الغاية الفرنسية تبرر تزوير الجينات العرقية لاصطناع هوية وهمية في بعض الدول المغربية!

لا نملك إلا أن نقول ما قلناه في النص أعلاه بأن الهوية ثقافة وليس عرقاً، وأن "العرق للحصان والثقافة واللسان للإنسان في كل زمان ومكان"..
لا نملك إلا أن نقول ما قلناه في النص أعلاه بأن الهوية ثقافة وليس عرقاً، وأن "العرق للحصان والثقافة واللسان للإنسان في كل زمان ومكان"..
شارك الخبر
يأتي هذا النص في سياق جدل فكري وسياسي متواصل في منطقة المغرب العربي حول قضايا الهوية الوطنية وبناء الدولة بعد الاستعمار، وهي قضايا تتداخل فيها الأسئلة التاريخية بالتحولات السياسية والثقافية المعاصرة، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقة اللغة بالديناميات الاجتماعية، وحدود توظيف التاريخ والأنثروبولوجيا في صياغة التصورات الهوياتية.

فمنذ مرحلة ما بعد الاستقلال، ظل سؤال “الهوية” في بلدان المغرب العربي حاضراً بقوة في النقاشات العامة، بين اتجاهات تؤكد البعد العربي-الإسلامي بوصفه الإطار الجامع، وأخرى تُبرز الأبعاد الأمازيغية والمتوسطية والإفريقية بوصفها مكوّنات تاريخية وثقافية أصيلة في تشكيل المجتمعات المغاربية. هذا التعدد في الرؤى جعل من ملف الهوية مجالاً مفتوحاً للتأويلات السياسية بقدر ما هو موضوع للدراسة الأكاديمية، حيث تتقاطع فيه قراءات التاريخ مع رهانات الحاضر.

وفي هذا السياق، تبرز أيضاً النقاشات المعاصرة حول استخدام العلوم الحديثة ـ وخاصة دراسات الوراثة والأنثروبولوجيا ـ في إعادة قراءة الماضي البشري، وما يرافق ذلك من خلافات حول حدود التفسير العلمي عندما ينتقل من المجال البيولوجي إلى المجال الهوياتي والثقافي، وهو ما يثير بدوره إشكالات منهجية تتعلق بمدى دقة إسقاط النتائج العلمية على بناء الهويات الجماعية.

كما يتصل هذا النقاش بسجالات أوسع حول علاقة الذاكرة التاريخية بالمشاريع السياسية، وكيف يتم توظيف الشخصيات والرموز التاريخية في تشكيل الخطاب العام حول الدولة والهوية والانتماء، بما يعكس استمرار التفاعل بين التاريخ بوصفه علماً، والتاريخ بوصفه مادة للصراع الرمزي والسياسي.

وفي هذا الإطار الجدلي العام، يأتي هذا النص ضمن المقالات التي ينشرها خصيصاً على منصة "عربي21" الكاتب والمؤرخ الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان.


معايير مزدوجة

من سخرية القدر وعجائب الأمور أن فرنسا التي تدعي العلمية والعلمانية والموضوعية والديمقراطية والعدالة والمساواة بين المواطنين المتواجدين فوق التراب الفرنسي من كل الأعراق البشرية والأطياف اللونية والقارية ـ بحيث إن معظم رؤساء دولتها وحكوماتها ووزرائها ليسوا من أصل فرنسي أساساً بأي حال من الأحوال، بل هم متجنسون بجنسيتها وأصبحوا من حكام أهلها في فترات زمنية قصيرة دون ذكر للعوامل العرقية في الهوية القومية ـ ولكن عندما يتعلق الأمر بما تطبقه على نفسها وما تفرضه على غيرها من مستعمراتها السابقة في بلاد المغرب العربي، نجدها تنقلب رأساً على عقب في مواقفها المتعلقة بضرورة الوحدة العرقية في الهوية الوطنية والقومية.

ومن أجل ذلك نجدها تلوي عنق الحقائق العلمية المخبرية وتفتعل نتائج وهمية تنسبها لمؤسسات علمية عالمية مشهورة من باب "الغاية تبرر التزوير والكذب على الوسيلة"، وهو ما حدث مع مؤسسة البحث العالمية ذات المصداقية العلمية (مجلة ناشيونال جيوغرافيك).

لعل الإسلام أساساً هو أول من وضع أن الأمم والشعوب لا تقوم على النقاء العرقي، وكانت أول أمة أراد الإسلام أن يقول بأنها لا تقوم على النقاء العرقي هي الأمة الإسلامية التي قال نبيها: "العربية هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي" ([أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق، وهو حديث ضُعِّف سنداً وصحّ معناه عند المحققين كونه يُنسب لقول قتادة أو ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم])، فاللسان هو القاعدة الأساسية للثقافة.
ولشرح هذا الموضوع أترك القلم للباحث العربي النبيه والنزيه محمد جابر الذي يقول حول هذا الموضوع: "سوف أوضح ماذا أعني بهذا الكلام، طبعاً لكي يكون كلامي مسنوداً ومستدلاً عليه دعوني أذكر من لا يعلم بأن هناك في الفترة من عام 2005، قامت فرنسا ـ فرنسا تحديداً ـ بإيحاء من أجهزتها المخابراتية (أجهزة الاستخبارات الفرنسية) وسعي منها إلى تحويل مشروع "أمزغة" الشمال الإفريقي أو المغرب العربي عموماً وتحديداً الجزائر، إلى تحويله ـ تحويل هذه الأمزغة ـ من مشروع سياسي فشل على مدى عشرات السنين السابقة إلى مشروع سياسي ناجح بإسناده بما تروّج أو بما تعتقد أنه يمكن أن يخدع الكثيرين باعتباره (مشروعاً علمياً) تاريخياً أنثروبولوجياً.

وقامت من أجل إعطاء نفسها مشروعية هذه المحاولة الاستخبارية الفرنسية، بربط هذا المشروع بالتنسيق مع مجلة "ناشيونال جيوغرافيك"، وهي مجلة عريقة ومؤسسة علمية عريقة تحظى بالاحترام العالمي، ولجأت إليها تحديداً لأنها مشهورة بالأبحاث الأكثر عمقاً في هذه المجالات، وحتى كل العلماء الذين ناقشوا لاحقاً نتائج هذه التقارير وهذه الأبحاث انتقدوا المجلة وهذه المؤسسة العريقة كيف انزلقت إلى هذا المطب الذي انساقت من خلاله وراء محاولة مخابراتية فرنسية فاشلة ومشبوهة وغير بريئة أساساً.

طبعاً المحاولة المخابراتية الفرنسية كانت قائمة على فكرة ربط العرق بالجينات، وأننا نستطيع أن نعرف العرق من خلال الجينات، يعني طبعاً البدعة المعروفة والتي يسمع فيها الكثيرون: "إذا أردت أن تعرف عرقك وأصولك بإمكانك أن تعرفه من خلال الجينات وتحليل الجينات"؛ هذه كلها أكاذيب علمياً، هذا غير صحيح ولا يصلح علمياً. العرق.. هذه البدعة بدأت مع عام 2000 ـ 2005 في هذه الفترة من خلال هذه المحاولة الفرنسية، لا يستطيع أحد أن يعرف انتماءك العرقي بجيناتك لأكثر من جدك الثالث أو الرابع الذي أنت ممكن تكون أساساً قد رأيته وعشت معه، لكن دعنا نقول إن هذا أقصى حد ممكن أن يحصل عليه الإنسان.

وكل المحاولات التي تحاول أن تربط الجين بأصولك العرقية ويقول لك: "أنت من أصل أمازيغي، أنت من أصل أرمني، أنت من أصل قوقازي"، هذه كلها أكاذيب وأراجيف ولا علاقة لها بالعلم على الإطلاق، وكل العلماء المحترمين وكل الدراسات العلمية المحترمة تخطّئ هذا النهج وتعتبره نهجاً غير صحيح على الإطلاق ولا أساس علمياً له، وهو أساساً بدأ يأخذ مكانته في هذه السياقات بعد تلك المحاولة الفرنسية المشبوهة التي راحت تدعمها بعض المؤسسات في الغرب عموماً هنا وهناك من التي تتجاوب أو تتماهى مع هذا الهدف الفرنسي الاستخباراتي.

فرنسا كانت تهدف من خلال هذه البداية إلى إثبات أن المغاربيين (سكان المغرب العربي ثقافة ولساناً ووجداناً وحضارة وانتماءً) هم من أصول أمازيغية ـ وذلك بتحليل جيناتهم وإرجاعها إلى آلاف السنين السابقة، وربط الجين الأمازيغي بالجين الجرماني. هذه الأكاذيب كلها في النهاية، طبعاً لن ندخل في تفاصيل هذه النقطة، هذه النقطة غير مهمة والعلم أثبت خطأها وحل مشكلته معها في السياق الجيني البيولوجي وأثبت أنه لا يوجد شيء اسمه "نقاء عرقي" على الإطلاق؛ فالنقاء العرقي كذبة كبرى لا أساس لها، وخصوصاً بعد أن بدأت تتداخل الشعوب وتتداخل الثقافات وتتلاقح..!؟

ما دام هناك حضارات ونمو وتطور في الإنسانية ونماء في الفكر الإنساني ـ فهذا يتعارض مع فكرة العزلة تماماً ومع فكرة النقاء العرقي على الإطلاق، يتعارض تعارضاً مطلقاً.!!! فما نحن فيه الآن يدل على أن النقاء العرقي كذبة كبرى على إطلاقها. ولعل الإسلام أساساً هو أول من وضع أن الأمم والشعوب لا تقوم على النقاء العرقي، وكانت أول أمة أراد الإسلام أن يقول بأنها لا تقوم على النقاء العرقي هي الأمة الإسلامية التي قال نبيها: "العربية هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي" ([أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق، وهو حديث ضُعِّف سنداً وصحّ معناه عند المحققين كونه يُنسب لقول قتادة أو ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم])، فاللسان هو القاعدة الأساسية للثقافة.

الأمم تتشكل بالثقافات، لذلك كثيرة هي الأمم في العالم التي يرجح أنها في القديم كانت تؤول إلى أعراق متشابهة وبعد ذلك تداخلت الأعراق مع بعضها البعض وإن بقيت متقاربة إلى حد ما، لكنها انفصلت عن بعضها البعض لأسباب ثقافية، واتخذت أنماطاً ثقافية مختلفة فأصبحت أمماً مختلفة. أكبر نموذج على عدم النقاء العرقي ووحدة المشروع الثقافي هي أمريكا؛ أكبر أمة قومية متجانسة ثقافياً، فيها مليون عرق، كل أعراق العالم موجودة في أمريكا.

فهذه الكذبة التي اخترعتها فرنسا فقط من أجل أن تحول مشروع "الأمزغة" الفاشل سياسياً إلى مشروع ناجح سياسياً بربطه بالعلم، هي محاولة مخابراتية فرنسية تلقفها كل العنصريين والإقليميين والفئويين والكذابين والدجالين والأفاكين وأعداء الأمة وأعداء الوحدة وأعداء تطور الإنسان أساساً، وكلهم مجموعة من الجهلة بوجه عام".

وهذه الكذبة أنتجت أكاذيب علمية أخرى أصبحت عند هذه الفئة من الناس عبارة عن حقائق، وحاولت هذه الكذبة أن تخترع أكاذيب تاريخية تنسبها إلى التاريخ بحيث يصبح هناك انسجام وتناغم بين الفكرة العنصرية وبين ما ربطوه ببعض المعلومات الأنثروبولوجية الكاذبة غير الصحيحة. وهنا يقتضي الأمر أن نوضح أن علم الأنثروبولوجيا، باتفاق كل علماء الأنثروبولوجيا، يستند إلى مجموعة من الحقائق أصبحت بديهيات لا يمكن أن تفهم التاريخ الأنثروبولوجي بدونها؛ طبعاً الأنثروبولوجيا هو علم سكان الشعوب، كيف انتقلت الشعوب وتطورت وتحولت من مكان إلى مكان، والهجرات وما شابه ذلك، فهذا العلم له قواعد ثابتة أو له أسس أصبحت بديهيات، وكل من يحاول الخروج عليها سوف يزل ويضل الطريق ولا يعرف الحقيقة.

ومن مظاهر التزوير لحقائق التاريخ المتمثل في تشويه سير رجالات الأمة في جناحها الغربي ـ ليسهل التمهيد للتمديد والتجديد والتأبيد الاستحلالي بنشر الفرنكوفونية والصهينة "البربرنسية" للبلاد المغربية ـ هو محاولة النيل من أمثال عبد الحميد بن باديس في الجزائر وعلال الفاسي في المغرب، الذي أسس أول حزب مغربي بعد الاستقلال سماه "حزب الاستقلال"، وكان من أولى أهدافه تحقيق التعريب الحقيقي الكامل والشامل للتخلص من الهيمنة الثقافية والتربوية للاستعمار الفرنسي، ولذلك جند له كل أعداء وحدة الأمة واستقلالها.

هذا العالم الفقيه والسياسي الوطني الأصيل الذي أسس مكتب تنسيق التعريب في المغرب الأقصى قبل استقلال الجزائر ذاتها بعد مؤتمر (طنجة) سنة 1958 والذي كانت حكومة الجزائر المؤقتة عضواً ناشطاً فيه قبل استقلالها سنة 1962، ولكن العدو المتربص باستقلال الأمة كان له بالمرصاد حيث أجهض كل مشاريع حزب الاستقلال في مجال التعريب في الإدارة والتعليم والتكوين والمحيط والإعلام!؟ ومما قيل في زعيم هذا الحزب من أعداء الوحدة الثقافية لبلاد المغرب العربي لإرغامها على التمزيغ والفرنسة والردة الوثنية بدعم إعلامي ومالي وسياسي من اللوبي الفرنسي الصهيوني المتغلغل في الإدارة المفرنسة شكلاً ومضموناً حتى الآن -رغم بنود الدستور "شاهد الزور" في هذه المسألة السيادية والهوياتية المصيرية حتى الآن- بعد مضي سبعين سنة على الخروج الشكلي لعساكر الاحتلال المتواصل بشتى الأشكال ومختلف الطوابير والشعارات والأحوال، ومنها البحث عن صلة القرابة العرقية مع الرومان والوندال والقوط والجرمان للتخلص من دين الإسلام والإيمان والإحسان، والعودة إلى الردة الوثنية الأولى التي تعود إلى ما قبل حضارة الفتح الرباني المبين  الذي أنعم به خالق الكون على هذا الإنسان في آخر هذا الزمان!؟!؟

من مظاهر التزوير لحقائق التاريخ المتمثل في تشويه سير رجالات الأمة في جناحها الغربي ـ ليسهل التمهيد للتمديد والتجديد والتأبيد الاستحلالي بنشر الفرنكوفونية والصهينة "البربرنسية" للبلاد المغربية ـ هو محاولة النيل من أمثال عبد الحميد بن باديس في الجزائر وعلال الفاسي في المغرب، الذي أسس أول حزب مغربي بعد الاستقلال سماه "حزب الاستقلال"، وكان من أولى أهدافه تحقيق التعريب الحقيقي الكامل والشامل للتخلص من الهيمنة الثقافية والتربوية للاستعمار الفرنسي، ولذلك جند له كل أعداء وحدة الأمة واستقلالها.
ومن النماذج الواضحة لهذه النوعية من الدعاية المسمومة لتشويه سمعة رجالات الأمة في البلاد المغربية للنيل من قيمتها الوطنية والقومية، وتثبيط عزائم الأجيال المقتدية بها والسير على نهجها الإيماني والوطني والوحدوي لتمتين العرى بين أبناء الأمة مغرباً ومشرقاً؛ من نماذج هذا التشويه الممنهج نورد لكم هنا على سبيل المثال وليس الحصر هذا النص "الضرار" تحت عنوان: "علال الفاسي تجاه الأمازيغ: إقصاءُ الأصل لصالح رؤية مُستورَدة"!؟

"قبل ظهور الدعوات القومية العربية في شمال إفريقيا، كانت الهوية الأمازيغية هي النسغ الحقيقي لهذه الأرض. الأمازيغ، وهم السكان الأصليون للمنطقة منذ آلاف السنين، صاغوا تاريخها وثقافتها ولغتها قبل الفتوحات العربية والإسلامية. لكن بعد استقلال المغرب، تبنت النخب السياسية ـ ومنها علال الفاسي ـ سياساتٍ تجاهلت هذا الإرث العريق، وحوّلت الأمازيغية من هوية أصلية إلى "هوية هامشية" في مشروع الدولة الحديثة.

الأمازيغ.. أصل شمال إفريقيا الذي تم إخفاؤه

لم تكن الأمازيغية مجرد لغة أو ثقافة بين أخرى في المغرب، بل هي الهوية الجذرية التي تشكلت عليها حضارات المنطقة، من المملكة الموريتانية إلى دولتي المرابطين والموحدين. لكن سياسة علال الفاسي، زعيم حزب الاستقلال، تجاهلت هذا التاريخ، واعتمدت خطاباً قومياً عربياً إسلامياً كأساس وحيد للهوية الوطنية. رأى الفاسي أن "التعريب" ضرورة لمواجهة الاستعمار الفرنسي، لكنه في الواقع استبدل هيمنة استعمارية بهيمنة ثقافية جديدة، محوِّلاً الأصلَ إلى تابع.

تعريب الدولة.. محوُ الهوية الأمازيغية

تحت شعار "الوحدة الوطنية"، فرض حزب الاستقلال سياسة تعريب شاملة، جعلت العربية اللغة الوحيدة في التعليم والإدارة. لم يُنظر إلى الأمازيغية ـ رغم كونها لغة السكان الأصليين ـ إلا كلغة "محلية" أو "شعبية" لا تصلح للدولة الحديثة. حتى الأسماء الأمازيغية تعرّضت للتحريف أو المنع في السجلات الرسمية، كجزء من سياسة منهجية لطمس الهوية الأصلية.

أما ثقافياً، فتم تصوير الأمازيغ في الخطاب الرسمي كـ"قبائل بدوية" تابعة للدولة، بينما حُذفت إسهاماتهم الحضارية من المناهج الدراسية. هكذا تحوّل الأمازيغ من أصحاب الأرض إلى مجرد "أقلية" في وطنهم.

التحالف مع النظام الملكي.. قمعُ المطالب الأمازيغية

تحالف علال الفاسي مع النظام الملكي لتعزيز سياسة التعريب، مُكرّساً نظاماً مركزياً استبدادياً. فكل صوت نادى بالاعتراف بالأمازيغية ـ مثل حركات الستينيات والسبعينيات ـ وُصم بـ"التقسيمية" أو "العمل ضد الوحدة الوطنية". لم تكن هذه الاتهامات سوى أداة لإسكات الأصوات المطالبة بحقوق السكان الأصليين، الذين دفعوا ثمناً باهظاً لحماية أرضهم من الاستعمار، ثم جُردوا من هويتهم بعد الاستقلال.

الاستبدادُ الثقافي.. نتاجُ رؤية لا تعترف بالأصل

كان إصرار الفاسي على فرض الهوية العربية نابعاً من رؤيةٍ استعلائية تجاه التنوع، اعتبرت الثقافة الأمازيغية "تراثاً شعبياً" لا يليق بدولة عصرية. لكن التاريخ يثبت أن الأمازيغية هي الوعاء الحضاري الذي حفظ شمال إفريقيا عبر العصور، بينما كانت سياسات التعريب محاولة لقطع الشعب عن جذوره.

ما بعد علال الفاسي.. صحوةُ الأصل

اليوم، بعد عقود من الإقصاء، تعيد الأمازيغية اكتساب مكانتها كلغة رسمية في دستور 2011، كاعترافٍ متأخر بأن شمال إفريقيا لم تُبنَ إلا على أكتاف أبنائها الأصليين. لكن هذا التغيير لا يمحو آثار سياسات الإقصاء التي قادها الفاسي وغيره، والتي حوّلت الهوية الأمازيغية من أصلٍ مُؤسس إلى "قضيةٍ هامشية" تحتاج لنضالٍ لاستعادتها.

الدرس الأهم هنا هو أن الوحدة الوطنية لا تُبنى بإلغاء الهويات الأصلية، بل بالاعتراف بأن شمال إفريقيا ـ من مصر إلى المحيط ـ أمازيغية الجذور قبل أن تكون عربية اللسان." !!؟؟

ونحن كتعليق على ما نقلناه لا نملك إلا أن نقول ما قلناه في النص أعلاه بأن الهوية ثقافة وليس عرقاً، وأن "العرق للحصان والثقافة واللسان للإنسان في كل زمان ومكان"، وأن إسهام الأمازيغ مع كافة المسلمين الفاتحين للأندلس والمشيدين لتلك الحضارة العظيمة لم يكن إلا بالعربية وحدها من طاشقند وسامرقند وأصفهان إلى القيروان وتلمسان وفاس وتطوان.

ونتحدى كاتب هذا الطعن في أحد القادة الروحيين الموحدين الكبار للأمة في جناحها الغربي، المتمثل هنا في العلامة المجاهد الصادق علال الفاسي، أن يبلغ ما كتبه عنه لأعدائه وأصدقائه وأتباعه بغير لغة البيان القرآني اليوم وإلى يوم القيامة، ما دامت هذه الأرض الطيبة تضم الملايين من أحفاد المرابطين والموحدين الغيارى على هوية أمتهم الدينية واللسانية إلى يوم الدين وحق اليقين!!
التعليقات (0)