كيف تدير بكين معادلة الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران؟ تقدير استراتيجي

يرجّح التقدير استمرار الصين في نهجها الحالي القائم على الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، ما دامت الحرب ضمن حدودها القائمة، بما يسمح لها بالاستفادة من استنزاف الولايات المتحدة.
يرجّح التقدير استمرار الصين في نهجها الحالي القائم على الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، ما دامت الحرب ضمن حدودها القائمة، بما يسمح لها بالاستفادة من استنزاف الولايات المتحدة.
شارك الخبر
أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات تقديره الاستراتيجي رقم (143)، بقلم محمد مكرم بلعاوي، مقدّماً قراءة معمّقة للسلوك الصيني في ظلّ الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، حيث يكشف التقدير عن شبكة معقّدة من الحسابات التي تجعل من بكين لاعباً حذراً، لكنه قادر على التحوّل إلى فاعل حاسم في لحظات الخطر الاستراتيجي.

ينطلق التقدير من فرضية مركزية مفادها أن الصين لا تتعامل مع هذه الحرب بوصفها أزمة إقليمية فحسب، بل باعتبارها اختباراً مباشراً لمصالحها الحيوية ولموقعها في النظام الدولي، في ظلّ احتدام التنافس مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، تتقاطع ثلاثة محددات رئيسية تحكم السلوك الصيني: أمن الطاقة، والمشاريع الجيوسياسية الكبرى، وصراع القوة مع واشنطن.

الصين تنظر إلى الحرب أيضاً كفرصة استراتيجية لاستنزاف الولايات المتحدة وتشتيت تركيزها بعيداً عن شرق آسيا، بما يخدم طموحها في تسريع الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. ومع ذلك، تضع بكين خطاً أحمر واضحاً يتمثل في منع انهيار النظام الإيراني، لما لذلك من تداعيات عميقة على أمن الطاقة، ومشاريعها الكبرى، وتوازنات النفوذ في آسيا.
ويبرز التقدير المكانة الاستثنائية التي تحتلها إيران في الاستراتيجية الصينية، ليس فقط كمصدر رئيسي للطاقة، بل كركيزة جيوسياسية ضمن مشروع مبادرة الحزام والطريق، حيث تمثّل حلقة وصل حيوية في الممرات البرية التي تسعى بكين من خلالها إلى تقليل اعتمادها على المسارات البحرية الخاضعة للنفوذ الغربي، وعلى رأسها مضيق ملقا. ومن هذا المنطلق، فإن أي تهديد جوهري لاستقرار إيران ينعكس مباشرة على الأمن الطاقوي الصيني وعلى مجمل رؤيتها لإعادة تشكيل خرائط التجارة العالمية.

غير أن هذا الارتباط العميق لا يلغي تعقيدات البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرك فيها الصين. فبكين تحافظ على علاقات اقتصادية متينة مع دول الخليج، كما ترتبط بقنوات تعاون متقدمة مع إسرائيل، ما يفرض عليها انتهاج سياسة توازن دقيقة تقوم على منع سقوط إيران دون الإضرار بشبكة مصالحها الواسعة أو الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، يوضح التقدير أن الصين تعتمد نمطاً من "الدعم غير المباشر"، يتجسّد في استمرار شراء النفط الإيراني، وتفعيل أدوات مالية بديلة مثل نظام الدفع الصيني CIPS بديلاً عن سويفت، بما يسمح بالالتفاف على العقوبات دون تصعيد سياسي علني.

دبلوماسياً، تتحرك الصين بنشاط داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تسعى إلى منع تكريس سوابق قانونية تشرعن الضربات الاستباقية أو تغيير الأنظمة بالقوة، وهي سوابق تخشى بكين أن تُستخدم ضدها مستقبلاً في قضايا حساسة مثل تايوان أو بحر الصين الجنوبي. كما تعمل على تدويل الأزمة عبر أطر متعددة مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، في محاولة لبناء موقف دولي مناهض للعقوبات الأحادية وتعزيز خطاب "الجنوب العالمي".

يكشف هذا التقدير الصادر عن مركز الزيتونة أن الصين تمارس سياسة "الصعود الحذر"، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بهامش واسع للمناورة، قد يدفعها تدريجياً نحو انخراط أعمق إذا ما تجاوزت الحرب سقوفها الحالية، ما يجعل موقفها عاملاً مركزياً في تحديد مآلات الصراع، وربما في إعادة تشكيل النظام الدولي برمّته.
أما على المستوى العملياتي، فيكشف التقدير عن اعتماد الصين نموذجاً للحروب غير المباشرة، يقوم على تقديم دعم تقني واستخباراتي لإيران دون الانخراط العسكري المباشر، بما في ذلك التعاون في مجالات الأمن السيبراني وإتاحة استخدام نظام الملاحة الفضائية بيدو. ويتيح هذا النهج لبكين تحقيق توازن دقيق بين حماية مصالحها الحيوية وتجنّب التصعيد مع واشنطن.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية، يرجّح التقدير استمرار الصين في نهجها الحالي القائم على الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، ما دامت الحرب ضمن حدودها القائمة، بما يسمح لها بالاستفادة من استنزاف الولايات المتحدة. غير أن التصعيد ضد البنية النفطية الإيرانية أو أي محاولة لتغيير النظام قد يدفع بكين إلى رفع مستوى دعمها التقني والاستخباراتي، في حين يبقى الانخراط الاستراتيجي الأوسع ـ بما في ذلك حماية خطوط الطاقة أو تعزيز الحضور البحري في ممرات مثل مضيق هرمز ـ مرهوناً بحدوث تهديد مباشر لإمدادات الطاقة.

ويخلص التقدير إلى أن الصين تنظر إلى الحرب أيضاً كفرصة استراتيجية لاستنزاف الولايات المتحدة وتشتيت تركيزها بعيداً عن شرق آسيا، بما يخدم طموحها في تسريع الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. ومع ذلك، تضع بكين خطاً أحمر واضحاً يتمثل في منع انهيار النظام الإيراني، لما لذلك من تداعيات عميقة على أمن الطاقة، ومشاريعها الكبرى، وتوازنات النفوذ في آسيا.

في المحصلة، يكشف هذا التقدير الصادر عن مركز الزيتونة أن الصين تمارس سياسة "الصعود الحذر"، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بهامش واسع للمناورة، قد يدفعها تدريجياً نحو انخراط أعمق إذا ما تجاوزت الحرب سقوفها الحالية، ما يجعل موقفها عاملاً مركزياً في تحديد مآلات الصراع، وربما في إعادة تشكيل النظام الدولي برمّته.
التعليقات (0)