفق بحثي مهم: بناء مدونة قرآنية لمفاهيم
ترتبط بإتيقا الاعتقاد، مثل البيّنة، والشهادة، والريب، والإعراض، والعمى،
والمكابرة المعرفية، والإنصاف، والاتباع. وهذا قد يثمر مشروعاً يجمع بين التفسير
الأخلاقي والإبستمولوجي للنص القرآني.
4 ـ وصل إتيقا الاعتقاد بإتيقا الاختلاف
ما لم يُصرّح به النص إلا لماماً هو أن
إتيقا الاعتقاد يمكن أن تتحول إلى أساس فلسفي متين لإتيقا الاختلاف؛ أي لفهم كيف
يكون الاحترام ممكناً دون نسبية مبتذلة، وكيف يكون طلب الدليل ممكناً دون تعصب،
وكيف يكون نقد الاعتقاد ممكناً دون مصادرة على الضمير.
5 ـ بناء بيداغوجيا للاعتقاد المسؤول
هذا أفق تطبيقي مهم، لأن المحاضرة تملك مادة
غنية يمكن ترجمتها إلى برنامج تربوي لتعليم مهارات التصديق الرشيد: التثبت، تعليق
الحكم، فحص الأدلة، التمييز بين الاقتناع والهوى، إدراك أثر التحيزات، والتعامل
العادل مع المخالف.
6 ـ استثمار قصة
"حي بن يقظان"
جواب المحاضر بشأن القصة يفتح أفقاً متميزاً
لقراءة العلاقة بين العقل الطبيعي والبيّنة والوحي والشهادة. فحي بن يقظان، من حيث
هو عقل منفرد يبلغ الحقائق اعتماداً على النور الطبيعي، يمكن أن يمثل مختبراً
فلسفياً للتفكير في الاعتقاد الذي يتكون من داخل الدليل لا من مجرد النقل. وهذا
أفق خصب للربط بين فلسفة المعرفة والسرد الفلسفي.
خاتمة
تكشف القراءة التحليلية التفكيكية لمحاضرة
شفيق اكريكر، في ضوء متنها الأصلي وأجوبة صاحبها عن أسئلة المتدخلين، أن موضوعها
الظاهر، وهو صلة الإرادة بالاعتقاد، ليس سوى المدخل إلى مشروع أعمق: تأسيس تصور
للاعتقاد المسؤول؛ فالمحاضرة لا تسأل فقط: هل نعتقد بإرادتنا؟ بل تسأل، في العمق:
ما الذي يجعل الاعتقاد نزيهاً؟ وما الذي يجعل الخطأ معذوراً أو غير معذور؟ وكيف
ينبغي أن نفهم المسؤولية حين لا يكون التصديق نفسه فعلاً اختيارياً مباشراً؟
ولأجل ذلك، تبني المحاضرة مسارها على
تمييزات مفهومية دقيقة، وتستثمر الحجة الرشدية في اضطرارية التصديق القائم على
الدليل، ثم توسع النقاش إلى ثنائيات مؤسسة: البيّنة والترخيص، الإرادوية
واللاإرادوية، الخطأ الأخلاقي والخطأ الإبستيمي، التكليف والانفعال. غير أن أجوبة
المناقشة تُظهر أن هذا البناء أخصب مما قد يبدو أولاً؛ إذ تضيف إليه بعداً
سبينوزياً في فهم الحرية، وبعداً كلامياً في تحليل وجوب النظر والشك، وبعداً
تأويلياً في إمكان بناء قراءة قرآنية لإيتيقا الاعتقاد، وبعداً سردياً ـ فلسفياً
من خلال قصة "حي بن يقظان"، وبعداً اجتماعياً في إشكال العامة والتقليد.
ومع ذلك، فإن قيمة المحاضرة لا تعني
اكتمالها النهائي؛ فهي ما تزال محتاجة إلى مزيد من التحليل في بعض المواضع: مفهوم
البيّنة وحدوده، العلاقة الدقيقة بين الاعتقاد والفعل، التوفيق بين تعدد
العقلانيات ومطلب التقويم، وموقع الشهادة والتقليد في اقتصاد الاعتقاد. غير أن هذه
الحدود نفسها ليست عيوباً تقوض المشروع، بل هي، في معظمها، علامات خصب تدل على أن
المحاضرة لم تنغلق على يقينها، بل فتحت مجالاً حياً للبحث.
وبالجملة، يمكن القول إن أهمية هذه المحاضرة
لا ترجع فقط إلى أنها عرضت قضية فلسفية دقيقة، بل إلى أنها أعادت صياغة سؤال بالغ
الإلحاح: كيف يكون الإنسان أميناً في اعتقاده؟ وهذا السؤال، بصيغته هذه، لا يخص
الفيلسوف وحده، بل يخص كل ذات تريد أن تعتقد دون تعصب، وأن تطلب الدليل دون جمود،
وأن تختلف دون ظلم، وأن تعترف بحدودها دون أن تتنازل عن شرف النظر، مؤسسةً في
مسارها هذا لتسامح إبستمولوجي أصيل.
*باحث في فلسفة التواصل وتحلي الخطاب
إقرأ أيضا: الاعتقاد بين سلطان البيّنة وحدود الإرادة.. في إتيقا المعرفة ومسؤولية التصديق (1)