شمال الصومال وجنوب اليمن.. الاتفاق والافتراق في دعاوى استعادة الدولة

في الحالتين، يفقد شعار استعادة الدولة معناه إذا انتهى إلى تفتيت المجتمع، أو نقل الصراع من مركز إلى آخر، أو فتح الباب أمام نفوذ الخارج.
في الحالتين، يفقد شعار استعادة الدولة معناه إذا انتهى إلى تفتيت المجتمع، أو نقل الصراع من مركز إلى آخر، أو فتح الباب أمام نفوذ الخارج.
شارك الخبر
يحاول  الكاتب والإعلامي اليمني سعيد ثابت سعيد، في هذه الورقة التي كتبها خصيصا لـ"عربي21" تفكيك واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجال العربي والقرن الأفريقي؛ وهي دعاوى استعادة الدولة والانفصال في البيئات الهشة والصراعات المركبة. ومن خلال المقارنة بين صوماليلاند في شمال الصومال، وجنوب اليمن، لا يتوقف النص عند حدود السرد التاريخي أو الجدل السياسي المباشر، بل يذهب إلى مساءلة الأسس القانونية والتاريخية والجيوسياسية التي تستند إليها هذه المشاريع، في لحظة إقليمية تتقاطع فيها حسابات الداخل مع رهانات الموانئ والممرات البحرية والنفوذ الدولي.

وتنبع أهمية هذه القراءة من أنها تتعامل مع المسألة بوصفها إشكالية دولة وهوية وشراكة سياسية، لا مجرد صراع جغرافي بين شمال وجنوب. فالتشابه الظاهر بين التجربتين يخفي اختلافات عميقة في طبيعة الوحدة، وفي بنية المجتمع، وفي موقع كل حالة داخل النظامين الإقليمي والدولي. ولذلك يحاول هذا الجزء رسم خطوط الاتفاق والافتراق بين الحالتين، بعيدا عن الشعارات السياسية الجاهزة، ومن داخل قراءة تستند إلى التاريخ والقانون والواقع السياسي معا.

دعاوى فك الارتباط ونزعات الانفصال

تدخل دعاوى فك الارتباط ونزعات الانفصال اليوم في قلب صراع مفتوح على الموانئ والممرات البحرية ومواقع النفوذ، في زمن تتسابق فيه القوى الأجنبية على استثمار هشاشة الدول وتمزيق نسيجها الاجتماعي. وقد خرجت هذه الدعاوى من نطاقها المحلي، وتقاطعت مع مشاريع تفكيك الدول وإعادة تشكيل الأقطار بما يخدم قوى تبحث عن الهيمنة عبر أدوات الاستعمار الجديد. وتكتسب المقارنة بين صوماليلاند وجنوب اليمن أهميتها لأن المسألة تتجاوز التشابه التاريخي بين كيانين سابقين دخلا في وحدتين متعثرتين، وتمس مصالح الشعبين ومآلات هذه الدعاوى، وما إذا كانت تفتح طريقا للإصلاح والاستقرار، أم تعيد إنتاج الأزمات القديمة بوجوه مختلفة وصراعات ضارية.

تدفع المقارنة بين صوماليلاند وجنوب اليمن القارئ، منذ البداية، إلى ملاحظة شبه ظاهر بين الحالتين. فكلاهما يستند إلى كيان سياسي سابق دخل وحدة مع كيان آخر، ثم ظهرت بعد سنوات دعوى تقول إن تلك الوحدة فشلت، وإن الطريق الصحيح يتمثل في استعادة الدولة السابقة. لكن هذا التشابه لا يكفي لإثبات تطابق الحالتين؛ فلكل حالة مسار قانوني مختلف، وسياق سياسي مغاير، ودرجة مختلفة من الاعتراف الدولي والقدرة على بناء سلطة أمر واقع، مما يستدعي الفصل بين الأساس التاريخي، والوجاهة القانونية، وأثر الواقع السياسي.

تدفع المقارنة بين صوماليلاند وجنوب اليمن القارئ، منذ البداية، إلى ملاحظة شبه ظاهر بين الحالتين. فكلاهما يستند إلى كيان سياسي سابق دخل وحدة مع كيان آخر، ثم ظهرت بعد سنوات دعوى تقول إن تلك الوحدة فشلت، وإن الطريق الصحيح يتمثل في استعادة الدولة السابقة. لكن هذا التشابه لا يكفي لإثبات تطابق الحالتين؛ فلكل حالة مسار قانوني مختلف، وسياق سياسي مغاير، ودرجة مختلفة من الاعتراف الدولي والقدرة على بناء سلطة أمر واقع، مما يستدعي الفصل بين الأساس التاريخي، والوجاهة القانونية، وأثر الواقع السياسي.
تكشف الجغرافيا في هذه المقارنة مفارقة لافتة؛ فصوماليلاند التي تطالب باستعادة استقلالها تقع في شمال الصومال، بينما يتركز خطاب الانفصال في اليمن في جنوبه. بيد أن اتجاه الجغرافيا لا يمنح أي دعوى قوتها السياسية أو القانونية. لذلك ينبغي الحذر من اختزال الشمال والجنوب إلى أحكام جاهزة؛ فقد صار الشمال في الحالة الصومالية عنوانا لدعوى الانفصال، وصار الجنوب في الحالة اليمنية عنوانا لدعوى من نوع قريب، فيما يبقى معيار التقييم في التاريخ السياسي لكل تجربة، وطبيعة الوحدة التي دخلت فيها، والنتائج التي ترتبت عليها، لا في الاتجاهات التي تشير إليها الخريطة.

نقاط الاتفاق بين الحالتين اليمنية والصومالية

تقوم المقارنة بين صوماليلاند وجنوب اليمن على أرضية مشتركة أولية، لأن الحالتين تستندان إلى كيان سياسي سابق دخل لاحقا في تجربة وحدة مع كيان آخر. لكن رصد أوجه الاتفاق لا يعني التسليم بتطابق الحالتين، ولا يعطي النتائج القانونية نفسها؛ فهو يساعد فقط على فهم العناصر التي يقوم عليها خطاب استعادة الدولة في كل تجربة، قبل الانتقال إلى الفروق التي تكشف حدود القياس بينهما. يمكن تناول أبرز نقاط الاتفاق في أربعة مستويات هي: وجود كيان سياسي سابق، والدخول في اتحاد أو وحدة لاحقة، واستعمال خطاب استعادة الدولة لا الانفصال، والاستناد إلى حدود سياسية معروفة قبل الوحدة، والقول إن تجربة الوحدة فشلت لاحقا بما فتح الباب أمام دعوى استعادة الدولة.

1 ـ وجود كيان سياسي سابق على الوحدة

تشترك الحالتان في أن كلا منهما يستند إلى كيان سياسي سابق على الوحدة، كما أن كليهما خرج من تجربة استعمارية بريطانية بدرجات وصيغ مختلفة؛ فقد كانت صوماليلاند محمية بريطانية منفصلة عن الإقليم الصومالي الخاضع للوصاية الإيطالية، ونالت استقلالها في 26 يونيو 1960 بوصفها كيانا قائما بذاته، لا امتدادا إداريا لمقديشو. وبعد خمسة أيام فقط، استقل الإقليم الصومالي الآخر في 1 يوليو 1960، فاتحد الطرفان في اليوم نفسه لتنشأ الجمهورية الصومالية. لذلك يكتسب استقلال صوماليلاند القصير أهميته القانونية، لأنه يوضح أن الاتحاد الصومالي قام بين كيانين خرجا إلى الاستقلال في توقيتين متقاربين، لا بين إقليم تابع ودولة قائمة. لكن هذه الأهمية تبقى محدودة زمنيا، لأن التجربة السيادية المستقلة لم تدم سوى أيام قليلة قبل الدخول في الاتحاد.

أما جنوب اليمن، فقد خرج هو الآخر من السيطرة البريطانية، ونال استقلاله في 30 نوفمبر 1967. بيد أن تجربته تختلف عن صوماليلاند في المدة والوزن الدولي؛ فقد قامت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية دولة مستقلة معترفا بها، وامتلكت مؤسساتها وجيشها وعلاقاتها الخارجية وعضويتها في الأمم المتحدة، قبل أن تدخل في وحدة اندماجية مع الجمهورية العربية اليمنية في 22 مايو 1990. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة جنوب اليمن السابقة أمتن تاريخيا، لأن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عاشت أكثر من اثنين وعشرين عاما قبل الوحدة، لا بضعة أيام فقط. غير أن هذا الامتداد التاريخي لا يحسم النتيجة القانونية وحده، لأن الوحدة اليمنية قامت لاحقا على اتفاق اندماجي أنشأ شخصية دولية واحدة باسم الجمهورية اليمنية.

2 ـ استعمال خطاب (استعادة الدولة) لا (الانفصال)

يفضل أنصار صوماليلاند وأنصار الانفصال في جنوب اليمن استخدام عبارة استعادة الدولة بدلا من عبارة الانفصال. صوماليلاند تقول إنها لا تنفصل عن الصومال، وإنما تعود إلى وضعها السيادي السابق في 26 يونيو 1960. ودعاة الانفصال في الجنوب اليمني يقولون إنهم لا ينفصلون عن اليمن، وإنما يستعيدون دولة الجنوب التي دخلت وحدة طوعية عام 1990.

هذا الخطاب يضفي على أصحابه قوة رمزية؛ لأنه ينقل النقاش من صورة تمرد إقليمي داخل دولة قائمة إلى صورة كيان سابق يريد العودة إلى وضع كان قائما قبل الوحدة. لكن وصف الانفصال بأنه استعادة للدولة لا يمنحه، في القانون، حقا تلقائيا في الخروج من الدولة القائمة، ولا يجعله سياسيا حلا أفضل بالضرورة.

3 ـ الاستناد إلى حدود سياسية سابقة

في صوماليلاند ينطلق الخطاب السياسي من نطاق المحمية البريطانية السابقة، بينما يعتمد دعاة الانفصال في جنوب اليمن على خريطة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وهذا التشابه مهم، لأن وجود حدود سابقة يجعل الدعوى أكثر وضوحا من الناحية الجغرافية، بخلاف حركات انفصالية كثيرة. بيد أن وجود الحدود السابقة لا يكفي وحده، فالسؤال القانوني الحاسم هو: هل بقيت تلك الحدود حدودا دولية قائمة بعد الوحدة، أم تحولت إلى حدود محلية داخل دولة واحدة؟ وعند هذا السؤال يبدأ الافتراق الحقيقي بين الحالتين.

ثمة نقطة مهمة تتعلق بالبنية الاجتماعية، إذ لا تستند دعوى الانفصال أو فك الارتباط أو استعادة دولة ما قبل الوحدة، في الحالتين، إلى قطيعة دينية أو قومية حادة، فصوماليلاند تشترك مع بقية الصومال في الغالبية المسلمة السنية والهوية الصومالية العامة، كما يشترك جنوب اليمن مع بقية اليمن في الغالبية المسلمة والهوية العربية اليمنية الجامعة. وهذا يجعل أساس الدعوى في الحالتين سياسيا وتاريخيا أكثر منه دينيا أو قوميا. غير أن الفارق يظهر في مستوى التنوع الداخلي؛ إذ تبدو صوماليلاند أكثر تجانسا قوميا ولغويا، بينما يضم جنوب اليمن تنوعا مناطقيا وثقافيا أوضح، خصوصا في حضرموت والمهرة وسقطرى وعدن، وهو ما يجعل سؤال التمثيل والعقد الداخلي أكثر حساسية في أي مشروع جنوبي جديد.

4 ـ القول إن الوحدة فشلت لاحقا

في الحالتين، يقوم الخطاب السياسي على أن تجربة الوحدة لم تحقق الشراكة المنشودة. صوماليلاند تستند إلى معاناة الشمال الصومالي في عهد سياد بري، والحرب، وانهيار الدولة الصومالية عام 1991. ودعاة الانفصال في جنوب اليمن يستندون إلى حرب 1994، وما تلاها من خطايا سياسية، وإدارية، وعسكرية، واقتصادية. لكن الفشل السياسي للوحدة لا ينتج وحده حقا تلقائيا في الانفصال. إنه يقوي الخطاب السياسي، ويفتح باب المطالبة بعقد جديد أو تسوية جديدة، لكنه يحتاج إلى سند قانوني واعتراف دولي حتى يصبح دولة مستقلة تحظى بالاعتراف.

أوجه الافتراق بين الحالتين

إذا كانت أوجه الاتفاق تمنح المقارنة مدخلها الأول، فإن نقاط الافتراق هي التي تكشف حجمها الحقيقي وحدود القياس بين الحالتين، فالتشابه في وجود كيان سياسي سابق، والدخول في وحدة لاحقة، واستعمال خطاب استعادة الدولة، لا يعني أن المسارين متطابقان، ولا أن النتائج القانونية والسياسية واحدة. فالنتائج تتحدد، في كل حالة، بمدة الدولة السابقة، وبطبيعة الوحدة التي دخل فيها كل طرف، وبسلامة الإجراءات التي قامت عليها، وبأثر الحرب أو الانهيار، وبقدرة كل حالة على بناء سلطة أمر واقع، ثم بموقف المجتمع الدولي من الدعوى المطروحة.

ـ قوة الدولة السابقة

من حيث الدولة السابقة، ترجح كفة جنوب اليمن تاريخيا عند النظر إلى مدة التجربة ودرجة الاعتراف الدولي. فقد عاشت صوماليلاند استقلالا قصيرا جدا بين 26 يونيو و1 يوليو 1960، ولم تدخل الأمم المتحدة عضوا مستقلا قبل اتحادها مع الصومال. أما جنوب اليمن فقد عاش أكثر من اثنين وعشرين عاما دولة مستقلة، وامتلك مؤسسات وجيشا وعلاقات دولية، وشغل مقعدا في الأمم المتحدة منذ 1967 حتى اندماجه في دولة الوحدة عام 1990. غير أن هذا الفارق التاريخي لا يحسم النتيجة القانونية، لأن الدولة الجنوبية دخلت لاحقا وحدة اندماجية أنشأت شخصية دولية واحدة باسم الجمهورية اليمنية.

ـ سلامة إجراءات الاتحاد

لاحظت بعثة الاتحاد الأفريقي إلى صوماليلاند عام 2005 أن الاتحاد بين صوماليلاند والصومال لم يحصل على التصديق السليم، وأنه تعطل لاحقا، ورأت أن حالة صوماليلاند تملك خصوصية في التاريخ السياسي الأفريقي . أما في الحالة اليمنية، فقد قامت الوحدة على اتفاق مكتوب ومعلن بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. ونص اتفاق 22 أبريل 1990 على قيام اتحاد اندماجي، وعلى دمج الشخصية الدولية لكل من الدولتين في شخصية دولية واحدة هي الجمهورية اليمنية. كما أن مشروع دستور دولة الوحدة أقر قبل إعلان الوحدة من المؤسستين التشريعيتين في الشمال والجنوب، ثم جرى الاستفتاء الشعبي على دستور الجمهورية اليمنية في مايو 1991، أي بعد إعلان الوحدة لا قبله. وتذكر مصادر دستورية أن دستور 1991 اعتمد في 16 مايو 1991.

إذن، لا يصح القول إن وحدة 1990 قامت بلا أساس دستوري أو بلا استفتاء مطلقا. الأدق أن نقول إنها قامت أولا عبر اتفاق سياسي - دستوري بين سلطتي الدولتين، وأقر مشروع الدستور مؤسسيا قبل إعلانها، ثم حصل الدستور على غطاء شعبي لاحق عبر استفتاء مايو 1991. وهذا يجعل الطعن القانوني في وحدة اليمن أصعب من الطعن في اتحاد صوماليلاند والصومال. يمكن نقد طريقة الوحدة، وسرعتها، واختلالات تطبيقها، وما لحق بها من صراعات، لكن يصعب القول إن الوحدة لم تقم قانونيا من الأصل.

ـ طبيعة حرب 1994

لا يصح اختزال حرب 1994 في مواجهة صافية بين شمال وجنوب، فبعد انتخابات 1993 صار المشهد أكثر تعقيدا، لأن المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي صاروا أطرافا في معادلة انتخابية وسياسية جديدة. فقد فاز المؤتمر الشعبي العام بـ123 مقعدا، وحصل الإصلاح على 62 مقعدا، وحصل الحزب الاشتراكي على 56 مقعدا في مجلس النواب المنتخب عام 1993. واندلعت الحرب داخل دولة الوحدة بين مركزين في قمة السلطة: الرئيس علي عبد الله صالح وحلفاؤه من جهة، ونائبه علي سالم البيض ومعه عدد من قيادات الحزب الاشتراكي من جهة أخرى.

كما أن الاصطفاف أثناء الحرب لم يكن شماليا - جنوبيا خالصا. فقد قاتل جنوبيون إلى جانب الرئيس صالح، ووقف بعضهم ضد قيادة الحزب الاشتراكي لأسباب تعود إلى صراعات الجنوب السابقة، خصوصا صراع يناير 1986. واستفاد صالح من هذا الانقسام، إذ شارك أنصار علي ناصر محمد، الذين غادروا الجنوب بعد هزيمتهم في ذلك الصراع، في العمليات العسكرية. وفي هذا السياق برز عبد ربه منصور هادي، وهو ضابط جنوبي وقف إلى جانب حكومة صنعاء في الحرب، ثم عيّنه صالح نائبا للرئيس بعد انتهائها في أكتوبر 1994.

فلا تستقيم العبارة التي تقول إن حرب 1994 كانت حرب شمال ضد جنوب على نحو كامل. والأدق أنها كانت حربا داخل دولة الوحدة، أخذت بعدا جغرافيا وسياسيا جنوبيا ـ شماليا نتيجة عدم اندماج الجيشين فعليا، وبسبب استدعاء حدود ما قبل الوحدة، وبسبب إعلان الانفصال، ثم بسبب النتائج التي مست الحزب الاشتراكي ومؤسسات الدولة الجنوبية السابقة.

ـ أثر حرب 1994 على الشراكة

حرب 1994 لم تسقط الشراكة على قاعدة شمال وجنوب. الذي سقط، على وجه التحديد، هو شراكة الحزب الاشتراكي اليمني كطرف ندّي في معادلة الوحدة الأولى. فقد خرج علي سالم البيض وقيادة الاشتراكي التي أعلنت الانفصال من السلطة، وتراجع موقع الحزب الاشتراكي بوصفه الشريك المؤسس القادم من دولة الجنوب السابقة.

لكن المشاركة الجنوبية في الدولة لم تنته بعد الحرب، فقد استمرت مؤسسات الجمهورية اليمنية، واستمرت الحكومات، وشارك وزراء ومسؤولون من الشمال والجنوب، وتولى عبد ربه منصور هادي، وهو شخصية جنوبية، منصب نائب الرئيس منذ 1994. غير أن استمرار حضور شخصيات من المحافظات الجنوبية لا يعني أن المشاركة كانت متوازنة أو معبرة بالضرورة عن إرادة جنوبية جامعة؛ فهو يثبت فقط أن الحرب لم تلغ الحضور الجنوبي من الدولة، بينما بقي الخلاف قائما حول مضمون هذه المشاركة وعدالتها.

لقد غيّرت الحرب طبيعة الشراكة من شراكة تأسيسية بين طرفي الوحدة، إلى مشاركة داخل سلطة ما بعد الحرب. وقد رأى خصوم هذه الصيغة أنها مشاركة غير متوازنة ولا تعبر عن الجنوب بوصفه طرفا سياسيا مؤسسا، بينما رأى أنصار الوحدة أنها استمرار للدولة الواحدة، لا إلغاء للشراكة الوطنية.

ـ بناء كيان الأمر الواقع

في بناء سلطة الأمر الواقع، تبدو صوماليلاند أكثر تماسكا من الحالة الجنوبية اليمنية؛ فمنذ عام 1991 بنت صوماليلاند مؤسسات حكم محلية، وأدارت انتخابات، وأنشأت أجهزة أمن، وحافظت على قدر من الاستقرار الداخلي قياسا بالصومال، وقد سجلت بعثة الاتحاد الأفريقي عام 2005 وجود وضع سياسي وأمني ومؤسسي خاص في صوماليلاند.

في المقابل، لم ينتج الجنوب اليمني بعد 1994 كيانا موحدا ومستقرا على النمط الصوماليلاندي. نشأ الحراك الجنوبي عام 2007 كتعبير احتجاجي واسع، ثم ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي لاحقا كقوة سياسية وعسكرية مؤثرة، لكنه لا يحتكر تمثيل الجنوب كله. فالجنوب نفسه متنوع: عدن، لحج، الضالع، أبين، شبوة، حضرموت، المهرة، وسقطرى. ولكل منطقة حساباتها ومصالحها ومخاوفها من أي مركز جديد قد يحل محل مركز صنعاء.

وهذا يعني أن دعاة الانفصال في جنوب اليمن يحتاجون إلى إجابة واضحة عن أمرين: من يمثل الجنوب؟ وما شكل العقد الداخلي بين محافظاته وقواه ومكوناته؟ من دون جواب مقنع عن هذين السؤالين، تبقى المقارنة مع صوماليلاند ناقصة.

ـ العامل الإقليمي وتسويق الأمر الواقع

يبرز الدور الإماراتي في الحالتين بوصفه عاملا مشتركا لا يصنع وحده شرعية قانونية، لكنه يساعد في تسويق الأمر الواقع خارجيا؛ ففي صوماليلاند، دخلت أبوظبي من بوابة ميناء بربرة والاستثمار اللوجستي والترتيبات الأمنية، بما منح الكيان غير المعترف به منفذا اقتصاديا وسياسيا أوسع على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر. وقد ارتبط هذا الدور بشركة موانئ دبي العالمية وبمشروع تطوير بربرة، وهو ما أثار اعتراضات مقديشو التي عدّت اتفاقات الميناء مساسا بسيادتها. وفي جنوب اليمن، ظهر الدور الإماراتي من خلال دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، ضمن بيئة حرب أكثر تعقيدا. وقد ساعد هذا الدعم على نقل القوى الحاملة للمشروع الجنوبي من إطار احتجاجي محلي إلى فاعل سياسي وأمني يملك حضورا في عدن وبعض الموانئ والجزر والمناطق ذات الصلة بالممرات البحرية. غير أن هذا الحضور لم يمنح مشروع فك الارتباط اعترافا قانونيا، وظل محكوما بمرجعية الدولة اليمنية المعترف بها وبحسابات الحرب والتوازن السعودي- الإماراتي داخل الملف اليمني.

تكشف المقارنة بين صوماليلاند وجنوب اليمن أن الشبه الظاهر بين التجربتين لا يلغي الفروق التي منحت كل حالة مسارها الخاص. فوجود كيان سابق، ثم الدخول في وحدة لاحقة، ثم ظهور دعوى لاستعادة الدولة، عناصر مشتركة لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تكفي وحدها لبناء النتيجة نفسها قانونيا وسياسيا.
يضاف إلى ذلك عامل إسرائيلي أكثر وضوحا في حالة صوماليلاند، وأكثر التباسا في الحالة اليمنية. ففي صوماليلاند اتخذ هذا العامل صورة مباشرة بعد اعتراف إسرائيل بها في ديسمبر 2025، وهو اعتراف أضاف رمزية سياسية إلى مشروعها في سعيه الطويل للخروج من عزلة عدم الاعتراف، وربط موقعها على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر باتفاقات أبراهام. أما في جنوب اليمن، فلا يوجد اعتراف إسرائيلي بكيان جنوبي مستقل، لكن الاهتمام الإسرائيلي يظهر بصورة غير مباشرة من خلال أمن باب المندب والبحر الأحمر ومواجهة الحوثيين وإيران، وهي ملفات تتقاطع مع أهمية الجنوب اليمني وموانئه وجزره وموقعه البحري.

ومن ثم، يتشابه المشروعان في أن العاملين الإماراتي والإسرائيلي أسهما، بدرجات مختلفة، في رفع القيمة الجيوسياسية لكل مشروع وتسويقه خارجيا: صوماليلاند بوصفها منصة استقرار وموانئ على خليج عدن، وجنوب اليمن بوصفه مجالا مؤثرا في أمن باب المندب والبحر الأحمر. غير أن هذا التشابه لا يلغي الفارق الجوهري بين الحالتين؛ فصوماليلاند بنت سلطة أمر واقع مستقرة نسبيا وحصلت لاحقا على اعتراف إسرائيلي مباشر، بينما بقي مشروع فك الارتباط في جنوب اليمن جزءا من صراع داخلي وإقليمي داخل دولة معترف بها دوليا، ومن دون سند اعتراف خارجي مماثل.

ـ موقف المجتمع الدولي

لم يمنح المجتمع الدولي صوماليلاند اعترافا واسعا رغم خصوصية وضعها التاريخي والقانوني، ورغم استقرارها النسبي. وفي الحالة اليمنية، لم يعترف المجتمع الدولي بإعلان الانفصال الجنوبي عام 1994، كما أن مجلس الأمن تعامل مع الحرب بوصفها أزمة داخل الجمهورية اليمنية، ودعا إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار من دون أن يمنح الكيان المعلن في عدن أي صفة دولية.

وفي مراحل لاحقة، واصل مجلس الأمن تأكيده وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، إذ أعاد القرار 2216 عام 2015 التأكيد على وحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، ودعا الأطراف والدول إلى الامتناع عن أي أعمال تقوض ذلك. وهذا لا يعني أن الوحدة عادلة أو ناجحة أو غير قابلة للمراجعة، لكنه يعني أن الوضع القانوني الدولي الحالي لا يمنح الانفصال الجنوبي سندا خارجيا واضحا.

عرض دعاوى وتفنيدها

ـ الجنوب كان دولة، ومن حقه استعادة دولته

تستند هذه الدعوى إلى حقيقة تاريخية ثابتة؛ فقد كان الجنوب دولة مستقلة، معترفا بها، وعضوا في الأمم المتحدة. غير أن هذه الحقيقة، على أهميتها، لا تمنح وحدها حقا قانونيا في الانفصال الأحادي، لأن دولة الجنوب دخلت في وحدة اندماجية مع الشمال، وجرى تمثيل اليمن بعد 22 مايو 1990 دولة واحدة في الأمم المتحدة. ومن ثم لا تتحقق إعادة النظر في صيغة الوحدة بمجرد إعلان سياسي منفرد، وإنما يحتاج إلى اتفاق واضح، أو استفتاء متفق عليه، أو تسوية داخلية ودولية تعيد تعريف شكل الدولة.

ـ حرب 1994 أنهت الوحدة

أضعفت حرب 1994 توازن دولة الوحدة، وأخرجت الحزب الاشتراكي من موقع الشريك المؤسس، وغيّرت ميزان السلطة لمصلحة الطرف المنتصر، لكنها لم تُنه الوحدة قانونيا، ولم تُسقط الشخصية الدولية للجمهورية اليمنية، ولم تلغ المشاركة الجنوبية في مؤسسات الدولة. لذلك فالأدق أن الحرب لم تُنهِ الوحدة من أصلها، وإنما أسقطت صيغة الشراكة الأولى التي نشأت عند التأسيس، وأخرجت الحزب الاشتراكي من موقع الطرف الندّي في معادلة الحكم إلى موقع الحزب المهزوم الذي فقد نفوذه وموقعه وامتيازات السلطة.

ـ الجنوب تعرض للغلبة بعد الحرب

هذه الدعوى تملك أساسا سياسيا قويا، خصوصا حين ترتبط بملفات الإقصاء، والتقاعد القسري، والأراضي، والتمثيل، ومركزية القرار، فقد ولّدت مرحلة ما بعد 1994 شعورا بأن السلطة تعاملت بمنطق الغلبة لا بروح الشراكة. غير أن توصيف ما جرى بأنه احتلال يحتاج إلى حذر قانوني؛ فالمجتمع الدولي والإقليمي تعامل مع حرب 1994 بوصفها صراعا داخليا داخل دولة معترف بها، لا حربا بين دولتين قائمتين. وبالتالي فإن وصف الاستحواذ والهيمنة أدق وأضبط من وصف الاحتلال، لأنه يشرح الاختلال الذي أصاب دولة الوحدة من دون أن يحمل النص إلى توصيف قانوني لا تسنده المواقف الدولية.

ـ حق تقرير المصير يمنح الجنوب حق الانفصال

حق تقرير المصير مبدأ ثابت، لكنه لا يتحول في كل حالة إلى حق في الانفصال؛ ففي غير حالات الاستعمار، أو الاحتلال الأجنبي، أو الانسداد الكامل أمام المشاركة، يميل القانون الدولي غالبا إلى تفسير تقرير المصير في إطار المشاركة العادلة، واللامركزية، والفيدرالية، والضمانات الدستورية، والحكم المحلي الواسع. ومن هذه الزاوية، يبدو طرح دعاة فك الارتباط أو الانفصال أكثر تماسكا حين يدعو إلى عقد وطني جديد أو استفتاء متفق عليه، وأضعف حين يقوم على إعلان أحادي لا يحظى بتوافق داخلي أو قبول دولي.

ـ حدود الدولة قبل 1990 معروفة، ولذلك فالعودة إليها ممكنة

صحيح أن حدود جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كانت معروفة قبل الوحدة، وهذا يمنح الدعوى الجنوبية وضوحا جغرافيا، لكن الحدود وحدها لا تنشئ دولة جديدة. فقيام أي كيان سياسي يحتاج إلى تمثيل جامع، وقبول واسع داخل المحافظات المعنية، وقدرة مؤسسية على الحكم، واعتراف خارجي، كما أن حضرموت والمهرة وسقطرى وشبوة ليست مجرد امتداد إداري لأي مركز سياسي في عدن؛ فلهذه المناطق مصالحها وحساسياتها وهوياتها المحلية، وأي مشروع لا يستطيع تجاوز هذا التنوع إلا بعقد داخلي يطمئن مكوناته قبل أن يطلب الاعتراف من الخارج.

وبعد

تكشف المقارنة بين صوماليلاند وجنوب اليمن أن الشبه الظاهر بين التجربتين لا يلغي الفروق التي منحت كل حالة مسارها الخاص. فوجود كيان سابق، ثم الدخول في وحدة لاحقة، ثم ظهور دعوى لاستعادة الدولة، عناصر مشتركة لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تكفي وحدها لبناء النتيجة نفسها قانونيا وسياسيا.

في حالة صوماليلاند، تستند الدعوى إلى استقلال قصير سبق الاتحاد مع الصومال، وإلى ثغرات قانونية في إجراءات الاتحاد، ثم إلى سلطة أمر واقع استطاعت منذ 1991 أن تبني قدرا من الاستقرار والمؤسسات. أما في حالة جنوب اليمن، فإن الأساس التاريخي يبدو أوسع وأوضح، لأن دولة الجنوب عاشت أكثر من عقدين، وحظيت بعضوية الأمم المتحدة، قبل أن تدخل في وحدة اندماجية مع الجمهورية العربية اليمنية. غير أن هذا الامتداد التاريخي يصطدم بحقيقة قانونية لا يمكن تجاوزها، وهي أن وحدة 1990 قامت على اتفاق مكتوب، وأنتجت شخصية دولية واحدة باسم الجمهورية اليمنية، ثم تعززت بدستور واستفتاء لاحق.

ولا يكتسب طرح دعاة فك الارتباط أو استعادة الدولة قوته من إنكار أصل الوحدة، ولا من توصيف حرب 1994 بوصفها احتلالا بالمعنى القانوني الدولي. تأتي قوته من القول إن دولة الوحدة أُديرت بعد الحرب بعقلية المنتصر فأضعفت توازنها الأول، ودفعت الحزب الاشتراكي، الذي حكم الشطر الجنوبي قبل الوحدة ووقّع اتفاقها، من شريك في التأسيس إلى طرف مهزوم، وفتحت باب مظالم سياسية وإدارية وحقوقية غذّت لاحقا خطاب فك الارتباط، وأمدّت دعاته بمادة سياسية واجتماعية وظّفوها في الدفاع عن مشروعهم.

وفي الحالتين، يفقد شعار استعادة الدولة معناه إذا انتهى إلى تفتيت المجتمع، أو نقل الصراع من مركز إلى آخر، أو فتح الباب أمام نفوذ الخارج. فصوماليلاند، رغم ما راكمته من استقرار نسبي وبناء مؤسسات محلية، ما زالت عاجزة عن نيل اعتراف دولي واسع، وتواجه علاقة ملتبسة مع الصومال ومحيطها الأفريقي والعربي. ويزداد هذا الالتباس حين تبحث قيادتها عن شرعية خارجية عبر بوابة إسرائيل، بعد اعتراف تل أبيب بها نهاية العام الماضي؛ فالأمر يتجاوز حدود الاعتراف السياسي بدولة غير معترف بها، إلى ربط مشروعها الانفصالي بقوة احتلال تغتصب أرض الفلسطينيين، وتواجه رفضا واسعا في الوجدان العربي والإسلامي. كما يضع موقع صوماليلاند على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر في حسابات أمنية تمس اليمن والقرن الأفريقي والممرات البحرية ومصالح شعوب المنطقة. وحتى مع نفي وجود اتفاق معلن على قواعد إسرائيلية، فإن استخدام مطلب الاعتراف مدخلا لشراكة أمنية مع إسرائيل يضع المشروع كله أمام شبهة الاستقواء بالخارج، ويجعله أقرب إلى ورقة في دائرة النفوذ الإقليمي منه إلى تعبير صاف عن مصلحة الشعب الصومالي.

 أما جنوب اليمن، فرغم تاريخ الدولة السابقة وما أعقب حرب 1994 من خروج النخبة الحاكمة من مركز السلطة، وتراكم شكاوى إدارية وحقوقية ومعيشية لدى بعض الفئات، فإن خطاب فك الارتباط لا يخلو من مطامع سياسية ورغبة لدى قوى أُخرجت من الحكم في استعادة مواقعها وامتيازاتها. كما أنه لا يثبت أنه يعبّر عن إرادة شعبية جامعة، ولا يقدم تصورا واضحا لتمثيل فئاته ومناطقه ومصالحه، من عدن وأبين وشبوة إلى حضرموت والمهرة وسقطرى. واستدعاء الدولة السابقة لا يعالج هذا التعقيد، ولا يضمن ألا ينتقل الصراع من مركز قديم إلى مركز جديد. والطريق الأجدى، في الحالتين، يبدأ من إصلاح الحكم، وإنصاف الناس، ومنع الاستحواذ، وحماية المصالح العامة من مشاريع قد تخسر فيها الشعوب أكثر مما تربح منها ساحات النفوذ ومحطات الموانئ ومنافذ الممرات.
التعليقات (0)