نزع استعمار العقل.. كيف تعيد النخب التونسية مساءلة الدولة والحداثة والدين؟

يتشكل بهدوء نقاش أعمق وأكثر جذرية داخل بعض الأوساط الفكرية والأكاديمية: ماذا لو كانت الأزمة الحقيقية كامنة أيضا في الطريقة التي نفكر بها في أنفسنا وفي العالم من حولنا؟
يتشكل بهدوء نقاش أعمق وأكثر جذرية داخل بعض الأوساط الفكرية والأكاديمية: ماذا لو كانت الأزمة الحقيقية كامنة أيضا في الطريقة التي نفكر بها في أنفسنا وفي العالم من حولنا؟
شارك الخبر
لم تعد الأسئلة الكبرى التي تشغل الساحة التونسية تُختزل في معطيات الاقتصاد أو تعثر المسارات السياسية أو حتى في تعاقب الأزمات الحكومية، بل باتت تمتد تدريجياً إلى طبقات أعمق وأكثر تعقيداً تتصل ببنية التفكير نفسها وبالمرجعيات التي تُبنى عليها تصوراتنا للدولة والمجتمع والدين والحداثة.

ففي لحظة تاريخية تتداخل فيها خيبات الانتقال الديمقراطي مع تصاعد الاستقطاب السياسي وتراجع الثقة في الفضاء العام، يظهر نقاش هادئ داخل بعض الدوائر الفكرية والأكاديمية حول سؤال أكثر جذرية: هل تكمن الأزمة أيضاً في “العقل” الذي نفكر به، وفي المفاهيم التي ورثناها دون مساءلة كافية عن سياقات تشكلها وحدودها؟

هذا السؤال كان في صلب النقاش الذي أثارته الحلقة الثالثة من سمينار "السياسي والديني في الفضاء العمومي: مقاربة على ضوء فلسفات ما بعد الحداثة والتيارات الديكولونيالية"، الذي نظمه "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" بإشراف الدكتور مهدي مبروك، في إطار سلسلة من اللقاءات التي تحاول إعادة فتح النقاش حول العلاقة بين الدين والسياسة خارج القوالب التقليدية. وقد خُصصت هذه الحلقة لقراءة كتاب "نزع استعمار العقل" للأستاذ صالح مصباح، وأدارها الباحث قاسم الغربي، في سياق أكاديمي يتجاوز القراءة التقنية للنص إلى مساءلة أسئلته الفكرية العميقة.

ومن خلال عنوان الندوة ومضامينها، يتضح أن الأمر لا يتعلق بمجرد تمرين أكاديمي داخلي، بل بمحاولة للاقتراب من إحدى أكثر الإشكاليات حساسية في السياق التونسي والعربي عموماً: كيف يمكن إعادة بناء التفكير في الدولة والدين والحداثة خارج التصورات الجاهزة التي تشكلت في ظل التجربة الاستعمارية وما بعدها؟ هنا تبرز أطروحة "نزع استعمار العقل" بوصفها محاولة لتوسيع دائرة النقد، بحيث لا يقتصر على البنية السياسية أو الاقتصادية، بل يمتد إلى البنية المعرفية التي تحدد ما نعتبره بديهياً وطبيعياً وعقلانياً.

وفي هذا الإطار، تندرج المقاربات الديكولونيالية التي باتت تحضر بقوة في النقاشات الأكاديمية المعاصرة، خاصة في فضاءات الجنوب العالمي، حيث لم يعد النقد موجهاً فقط إلى الاستعمار كحدث تاريخي انتهى، بل إلى آثاره الممتدة في اللغة والمعرفة والتعليم والنظريات السياسية، وحتى في تمثلات النخب لذواتها ولمجتمعاتها. فوفق هذا المنظور، لا يغادر الاستعمار العالم بمجرد انتهاء السيطرة العسكرية، بل يواصل حضوره بصيغ أكثر خفاء داخل أنساق التفكير وإنتاج المعنى.

وتكتسب هذه النقاشات في السياق التونسي راهنيتها الخاصة، لأنها تأتي بعد أكثر من عقد على الثورة، وفي ظل تجربة سياسية اتسمت باستقطاب حاد بين مشاريع فكرية وسياسية متقابلة، وُصفت أحياناً بأنها صراع بين "الحداثة" و"المرجعية الإسلامية". غير أن هذا الجدل، الذي بدا طويلاً وكأنه خلاف سياسي مباشر، بدأ يُعاد النظر فيه اليوم من زاوية أعمق: هل كانت هذه المشاريع المتقابلة تتحرك فعلياً داخل الإطار الفكري نفسه الذي أنتجته الحداثة الغربية، حتى وهي تتوهم القطيعة معه؟

ومن هذا المنظور، لا تقدم الندوة نفسها بوصفها دعوة إلى رفض الحداثة أو الانكفاء على الماضي، بل باعتبارها محاولة لإعادة مساءلة شروطها وحدودها، وطرح سؤال البدائل الممكنة في سياق غير أوروبي، حيث تتشابك الديناميات الثقافية والتاريخية بشكل أكثر تعقيداً. وتبرز هنا إشكالية "الفضاء العمومي" بوصفه مجالاً مشتركاً لصياغة التعايش بين المختلفين، وما إذا كان يستقيم على أساس إقصاء الدين بالكامل باسم الحياد، أم أن التجارب العربية والإسلامية تحتاج إلى نماذج أكثر تركيباً من الاستنساخ الحرفي للنموذج العلماني الغربي، خاصة في صيغته اليعقوبية الفرنسية.

إن أهمية هذا النقاش لا تنبع فقط من طابعه النظري، بل من ارتباطه المباشر بحالة الإرباك السياسي والاجتماعي التي تعيشها تونس، حيث تتراجع الثقة في المؤسسات السياسية، وتتآكل السرديات الجامعة، وتتزايد الحاجة إلى إعادة التفكير في الأسس الرمزية والمعرفية للدولة والمجتمع. وهنا يتبدى أن الأزمة لم تعد أزمة سياسات فقط، بل أيضاً أزمة معنى وخيال سياسي وقدرة على إنتاج سردية مشتركة.



وبالنظر إلى أهمية الموضوع وراهنيته الفكرية والسياسية، ننقل هنا نصاً تقييمياً كتبه الإعلامي الأونسي محمد الحمروني، الذي حضر الندوة، ونشره على صفحته على منصة فيسبوك، بوصفه شهادة مباشرة تقارب أبعاد هذا النقاش من داخل الفضاء الذي شهد تفاعلاته.

"كيف تحاول النخب التونسية إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الدولة والدين والحداثة؟

لم تعد الأزمة التونسية تُختزل فقط في نسب النمو الضعيفة أو تعثر الانتقال الديمقراطي أو الصراع المفتوح حول السلطة.. فخلف هذا الضجيج السياسي اليومي، يتشكل بهدوء نقاش أعمق وأكثر جذرية داخل بعض الأوساط الفكرية والأكاديمية: ماذا لو كانت الأزمة الحقيقية كامنة أيضا في الطريقة التي نفكر بها في أنفسنا وفي العالم من حولنا؟

هذا السؤال كان حاضرا بقوة في الحلقة الثالثة من سمينار "السياسي والديني في الفضاء العمومي: مقاربة على ضوء فلسفات ما بعد الحداثة والتيارات الديكولونيالية"، الذي نظمه يوم الجمعة الماضي "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" بإشراف الدكتور مهدي مبروك رئيس المركز.

الحلقة خُصصت لقراءة كتاب "نزع استعمار العقل" لللأستاذ صالح مصباح، استاذ الفلسفة الحديثة والفلسفة السياسية والاجتماعية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، وأدارها الباحث المتميز قاسم الغربي.

ومن عنوان الندوة، بدا واضحا أن الأمر لا يتعلق بمجرد لقاء أكاديمي مغلق أو قراءة تقنية لكتاب فلسفي، بل بمحاولة ملامسة واحدة من أكثر الأسئلة حساسية اليوم في تونس والعالم العربي: هل يمكن بناء علاقة جديدة بين الدين والسياسة والحداثة خارج القوالب الجاهزة التي ورثناها عن المستعمر  الغربي؟

ومن البداية يتضح ان مفهوم "نزع استعمار العقل" يتحرك داخل فكرة أساسية تقول إن الاستعمار لم يكن فقط احتلالا للأرض والثروات، بل كان أيضا ااحتلال للعقل والخيال والمعرفة.

فشروط الهيمنة الاستعمارية لا تستمر فقط عبر الاقتصاد أو السياسة، بل أيضا عبر فرض طريقة معينة لفهم العالم وتحديد ما هو العقلاني؟ ما هو التقدم؟ ما هو التخلف؟ ما هي الدولة الحديثة؟ وما الشكل المقبول للدين داخل المجال العام؟

هنا تحديدا تدخل المقاربات الديكولونيالية، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة حاضرة بقوة داخل الجامعات ومراكز البحث في العالم، وخاصة في فضاءات المستعمرات السابقة مثل المغرب العربي وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.

هذه المقاربات لا تكتفي بنقد الاستعمار بوصفه حدثا تاريخيا انتهى بخروج الجيوش، بل ترى أن الاستعمار يواصل العيش فينا عبر اللغة والمناهج التعليمية والنظريات السياسية والنخب التي عادة ما توصف بالاستيلاب، وحتى داخل صورة الشعوب عن نفسها وهي صورة حاول تشكيلها المستعمر نفسه.

ولعل أكثر ما يمنح هذا النقاش اهمية في السياق التونسي هو أنه يأتي بعد أكثر من عقد على الثورة، وبعد سنوات طويلة من الاستقطاب الحاد بين ما سُمّي بـ"المشروع الحداثي" و"المشروع الإسلامي".

 فالنقاش الذي بدا لسنوات وكأنه صراع سياسي مباشر، أخذ يتحول تدريجيا إلى سؤال فلسفي أعمق:  هل كانت النخب المتصارعة تتحرك جميعها داخل نفس الإطار الفكري الذي صاغته الحداثة الغربية أصلا، حتى وهي تعتقد أنها تختلف جذريا؟

في هذا السياق، لا تبدو الندوة وكأنها تدافع عن رفض الحداثة أو العودة إلى الماضي، بقدر ما تحاول مساءلة فكرة أساسية وهي: هل أن النموذج الغربي هو الطريق الوحيد الممكن لفهم الدولة والدين والمجتمع..

ومن هنا تطرح قضية "الفضاء العمومي" بما هو مشترك بين الجميع، أي المجال الذي يلتقي داخله المختلفون سياسيا وثقافيا ودينيا.. وهل يجب أن يُقصى الدين تماما من هذا الفضاء حتى يكون ديمقراطيا (علمنة الفضاء العام)؟  أم أن التجارب العربية والإسلامية تحتاج إلى صيغ أكثر تعقيدا وتركيبا من مجرد استنساخ النموذج الأوروبي للعَلمانية خاصة إذا كانت علمانية يعقوبية على الطريقة الفرنسية؟

هذه الأسئلة لم تعد اليوم مجرد ترف فكري، لأنها ترتبط مباشرة بما تعيشه بلادنا من ارباك منذ سنوات تمثل أساسا في تراجع الثقة في السياسة واهتزاز صورة الدولة وصعود الشعبوية..

وربما لهذا السبب تحديدا يكتسب هذا النوع من الندوات أهمية خاصة.. فهو يكشف أن جزءا من النخبة في بلادنا بدأ يشعر بأن الأزمة لم تعد فقط أزمة حكم، بل أيضا أزمة معنى، وأزمة خيال سياسي، وأزمة قدرة على إنتاج سردية جماعية جديدة تمنح المجتمع أفقا مشتركا.

فبعد عقود كان فيها سؤال التنمية هو العنوان الأكبر، ثم سنوات أصبحت فيها الديمقراطية هي الشعار المركزي، يبدو أن البلاد دخلت اليوم مرحلة أكثر تعقيدا.. مرحلة إعادة التفكير في المفاهيم نفسها التي بُنيت عليها الدولة الحديثة، من الهوية إلى السيادة، ومن الحداثة إلى الحرية، ومن الدين إلى مفهوم العيش المشترك.

لهذا لم تكن الندوة مجرد نقاش فلسفي معزول عن الواقع، بل بدت أقرب إلى محاولة لفهم ما يحدث في العمق التونسي اليوم: لماذا تعثر حلمنا الكبير بالديمقراطية؟ ولماذا يشعر كثيرون أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير حكومات أو تعديل جملة من القوانين؟

في النهاية، لعل الفكرة الأكثر قوة التي يطرحها هذا المسار الفكري هي أن تحرير المجتمعات لا يبدأ فقط بتحرير الأرض أو المؤسسات... بل أيضا بتحرير القدرة على التفكير خارج القوالب الجاهزة الموروثة عن المستعمر..

فربما كانت المعركة الأهم، كما يوحي بذلك عنوان الندوة، ليست فقط مع الاستعمار بوصفه تاريخا مضى، بل مع آثاره التي ما تزال تسكن اللغة والعقل والخيال حتى اليوم".


التعليقات (0)