نكرّر دائما الكوجيتو الديكارتي،
و"نقحمه" في حواراتنا وخطاباتنا
بل ونسلّم به تسليما ناهيك وأنّه يؤمّن لنا تصالحا مع أنفسنا بأنّنا مازلنا نفكّر
أو لعلّه التظاهر بالتّفكير لدى البعض حيث توضع المسلّمات كمقدّسات لا يمكن اختراقها بالتحليل والنقد
وهذا في حدّ ذاته دلالة على عدم التفكير و"الاجترار".
هل نحسن استخدام عقولنا داخل غرفنا المغلقة
. ثمّ، هل يكفي أن يفكّر الإنسان في معزل عن المجموعة وعن الفضاء العمومي ودون
نزعة نقديّة؟
نجد الإجابة عن هذه التساؤلات لدى واحدة من أبرز مفكري القرن العشرين والتي
ترفض توصيفها بالفيلسوفة وهي المنظرة السياسية الألمانية حنة ارندت. اشتغلت على
محاكمة اليهودي أدولف أيخمان في المجزرة التي أقامتها النازية، ولما تمعنت في
قضيته وتابعتها في أدقّ تفاصيلها، خلصت إلى أنّ هذا الأيخمان "يفكّر" في تنفيذ الأوامر دون أن يفكر فيها
نقديا ولو فعل ذلك لما استجاب لسلطة أدولف هتلر ولما تحوّل إلى مجرّد أداة
يستخدمها جهاز اجرامي. نفهم من ذلك أنّه لا قيمة للفكر وحده دون نزعة نقديّة.
لتسعى حنّة بذلك إلى سدّ الفجوة التي
تركها الكوجيتو الديكارتي " أنا أفكّر إذن أنا موجود". حين عزل الإنسان المفكّر عن الفضاء العمومي.
فالوجود دون فكر نقدي يقود إلى فعل بلا قيمة.
هل المثقف العربي اليوم يفكّر داخل الكوجيتو
الديكارتي فيحبس أفكاره داخل دائرة التنظير المفرغ من معنى فعلي حقيقي أم يفكّر
حسب طقوس حنة ارندت التي تحملنا إلى الفعل في الواقع والتأثير فيه بتحويل الفكرة
إلى ممارسة؟
سألتُ مرّة أحد المبدعين في تونس، إبّان
الثورة، عن قضية سياسية كانت تشغل البلاد، فأجابني: “لا أستطيع أن أصرّح برأيي
الآن، حتى نرى ما ستؤول إليه الانتخابات ومن سيصعد إلى الحكم.” عند كلماته
الأخيرة، شعرتُ برجّة زعزعت بعض المسلّمات التي ترسّخت في ذهني عن
دور الفكر
والفنّ والمثقّف في الحراك المجتمعي، واستحضرتُ صور المبدعين الذين قاوموا بشتى
أشكال المقاومة الفكريةو الفنية في سياقات كانت اكثر صعوبة وخطورة. وبقيت احابته
تلك تدور في رأسي وتعيدني إلى السؤال ذاته : هل صار المبدع اليوم ينتظر بدل أن
يبادر؟
نحن اليوم إزاء مفارقة لافتة: مثقّف ينتج خطابًا نقديًّا كثيفًا، لكنّه يلوذ بالصمت حين يتعلّق الأمر بالممارسة. انّهم يغيبون حين يتطلّب الأمر موقفًا علنيًّا. وأن حضروا فقد يوظفوا أفكارهم بما يخدم جهة دون اخرى وهو ما نراه في المنابر الإعلامية من تجاذبات بين مثقفين في دفاع عن شقوقهم أكثر من القوى السياسية في حد ذاتها.
هل قرأ هذا الصّمت والوائد لعقله لهؤلاء
المفكرين الذين اتخذوا من أدواتهم الابداعية أسامة مقاومة عبر مختلف العصور
وتمرّدوا فكريا فغيروا الواقع وهم كثر نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر :عبد
الرحمن الكواكبي، محمد عابد الجابري، محمد اركون، ابو القاسم الشابي، هشام جعيط
والطاهر الحداد. وهل ننسى أيضا أشعار محمود درويش المقاومة، والمسرح السياسي لـسعد الله ونوس، وأعمال فاطمة
المرنيسي ونوال السعداوي وهدى شعراوي؟ تلك الثورات الفكرية التي صنعت فارقًا في
الوعي وبناء الدولة الحديثة.
لقد نشأنا على هذا الإرث، لنجد اليوم
مثقّفًا ينتظر، يراقب اتجاه الأغلبية حماية لمكاسبه. وكانه أتى لصنع نفسه ونجوميته
الوهمية وليس المساهمة كفاعل في تجديد " خلابا" المجتمع وصناعة وطن
مغاير ومتقدم. لقد تركوا المجالس العامة للتسلل خلسة إلى مجالسهم الخاصة وتسريب
أفكارهم كأنها محرمات " تابوهات".
فنحن اليوم إزاء مفارقة لافتة: مثقّف ينتج
خطابًا نقديًّا كثيفًا، لكنّه يلوذ بالصمت حين يتعلّق الأمر بالممارسة. انّهم
يغيبون حين يتطلّب الأمر موقفًا علنيًّا. وأن حضروا فقد يوظفوا أفكارهم بما يخدم
جهة دون اخرى وهو ما نراه في المنابر الإعلامية من تجاذبات بين مثقفين في دفاع عن
شقوقهم أكثر من القوى السياسية في حد ذاتها.
في حين أن المثقف قديما كان يناضل على كل
الاصعدة وكان من عمل على بناء صحافة
الرأي. لتعود مثلا إلى الصحافة التونسية بين عشرينات وخمسينات القرن
الماضي، سنجد قائمة طويلة من المبدعين
الذين ناضلوا بالقلم في سياق طبعته الحروب العالمية وأزمة الثلاثينات الاقتصادية،
والاستعمار الفرنسي. بل إنّ بعضهم كان يراوغ السلطة الاستعمارية باستعمال أسماء
فرنسية للحصول على تراخيص النشر، أو بأسماء مستعارة لطرح قضايا حسّاسة، كتحرير
المرأة. لم يكن هناك آنذاك صحفيون بالمعنى الأكاديمي، بل كانت النخبة نفسها تقود
هذا النضال.
اليوم، سجّل جزء من المبدعين انسحابهم من
الصفوف الأمامية، واستُلبت من الفنون أدوارها غير الترفيهية، ليأخذ مكانها فاعلون
آخرون. ومع تفاقم الأزمات، تترسّخ فكرة استقالة المبدع من دوره، أو تفويضه لغيره.
إنّهم لا يفكرون لا حسب الكوجيتو الديكارتي ولا التوجه الارندتي.
كيف يتمثّل المثقّف اليوم دوره داخل المجتمع؟ هل ما يزال يؤمن بدوره الإصلاحي والتغييري، أم يكتفي بعرض أفكاره في المنابر الإعلامية كردود أفعال ظرفية؟ هل تتحكّم في مواقفه قناعاته أم حساباته؟ وهل يدرك الفنان أنّ دوره يتجاوز الترفيه، أم يتعمّد حصر نفسه فيه حفاظًا على موقعه في "سوق الفن"؟
وتزداد هذه الحالة حدّة مع هيمنة
الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، التي تعيد تشكيل المجال العمومي في شكل "فقاعات"
و"غرف صدى"، تعزل الأفراد وتغذّي تحيّزاتهم، فلا تعرض لهم إلا ما
يشبههم. وهنا يتأكّد طرح أرندت: ليست قيمة الإنسان في التفكير منعزلًا، بل في
التفكير مع الآخرين، داخل فضاء عمومي قائم على التعدّدية والحوار.
تؤكّد أرندت أنّ الفعل السياسي الحرّ هو
جوهر الحياة الإنسانية وأنّه لا يتحقّق إلا داخل فضاء مشترك. لذلك، فإنّ الكوجيتو
الديكارتي "أنا أفكّر إذن أنا موجود" يبدو ناقصًا إن لم يُستكمل بـ: "أنا
أفعل إذن أنا أشارك".
ربّما لم يعد السؤال اليوم: هل نفكّر؟ بل:
هل نملك شجاعة تحويل الفكر إلى فعل؟
ولعلّ الإجابة تبدأ بسؤال آخر: كيف يتمثّل
المثقّف اليوم دوره داخل المجتمع؟ هل ما يزال يؤمن بدوره الإصلاحي والتغييري، أم
يكتفي بعرض أفكاره في المنابر الإعلامية كردود أفعال ظرفية؟ هل تتحكّم في مواقفه
قناعاته أم حساباته؟ وهل يدرك الفنان أنّ دوره يتجاوز الترفيه، أم يتعمّد حصر نفسه
فيه حفاظًا على موقعه في "سوق الفن"؟
نردّد كثيرًا انّه "إذا ارتقى الإنسان
صار فنانًا"، لكن: هل هذا الفنان واعٍ بدوره في الحراك المجتمعي، أم يتجاهله؟
هل لم يعد ممكنًا اليوم الحديث عن مثقّف
ملتزم؟ وهل استشرفت حنّة أرندت هذا المآل حين رفضت أن تُصنّف كفيلسوفة، وكأنّها
كانت تتحسّب ليوم يُساء فيه توظيف الفكر؟
أمام ما يحدث في الأوطان العربية، متى يصحو
المثقّف، وينظر إلى الوطن قبل ذاته؟