حين يتحول الألم إلى فرجة.. رواية بريطانية تفضح هشاشة المجتمع الحديث

لوقت طويل تعامل النقد الأدبي مع أدب الرعب باعتباره جنساً هامشياً قائماً على الإثارة أو التسلية أو استثارة الغرائز البدائية لدى القارئ.
لوقت طويل تعامل النقد الأدبي مع أدب الرعب باعتباره جنساً هامشياً قائماً على الإثارة أو التسلية أو استثارة الغرائز البدائية لدى القارئ.
شارك الخبر
لم يعد الأدب المعاصر منشغلاً فقط بتقديم الحكايات، بل بات يعمل بوصفه مختبراً لفحص الأعطاب العميقة التي تصيب المجتمعات الحديثة. فالروايات الكبرى لا تكتفي بتشريح مصائر الأفراد، بل تكشف أيضاً ما يختبئ خلف الواجهات السياسية والاجتماعية من تشققات صامتة.

وفي عالم يزداد اتصالاً تقنياً واتساعاً رقمياً، تبدو المفارقة أكثر قسوة؛ إذ يتزايد في الوقت نفسه الشعور بالوحدة والاقتلاع والاغتراب. من هنا لم يعد الرعب الأدبي مجرد لعبة تخييلية أو وسيلة لإثارة الخوف، بل أصبح أداة لفهم الإنسان المعاصر وهو يواجه أشكالاً جديدة من الهشاشة، حين تتحول المؤسسات التي يُفترض أن تمنحه الأمان إلى مصادر لإنتاج القلق والعزلة والخوف ذاته.

ليست الروايات الكبرى تلك التي تُرعب القارئ فحسب، بل تلك التي تجعله يكتشف أن مصدر الرعب الحقيقي ليس الأشباح ولا البيوت المهجورة ولا الجثث التي تعود من الموت، بل المجتمع نفسه عندما يعجز عن حماية أفراده ويتركهم فرائس للعزلة والهشاشة والاقتلاع الإنساني.

ومن هذه الزاوية تبدو رواية "الجوع والعطش" Hunger and Thirst للكاتبة البريطانية كلير فولر  أكثر من مجرد عمل أدبي يجمع بين الواقعية الاجتماعية والرعب القوطي؛ إنها قراءة أدبية عميقة لأزمة حضارية وسياسية تعيشها المجتمعات الغربية الحديثة.

الرواية، بحسب القراءة النقدية التي قدمتها الكاتبة والباحثة لارا فيجل  في صحيفة "الغارديان" اليوم، تنطلق من حكاية تبدو في ظاهرها مأساة شخصية: فتاة تُدعى أورسولا، تُطاردها منذ طفولتها صور الموت والفقد، بعد أن وجدت نفسها محاصرة لساعات طويلة مع جثة أمها المتوفاة في المغرب. لكن هذا الحدث المؤسس لا يتحول إلى مجرد ذكرى صادمة في السرد، بل يصبح البوابة التي يدخل منها النص إلى أسئلة أكبر تتعلق بطبيعة المجتمع الحديث، وكيف تُنتج البنى الاجتماعية نفسها أشكالاً من الرعب لا تقل قسوة عن الرعب المتخيل.

الرعب بوصفه لغة سياسية


لوقت طويل تعامل النقد الأدبي مع أدب الرعب باعتباره جنساً هامشياً قائماً على الإثارة أو التسلية أو استثارة الغرائز البدائية لدى القارئ. لكن الرواية الجديدة لفولر تعكس تحولاً واضحاً في وظيفة هذا النوع الأدبي؛ فالرعب هنا لم يعد هروباً من الواقع، بل أصبح وسيلة لفهمه.

فالبيت المهجور الذي تنتقل إليه أورسولا ليس مجرد مكان للأشباح، بل استعارة لمجتمع فقد قدرته على الاحتضان؛ والجثث التي تطارد البطلة ليست مجرد عناصر رعب كلاسيكية، بل بقايا نظام اجتماعي متصدع لا يستطيع أن يمنح الأفراد استقراراً نفسياً أو عاطفياً أو إنسانياً.

هنا يتجاوز النص البعد الأدبي ليقترب من قراءة سياسية للتجربة البريطانية في ثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت تحولات جذرية في ظل سياسات رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر.

إرث الثاتشرية وأزمة الفرد المعزول


تربط الرواية بين المصير الشخصي لأورسولا وبين التحولات البنيوية التي أصابت المجتمع البريطاني خلال تلك المرحلة. فقد شهدت تلك الفترة تقليصاً متزايداً لدور الدولة في الرعاية الاجتماعية، وجرى تقديم الأسرة النووية بوصفها الوحدة الطبيعية والوحيدة للدعم والاستقرار، مقابل تراجع دور المجتمع الأوسع وشبكات التضامن التقليدية.

وفي هذا السياق لا تبدو بطلة الرواية ضحية لحادثة فردية، بل نموذجاً لجيل كامل وجد نفسه عالقاً بين مؤسسات رعاية ضعيفة وعلاقات اجتماعية متآكلة وشعور متزايد بالاقتلاع.

الرواية تطرح هنا سؤالاً يتجاوز بريطانيا ذاتها: ماذا يحدث حين يتحول الإنسان إلى فرد معزول داخل مجتمع مكتظ بالسكان لكنه فقير في الروابط الإنسانية؟

الوثائقيات وصناعة الألم


ومن أكثر الأفكار إثارة في العمل أن الرواية لا تجعل الرعب الحقيقي مقيماً في البيت المسكون أو الأحداث الغامضة، بل في الصناعة الإعلامية الحديثة نفسها.

فالفيلم الوثائقي داخل الرواية ـ الذي يُعيد إنتاج جريمة وقعت في الماضي ـ يظهر بوصفه آلة لإعادة استهلاك الألم وتحويل المأساة الإنسانية إلى مادة جماهيرية.

وهنا يفتح النص نقاشاً يتجاوز الأدب إلى المجال الإعلامي والسياسي: هل أصبحت الثقافة المعاصرة تُنتج نوعاً جديداً من الاستغلال، يقوم على تحويل آلام البشر إلى فرجة عامة؟

في عالم المنصات الرقمية وصناعة المحتوى والجرائم التي تتحول إلى عروض جماهيرية، تبدو الرواية وكأنها تطرح نقداً مبكراً لمنطق الاستهلاك العاطفي الذي يهيمن على وسائل الإعلام الحديثة.

حين يصبح الواقع أكثر رعباً من الخيال


ربما تكمن الفكرة الأكثر قوة في الرواية في أنها تعيد تعريف معنى الرعب نفسه. فالأشباح ليست سوى تجسيد بصري لأشياء أكثر عمقاً: الخيانة، والوحدة، والهشاشة، وتفكك الروابط الإنسانية.

ولهذا يبدو العمل وكأنه يقول إن المجتمعات لا تُطاردها أشباح الماضي فحسب، بل تُطاردها أيضاً نتائج الخيارات السياسية والاقتصادية التي صنعت حاضرها.

وفي عالم يتزايد فيه الشعور بالوحدة والاغتراب وتراجع المعنى الجماعي، يصبح الرعب ـ كما توحي الرواية ـ ليس مجرد جنس أدبي، بل لغة لفهم زمن مضطرب يشعر فيه الإنسان بأن الخطر لم يعد يأتي من الخارج، بل من داخل البنية التي يعيش فيها نفسها.

ورغم أن رواية "الجوع والعطش" تنطلق من سياق بريطاني محدد يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، فإن أسئلتها تتجاوز الحدود الجغرافية بسهولة. فالعالم العربي بدوره يعرف، بدرجات متفاوتة، أزمات مشابهة تتعلق بتآكل الروابط الاجتماعية التقليدية، واتساع مشاعر الاغتراب، وتراجع مساحات الاحتضان الجماعي لصالح الفرد المعزول أو الجماعات المغلقة. كما أن تحول المآسي الإنسانية إلى مادة استهلاكية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل بات ظاهرة مألوفة؛ حيث تنتقل صور الألم والحروب واللجوء والفقد من نطاق التجربة الإنسانية إلى نطاق المشاهدة العابرة.

ولعل ما يجعل الرواية تلامس جانباً من الواقع العربي ليس تشابه الوقائع، بل تشابه الأسئلة: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان وحيداً داخل مجتمعه؟ وكيف تتحول الأزمات الاجتماعية والسياسية المتراكمة إلى أشباح تسكن الوعي الجمعي؟ وربما هنا تكمن قوة الأدب الحقيقي؛ أنه لا يروي حكاية مجتمع بعينه، بل يكشف هشاشة الإنسان أينما كان، ويذكرنا بأن بعض أشكال الرعب لا تأتي من العالم الخارجي، بل من تصدعات العالم الذي بنيناه بأيدينا.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)