جدل عربي حول إيران.. بين منطق الجغرافيا وأثقال التاريخ

هذا السجال الفكري يعكس في عمقه إشكالية أوسع في التفكير السياسي العربي، تتعلق بكيفية تعريف التهديدات وترتيب الأولويات في بيئة إقليمية معقدة. عربي21
هذا السجال الفكري يعكس في عمقه إشكالية أوسع في التفكير السياسي العربي، تتعلق بكيفية تعريف التهديدات وترتيب الأولويات في بيئة إقليمية معقدة. عربي21
شارك الخبر
تبادل وزير الخارجية التونسي الأسبق الدكتور رفيق عبد السلام والدكتور محمد المختار الشنقيطي والباحث في مركز الجزيرة للدراسات الدكتور لقاء مكي رؤيتين متمايزتين، تتقاطعان في الحرص على قراءة الواقع السياسي بعمق، لكنهما تختلفان في تحديد طبيعة التهديد وأولويات التعامل معه.

ينطلق عبد السلام من مقاربة سياسية براغماتية، ترى أن أخطر ما يواجه صانع القرار هو خلط الاعتبارات الشخصية والعاطفية بالخيارات الاستراتيجية، مشددًا على أن السياسة، في جوهرها، ليست ساحة لتصفية الجراح، بل مجال لترتيب الأولويات وفق معطيات الواقع وإكراهات الجغرافيا السياسية. وفي هذا السياق، يرفض ما يسميه سردية "التماثل" بين الخصوم، معتبرًا أن الدول لا يمكنها خوض صراعات متعددة في آن واحد، وأن تحديد "الخطر الأول" هو المدخل الضروري لأي سياسة عقلانية.

ويستحضر عبد السلام في تحليله سوابق تاريخية من العلاقات الدولية، حيث تحالفت قوى متناقضة لمواجهة تهديد أكبر، مستندًا إلى مفهوم "اختيار أهون الشرين" الذي يجد جذوره في التراث السياسي الإسلامي، كما عند ابن تيمية. ويضيف إلى ذلك بُعدًا جغرافيًا حاسمًا، مؤكدًا أن إيران، بحكم كونها جارًا دائمًا، تفرض نفسها كمعطى لا يمكن تجاوزه، وأن التعامل معها ينبغي أن ينطلق من منطق التعايش وتوازن المصالح، لا من منطق القطيعة أو التصعيد.

وفي هذا الإطار، يلتقي هذا الطرح مع رؤية عدد من المفكرين العرب، من بينهم الدكتور محمد مختار الشنقيطي، الذي يرفض المقاربة التي تضع إيران وإسرائيل في خانة واحدة، معتبرًا أن هذا الطرح يعكس "كسلًا عقليًا وشللًا إدراكيًا".

ويؤكد الشنقيطي أن إيران، رغم الخلافات معها، تظل "جارًا دائمًا وجزءًا أصيلًا من أمة الإسلام"، ما يفرض التعامل معها ضمن منطق الجغرافيا والتاريخ والتعايش طويل الأمد، حتى في حالات التوتر أو العداء المؤقت. وفي المقابل، يميز بين هذا الطابع المركب للعلاقة مع إيران، وبين طبيعة الصراع مع إسرائيل التي يصفها بأنها "عدو وجودي دائم"، معتبرًا أن المقارنة بين الطرفين تمثل خللًا في ترتيب الأولويات، وتفتقر إلى ما يسميه "الذكاء السياقي" في قراءة التحديات.



في المقابل، يقدم لقاء مكي قراءة تاريخية نقدية أكثر تشددًا تجاه الدور الإيراني، رافضًا اختزال الموقف منها في ردود فعل عاطفية، ومؤكدًا أن تقييمه يستند إلى تتبع طويل لسلوك الدولة الإيرانية، سواء في عهد الشاه أو بعد الثورة. ويرى أن إيران، في مختلف مراحلها، تعاملت مع المجال العربي باعتباره امتدادًا حيويًا لأمنها القومي، ما دفعها إلى انتهاج سياسات اختراق وتأثير عميقة في بنية الدول العربية.

ويستعرض مكي محطات مفصلية في هذا السياق، بدءًا من مرحلة "تصدير الثورة"، مرورًا بالدور الإيراني في العراق بعد 2003، وصولًا إلى التدخل في سوريا ولبنان، معتبرًا أن هذه السياسات أسهمت في تفكيك بنى الدولة العربية وإعادة تشكيلها على أسس طائفية وسياسية هشة. ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يرى أن هذا المسار ساهم في تحويل بوصلة الصراع داخل المنطقة من مواجهة إسرائيل إلى صراعات داخلية، أضعفت الموقف العربي وأعادت ترتيب أولويات الإقليم بشكل جذري.

ويطرح مكي تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين إيران وإسرائيل، مشيرًا إلى غياب المواجهة المباشرة بين الطرفين لعقود طويلة، مقابل اعتماد طهران على أدوات غير مباشرة عبر وكلاء إقليميين. ويرى أن التحول الأخير في طبيعة الاشتباك بين الجانبين لم يكن نتيجة خيار إيراني بقدر ما فرضته تطورات ميدانية، ما يعكس، في نظره، حدود الاستراتيجية الإيرانية التقليدية في إدارة الصراع.



هذا السجال الفكري يعكس في عمقه إشكالية أوسع في التفكير السياسي العربي، تتعلق بكيفية تعريف التهديدات وترتيب الأولويات في بيئة إقليمية معقدة. فبين من يركز على منطق الجغرافيا السياسية وضرورات التعايش مع القوى الإقليمية الكبرى، ومن يستند إلى قراءة تاريخية لسلوك هذه القوى وتأثيرها على استقرار الدول العربية، تتشكل مساحة جدل ضرورية لفهم الواقع، لكنها تكشف أيضًا عن غياب رؤية عربية موحدة قادرة على صياغة استراتيجية متماسكة تجاه التحديات الإقليمية.

وفي ظل هذا التباين، يبدو أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بتقييم إيران، بل بكيفية بناء السياسة العربية نفسها: هل تقوم على البراغماتية وتوازن المصالح، أم على قراءة تاريخية للصراعات ومآلاتها؟ وبين هذين المنهجين، يستمر النقاش، بوصفه أحد مظاهر الحيوية الفكرية، ومحاولة لفهم موقع العالم العربي في خريطة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.
التعليقات (0)