مشهدٌ عربيٌّ مثقلٌ بأسئلة النهضة والقطيعة،
تتجاذبه دعواتُ التحديث الجذري وحنينٌ ملتبس إلى التراث، أفرز في فضاء الفكر
المغاربي صوتًا مختلفًا؛ صوتًا لا يخاصم العقل ولا يذوب فيه، بل يسعى إلى تقييده
بأفقٍ أخلاقيٍّ أرحب.
في ذلك السياق الذي انشغل فيه محمد عابد
الجابري بتفكيك بنية العقل العربي، واشتغل عبد الله العروي على تشييد سردية
تاريخانية صارمة للحداثة، وفتح هشام جعيط مسارات جديدة في قراءة التاريخ الإسلامي،
كان
طه عبد الرحمن يشقّ لنفسه دربًا أكثر وعورة، وأقل صخبًا، لكنه أشدّ عمقًا من
حيث الرهان.
في المشرق، حيث احتدمت السجالات الفكرية بين
جورج طرابيشي وخصومه، وارتفعت أصوات نقد البنى السياسية والثقافية مع برهان غليون،
بدا المشهد وكأنه ينزاح بثبات نحو عقلنةٍ جذرية، لا ترى في التراث إلا مادةً
للتفكيك أو عبئًا ينبغي تجاوزه. غير أن طه عبد الرحمن اختار موقعًا مغايرًا: لا في
ضفة القطيعة، ولا في ضفة التقديس الساذج، بل في تخومٍ ثالثة، حيث يُعاد بناء
العلاقة بالتراث على أساس الائتمان لا الامتلاك، والتخلق لا الاستهلاك.
الولوج إلى عالم طه ليس أمرًا يسيرًا،
وأعتقد أنه لا يزال كذلك.. فمصطلحاته، المشبعة بنَفَسٍ فلسفيٍّ دقيق، والمطعّمة
بإشاراتٍ صوفيةٍ كثيفة، بدت عسيرة المراس، عصيّة على التلقي السريع. لم تكن
كتاباته تُقرأ بيسر، بل تُقاوِم قارئها، وتطالبه بقدرٍ من المجاهدة الفكرية لا يقل
عن المجاهدة التي يتحدث عنها.
ومع ذلك، ظلّ هذا الخطاب، على وعورته،
موردًا خفيًا للاستئناس، خاصة في لحظات اشتداد السجال مع تياراتٍ تغريبيةٍ دفعت في
اتجاه قطيعة حادة مع التراث، ورأت في استعادته عائقًا أمام التقدم. لم يكن طه
يقدّم ذخيرة جاهزة للمرافعة، لكنه كان يمنح أدواتٍ أعمق: إعادة تعريف العقل نفسه،
وربطه بأفقٍ أخلاقيٍّ يجعل من المعرفة مسؤولية، لا مجرد سلطة.
يطرح طه عبد الرحمن أطروحة لافتة تعيد ترتيب العلاقة بين الوحي والعقل، "الكتاب والحكمة"، لا يكتفي بإعادة تفسير آية قرآنية، بل يقدم مشروعًا فكريًا متكاملاً يسعى إلى تجاوز اختلال عميق أصاب الوعي الإسلامي والإنساني معًا.
تأتي هذه الملاحظات بمناسبة صدور كتابه
الجديد، "الكتاب والحكمة: قرينان لا يفترقان" الذي آمل أن يتيسر لي الاطلاع
عليه وقراءته عن قرب، لما يمثّله من إضافة مرتقبة إلى مشروعه الفكري المتواصل.
فـطه عبد الرحمن، وقد تقدّم به العمر، لا يبدو كمن يكتفي بحصاد مسيرته، بل كمن لا
يزال يحفر في مجرى المعرفة بإصرارٍ نادر، ساعيًا إلى ترسيخ مشروعه القائم على وصل
ما انفصل: ربط المعرفة بالأخلاق، والنظر بالفعل، والعقل بالائتمان. عالمٌ تتسارع
فيه المعارف وتضمر فيه القيم يمنح هذا الصوت، على هدوئه، راهنيةً مضاعفة؛ لأنه لا
يكتفي بوصف الأزمة، بل يقترح إعادة تأسيس العلاقة بالمعرفة من أصلها، بحيث تصبح
فعلًا أخلاقيًا يزكّي الإنسان، لا مجرد أداةٍ يوسّع بها سلطته على العالم.
اليوم، وقد تقدّم به العمر، لا يبدو طه عبد
الرحمن كمن يكتفي بحصاد مسيرته، بل كمن لا يزال يحفر في مجرى المعرفة، بإصرارٍ
نادر، ساعيًا إلى ترسيخ مشروعه الذي يقوم على وصل ما انفصل: ربط المعرفة بالأخلاق،
والنظر بالفعل، والعقل بالائتمان.
الكتاب والحكمة
يطرح طه عبد الرحمن أطروحة لافتة تعيد ترتيب
العلاقة بين الوحي والعقل، "الكتاب والحكمة"، لا يكتفي بإعادة تفسير آية
قرآنية، بل يقدم مشروعًا فكريًا متكاملاً يسعى إلى تجاوز اختلال عميق أصاب الوعي
الإسلامي والإنساني معًا.
وهو لا يقرأ اقتران "الكتاب
والحكمة" بوصفه تلازمًا لغويًا أو تفسيرًا تقليديًا، بل يرفعه إلى مستوى
المبدأ المؤسس. فالكتاب، أي الوحي، لا يكتمل أثره إلا إذا تُرجم إلى حكمة، والحكمة
ليست معرفة نظرية أو تأملًا فلسفيًا، بل هي فعل أخلاقي حيّ يتجسد في السلوك.
بهذا المعنى، ينقلب التصور الشائع للحكمة
رأسًا على عقب. فهي عند طه ليست امتلاكًا للمعرفة، بل تحقق بها، وليست نظرًا
مجردًا، بل التزام عملي. ومن هنا تتأسس فكرته المركزية: لا معنى لقراءة لا تُثمر
تخلقًا، ولا قيمة لحكمة لا تستند إلى هداية.
هذه الأطروحة تضع صاحبها في قلب حوار ممتد
مع تراث فلسفي إسلامي كبير، يتصدره اسما أبو حامد الغزالي وابن رشد. غير أن طه لا
يقف عند حدود الاستئناف، بل يتجاوزهما في اتجاه بناء تصور جديد.
لا تبدو أطروحة طه عبد الرحمن عن "الكتاب والحكمة" مجرد تأمل ديني، بل محاولة لبناء بديل حضاري يعيد الاعتبار للأخلاق بوصفها جوهر الفعل الإنساني. فالأزمة، في منظور طه، ليست أزمة معرفة، بل أزمة توجيه.
فالغزالي، الذي ربط الحكمة بالتجربة
الروحية، انتهى إلى أن اليقين الحق لا يُنال بالعقل وحده، بل عبر نور يُقذف في
القلب بعد مجاهدة النفس. وبذلك، جعل من الحكمة تجربة ذوقية باطنية، عميقة من حيث
أثرها الفردي، لكنها محدودة من حيث قابليتها للتحول إلى مشروع عام.
أما ابن رشد، فقد سلك طريقًا مغايرًا، حين
عرّف الحكمة بأنها الفلسفة ذاتها، أي النظر العقلي البرهاني. ودافع عن انسجام
الشريعة مع العقل، لكنه في المقابل أقرّ نوعًا من التمايز بين مستويات الفهم، ما
أفضى عمليًا إلى فصل منهجي بين الخطاب الديني والخطاب الفلسفي.
في مقابل هذين المسارين، يقترح طه عبد
الرحمن طريقًا ثالثًا. فهو يرفض حصر الحكمة في الذوق الفردي كما عند الغزالي،
ويرفض كذلك فصلها عن الأخلاق كما في القراءة الشائعة لابن رشد. وبدلًا من ذلك،
يؤسس لما يسميه "النظر الائتماني"، حيث الإنسان ليس مالكًا للحقيقة بل
مؤتمنًا عليها، وحيث المعرفة لا تنفصل عن المسؤولية.
ضمن هذا الأفق، تصبح الحكمة ممارسة يومية،
ويتحول العقل إلى فاعل أخلاقي، لا مجرد أداة تحليل. فلا عقل بلا قيمة، ولا معرفة
بلا التزام، ولا فهم بلا امتثال. وهنا يكمن جوهر إعادة الوصل التي يدعو إليها طه:
وصل النص بالفعل، والعلم بالأخلاق، والعقل بالوحي.
ولا يمكن فصل هذه الرؤية عن نقد أوسع يوجهه
طه إلى الحداثة الغربية، التي قامت ـ في نظره ـ على تحرير العقل من كل مرجعية
أخلاقية متجاوزة، ما أدى إلى تضخم ما يسميه "العقل الأداتي". هذا العقل،
الذي نجح في السيطرة على العالم ماديًا، أخفق في توجيه الإنسان أخلاقيًا.
في هذا السياق، لا تبدو أطروحة طه عبد
الرحمن عن "الكتاب والحكمة" مجرد تأمل ديني، بل محاولة لبناء بديل حضاري
يعيد الاعتبار للأخلاق بوصفها جوهر الفعل الإنساني. فالأزمة، في منظور طه، ليست
أزمة معرفة، بل أزمة توجيه.
وعليه، فإن السؤال الذي يطرحه عبد الرحمن
ليس: كيف نفهم النص؟ بل: كيف نصبح به؟ أي كيف يتحول الوحي من موضوع للقراءة إلى
مصدر للتخلق، ومن مادة للتفسير إلى قوة للتغيير.
بين روحانية الغزالي وعقلانية ابن رشد، يفتح
طه عبد الرحمن أفقًا ثالثًا، يجعل من الحكمة التقاءً حيًا بين الوحي والسلوك. وفي
زمن تتزايد فيه الدعوات إلى إعادة بناء المعنى، تبدو هذه الأطروحة محاولة جادة
لاستعادة التوازن المفقود بين ما نعرفه وما نفعله.
فهل ينجح هذا المشروع في تجاوز مأزق العقل
المعاصر، أم يظل دعوة نخبوية في فضاء فكري مأزوم؟ سؤال يظل مفتوحًا، بقدر ما يظل حيث
طه عن "الكتاب والحكمة" دعوة إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالمعرفة
نفسها.