معرض الكتاب في الدوحة يوسّع أسئلته من القراءة إلى صناعة الوعي

منذ انطلاقه عام 1972، تطور المعرض ليصبح واحداً من أبرز الفعاليات الثقافية في العالم العربي، قبل أن يتحول إلى حدث سنوي واسع النطاق يضم مئات دور النشر من عشرات الدول، ويستقطب مئات الآلاف من الزوار.. (قنا)
منذ انطلاقه عام 1972، تطور المعرض ليصبح واحداً من أبرز الفعاليات الثقافية في العالم العربي، قبل أن يتحول إلى حدث سنوي واسع النطاق يضم مئات دور النشر من عشرات الدول، ويستقطب مئات الآلاف من الزوار.. (قنا)
شارك الخبر
يواصل معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين ترسيخ حضوره بوصفه واحداً من أهم الفضاءات الثقافية العربية التي لا تكتفي بعرض الإصدارات، بل تعيد طرح أسئلة المعرفة والهوية وصناعة الوعي. فالدورة الممتدة حتى 23 أيار/مايو الجاري لا تُقاس فقط بأرقامها القياسية من العناوين ودور النشر والدول المشاركة، بل بما تعكسه من تحوّل نوعي في وظيفة المعرض، من سوق للكتاب إلى منصة ثقافية شاملة تتقاطع فيها الندوات الفكرية، والحوارات العلمية، والورش التفاعلية، والإصدارات الجديدة، في مشهد يكرّس الدوحة مركزاً إقليمياً للنقاش الثقافي والمعرفي.

وتكشف فعاليات هذه الدورة عن برنامج ثقافي واسع النطاق يزاوج بين الأسئلة الفكرية الراهنة والتحولات العلمية والتكنولوجية، حيث تتداخل قضايا المثقف العربي، والهوية، واللغة، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المستقبل، مع الاهتمام بالتراث والقراءة والطفولة، في محاولة لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والمعرفة في سياق عربي شديد التعقيد.

أولاً ـ ندوات المسرح الرئيسي.. المثقف والعلم والتحولات الكبرى


شهد المسرح الرئيسي سلسلة من الندوات التي عكست تنوع الاهتمامات الفكرية للمعرض، من أبرزها ندوة بعنوان "المثقف العربي في الأزمات" التي تناولت دور المثقف في فهم الأزمات وتفكيكها، وأهمية امتلاكه أدوات معرفية تتجاوز التحليل التقليدي نحو الفعل الثقافي المؤثر.

كما استضاف المسرح ندوة "منصة قطر تتحدث" التي قدمت قراءة في تطور قطاع الرعاية الصحية، مستعرضة مسارات الانتقال نحو الطب الدقيق وطب المستقبل، في إشارة إلى تداخل الثقافة العلمية مع التحولات المجتمعية الكبرى.

وفي سياق متصل، ناقشت ندوة "الترجمة: جسر بين الثقافات" دور الترجمة في بناء التفاهم الحضاري، بوصفها أداة لإنتاج معرفة عابرة للحدود اللغوية والثقافية.

كما عُقدت جلسة حوار مفتوح مع سعادة الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله بن تركي السبيعي، تناولت قضايا التعليم والثقافة والمناهج، في سياق نقاش أوسع حول دور المؤسسات التعليمية في تشكيل الوعي العام.

ثانياً ـ الصالون الثقافي.. الهوية واللغة وإعادة بناء الوعي


قدّم الصالون الثقافي برنامجاً ثرياً تناول قضايا الهوية واللغة والوعي الثقافي، من أبرزها ندوة "علّموا أولادكم العربية" التي ركزت على مركزية اللغة العربية بوصفها وعاءً للهوية وأداة للتواصل الثقافي.

كما ناقشت ندوة "بناء المعرفة من خلال الثقافة والإعلام" تأثير الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل بنية المعرفة، وإمكانية استثمار هذه التحولات في إنتاج محتوى ثقافي عربي أكثر حضوراً وتأثيراً.

وفي سياق الهوية الثقافية، تناولت ندوة "الخط العربي والهوية الثقافية" جماليات الخط العربي ودوره في حفظ الذاكرة البصرية العربية.

كما قدّم الكاتب محمد عبدالعزيز الهجين محاضرة بعنوان "العيش مرتين: تطواف في عالم السير الذاتية والمذكرات"، تناول فيها تجربة الكتابة الذاتية بوصفها شكلاً من أشكال استعادة الحياة عبر السرد.

وأقيمت كذلك ندوة "الهوية.. صراع أم وئام" التي ناقشت تحولات مفهوم الهوية في ظل التغيرات الثقافية والاجتماعية المعاصرة.

ثالثاً ـ التعليم، الجيل الجديد، والقراءة بوصفها مشروعاً حضارياً


برزت في البرنامج فعاليات تعكس اهتماماً خاصاً بالجيل الجديد، حيث أُقيمت ندوة "جيل يكتب.. جيل ينهض" التي ركزت على تمكين المواهب الشابة ودعمها في دخول عالم الكتابة والإبداع.

كما استضاف المعرض ورشة "كيف نتعامل مع التشتت الذهني" التي تناولت أثر الضوضاء الرقمية على التركيز، وسبل استعادة القدرة على الانتباه في عصر التشتت المعلوماتي.

وفي السياق ذاته، عُرضت مقتطفات من مسرحية "سطر وسطر" التي تروّج لفعل القراءة بوصفه ممارسة حياتية تشمل الكتاب الورقي والرقمي على حد سواء، في رسالة تربط الفن بالتحفيز المعرفي.

رابعاً ـ الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في قلب النقاش الثقافي


حضر الذكاء الاصطناعي بقوة في عدد من الندوات والورش، من بينها ندوة "الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي" التي ناقشت تأثير التقنيات الحديثة على الممارسة الإعلامية وضرورة الوعي النقدي باستخدامها.

كما قدّم الخطاط يوسف سلار ورشة "الأثر الرقمي: نقل جمال الحروف اليدوية إلى العالم الرقمي عبر الذكاء الاصطناعي"، التي جمعت بين الفن التقليدي والتكنولوجيا الحديثة.

وفي إطار متصل، تناولت ندوة "بناء المعرفة من خلال الثقافة والإعلام" التحولات الرقمية بوصفها فرصة لإعادة بناء قواعد معرفية جديدة في العالم العربي.

خامساً ـ العلم والبحث والإصدارات الجديدة


شهد المعرض تدشين عدد من الكتب والدراسات المتخصصة، من بينها كتاب "ثورة الذكاء الاصطناعي في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة" للدكتورة هلا السعيد، الذي يناقش التحولات الإنسانية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي، ودوره في التعليم والرعاية الصحية.

كما جرى تدشين كتاب "متلازمة داون: فهم شامل وتوجيه نحو المستقبل" الذي يقدم قراءة علمية وإنسانية موسعة للموضوع.

وفي المجال الأدبي والتربوي، تم إطلاق كتب مثل "ابتسمي يا سعادة" و"المعلم القائد"، إلى جانب إصدارات قانونية وإدارية وأدبية تعكس تنوع الحراك الثقافي داخل المعرض.

كما احتضن المعرض أعمالاً أدبية جديدة من بينها روايات ودراسات وسير ذاتية، أبرزها أعمال تتناول قضايا اجتماعية وإنسانية من واقع العالم العربي.

سادساً ـ الفضاء التفاعلي.. الشعر، الشباب، والطفولة


تضمن البرنامج الثقافي أمسية شعرية بعنوان "مثايل" شهدت حضوراً أدبياً لافتاً، إلى جانب فعاليات موجهة للأطفال والناشئة ضمن مساحات مخصصة، في مقدمتها "دوحة الطفل"، التي تقدم أنشطة تفاعلية ومسرحاً خاصاً.

كما أطلق المعرض مبادرات تستهدف المدارس والطلبة، بهدف تعزيز ثقافة القراءة خارج الفضاء التقليدي للمعرض، وتحويل الكتاب إلى جزء من الحياة اليومية للجيل الجديد.

سابعاً ـ من معرض للكتاب إلى منصة لصناعة المعرفة


تُظهر الدورة الخامسة والثلاثون من معرض الدوحة الدولي للكتاب تحوّلاً واضحاً في فلسفة المعرض، من حدث تجاري ثقافي إلى منصة إنتاج معرفي، حيث تتقاطع فيه أسئلة التنمية الثقافية مع التحولات التكنولوجية والهوية واللغة والتعليم.

ومنذ انطلاقه عام 1972، تطور المعرض ليصبح واحداً من أبرز الفعاليات الثقافية في العالم العربي، قبل أن يتحول إلى حدث سنوي واسع النطاق يضم مئات دور النشر من عشرات الدول، ويستقطب مئات الآلاف من الزوار.

بين الندوات الفكرية، والحوارات العلمية، والورش التفاعلية، والإصدارات الجديدة، يبدو معرض الدوحة الدولي للكتاب في هذه الدورة أقرب إلى مختبر ثقافي مفتوح يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة، في زمن تتسارع فيه الأسئلة أكثر من الإجابات، وتزداد فيه الحاجة إلى فضاءات قادرة على إنتاج المعنى لا استهلاكه فقط.
التعليقات (0)