الشنقيطي: العالم يعيش نهاية الهيمنة الأمريكية وبداية نظام متعدد الأقطاب

اعتبر الشنقيطي أن عملية "طوفان الأقصى" شكّلت نقطة انعطاف كبرى في الوعي السياسي والاستراتيجي العالمي..
اعتبر الشنقيطي أن عملية "طوفان الأقصى" شكّلت نقطة انعطاف كبرى في الوعي السياسي والاستراتيجي العالمي..
شارك الخبر
قدّم الأكاديمي والمفكر الدكتور محمد مختار الشنقيطي، خلال ندوة فكرية احتضنتها نواكشوط ونظمها كل من المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية والمركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، قراءة جيوسياسية واسعة للتحولات الدولية الراهنة، اعتبر فيها أن ما بعد عملية "طوفان الأقصى" ليس كما قبلها، وأن المنطقة والعالم يعيشان مخاض نظام دولي جديد تتداخل فيه الجغرافيا بالقوة والتكنولوجيا والسياسة.

وشارك في الندوة كل من الدكتور محمد المختار ولد مليل والدكتور عبد الله بيان كمعلقين، حيث تفاعلا مع أطروحات الشنقيطي التي ركّزت على البعد الجغرافي في تفسير الصراعات الدولية، وعلى تراجع أنماط الهيمنة التقليدية أمام تحولات عسكرية وتكنولوجية واقتصادية متسارعة.
"“طوفان الأقصى" كزلزال استراتيجي

في مستهل مداخلته، اعتبر الشنقيطي أن عملية "طوفان الأقصى" شكّلت نقطة انعطاف كبرى في الوعي السياسي والاستراتيجي العالمي، مؤكداً أنها "هزّت البنى الثقافية والسياسية والاستراتيجية" في المنطقة، وأعادت تشكيل طريقة النظر إلى توازنات القوة في الشرق الأوسط.

وأضاف أن ما يجري اليوم في الخليج والمنطقة الأوسع يعكس تحولاً عميقاً في بنية النظامين الإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن المنطقة التي تمتد بين البر والبحر وتتحكم في أهم “المضايق العالمية” باتت في قلب الصراع الجيوسياسي العالمي.

الجغرافيا كقيد حاكم على السياسة


ركز الشنقيطي على مركزية الجغرافيا في تشكيل المصائر السياسية للدول، معتبراً أن "السياسة الرصينة يجب أن تُبنى على معطى الجغرافيا"، لأن الجغرافيا ـ على حد تعبيره ـ "لا ترحم ولا يمكن القفز عليها".

وفي هذا السياق، وصف دول الخليج بأنها "سجينة الجغرافيا"، مشبهاً المنطقة بـ "قارورة ذات عنق ضيق" يتمثل في مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً للطاقة والتجارة العالمية.

وأشار إلى أن الاعتماد البنيوي لدول الخليج على هذا الممر البحري يجعلها عرضة لمعادلات القوة الإقليمية والدولية، معتبراً أن أي اضطراب في هذه النقطة الجغرافية الحساسة ينعكس مباشرة على استقرار المنطقة والعالم.

مضيق هرمز: مركز الثقل في الصراع


في تحليله لمعادلات القوة، اعتبر الشنقيطي أن أحد أبرز تداعيات الصراعات الأخيرة هو تصاعد أهمية مضيق هرمز، مشيراً إلى أن الفراغ الجيوسياسي في بعض دول المنطقة، خصوصاً بعد "تهشيم الدولة العراقية"، ساهم في تعزيز قدرة قوى إقليمية مثل إيران على التأثير في هذا الممر الاستراتيجي.

كما لفت إلى أن دول الخليج تبحث عن بدائل استراتيجية لتقليل الاعتماد على المضيق، عبر مشاريع أنابيب وخيارات برية وبحرية بديلة تمتد نحو البحر الأحمر أو البحر المتوسط، إلا أنه وصف هذه البدائل بأنها “حلول تنفس اصطناعي” لا ترقى إلى مستوى تجاوز المعادلة الجغرافية الحاكمة.

من المخانق إلى السيطرة الإمبراطورية


استعاد الشنقيطي في مداخلته مفهوم "المخانق" الذي استخدمه البريطانيون للإشارة إلى المضايق البحرية الحيوية، مبرزاً كيف مكّن التحكم في نقاط جغرافية محدودة مثل جبل طارق وقناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز ومضيق ملقا، الإمبراطورية البريطانية من بسط نفوذها على ثلاث قارات.

واعتبر أن هذا النمط من السيطرة ورثته الولايات المتحدة لاحقاً، عبر توظيف القوة البحرية والجوية والتحكم في الممرات الاستراتيجية، قبل أن تبدأ هذه المنظومة بالتآكل في ظل التحولات الراهنة.

نهاية احتكار القوة والسلاح


وفي بعد آخر من تحليله، أشار الشنقيطي إلى أن النظام الدولي يشهد تحولاً عميقاً بفعل ما وصفه بـ"ديمقراطية السلاح"، حيث لم يعد احتكار القوة أو الإعلام ممكناً كما في السابق، في ظل انتشار التكنولوجيا العسكرية الرخيصة وتنامي قدرات الفاعلين من غير الدول الكبرى.

واعتبر أن صعود قوى إقليمية مثل تركيا وإيران، وتداخلها في المعادلات الدولية، يعكس نهاية مرحلة الأحادية القطبية وبداية تشكل نظام أكثر تعقيداً وتعددية.

أفول الهيمنة الأمريكية وصعود الصين


على المستوى العالمي، رأى الشنقيطي أن العالم يتجه نحو مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية، مع صعود الصين كقوة كبرى تتقدم ببطء ولكن بثبات، على حد تعبيره، مقارنة بإيقاع التحولات السريع في النظام الأمريكي.

ووصف الصين بأنها قوة "تستفيد من استنزاف خصومها"، مشيراً إلى أن النظام الدولي قد يتجه نحو أحد ثلاثة مسارات: قطبية ثنائية بين الصين والولايات المتحدة، أو تعددية قطبية تضم قوى كبرى متعددة، أو حالة من الفوضى الدولية شبيهة بفترة ما بين الحربين العالميتين.

تداعيات على العالم العربي والمغرب الكبير


وفي ما يتعلق بالعالم العربي والمغرب الكبير، أشار الشنقيطي إلى أن التحولات الجيوسياسية الراهنة تفتح فرصاً وتحديات في آن واحد، خصوصاً في مجالات الطاقة والبحث عن بدائل للممرات البحرية التقليدية.

واعتبر أن دولاً مثل الجزائر وموريتانيا يمكن أن تستفيد من التوجه العالمي نحو تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية، في حين حذر من أن الصراعات الدولية قد تزيد من هشاشة بعض مناطق الساحل الإفريقي.

نهاية نظام وبداية آخر


واختتم الشنقيطي مداخلته بالتأكيد على أن العالم يعيش "نهاية نظام إقليمي قديم وبداية آخر جديد"، تتراجع فيه المؤسسات التقليدية مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي أمام تشكل تحالفات وكتل جديدة أكثر مرونة وتعقيداً.

وأشار إلى أن العالم يتجه نحو "قطبية سائلة" غير مستقرة، تتداخل فيها القوى الصاعدة والكبرى، في ظل تراجع واضح في هيمنة الغرب، وتزايد دور الفاعلين الإقليميين والدوليين غير التقليديين.


التعليقات (0)